قصة الخلق بين الديانة الفرعونية والديانات الشرق أوسطية

ارنستو المصري

من ضمن الأسئلة التى قد تكون محورية فى المعتقدات الدينية على إختلافها هو السؤال الخاص بتفسير وجود مثل هذا الكون الهائل , فبطريقة أو بـ أخرى نجد أن المعتقدات الدينية إتفقت مع بعضها البعض منذ القدم على تقديم تفسير واحد لكيفية وجود هذا الكون , و تتمحور هذه الإجابه فى أن السماء و الأرض كانتا شيئا واحدا ثم تم فصلهما فيما بعد , و هو ما إتفقت عليه المعتقدات الدينية للشرق الأوسط (الإسلام و المسيحية و اليهودية) بل و لن أبالغ إذا قلت أن أغلب المعتقدات الدينيه فى العالم أجمع قالت بهذا (الزرادشتية و الهندوسية و المندائية) , و لكن ما هو أصل هذه القصة و كيف أتت إلى الوجود و برزت بتلك الطريقه المتاشبهه فى كل النعتقدات الدينية ؟ , هذا هو السؤال المهم و لكن لكى نستطيع الإجابه على هذا السؤال يجب أن نتعمق أكثر فى المعتقدات الدينية و نذهب لنرى أقدم معتقد دينى فى العالم و هو الديانه المصرية الفرعونية , و نرى كيف فسرت عملية وجود الكون , و عند البحث فى المعتقد الفرعونى القديم نجد ان هناك عدة نصوص تتحدث عن قصة صناعة الكون , و لكن ما يثير الإنتباه هو أن أقدم قصة فى المعتقد الفرعونى (التاسوع المقدس) فى حديثها عن كيفية صناعة الكون هى تقريبا تعتبر نسخه مطابقه لكل ما أتت به الأديان اللاحقة و التى تحدثت عنها سابقا.

قصة خلق الكون من التاسوع المقدس الفرعونى : (وجد الإله (أتوم) نفسه وحيدا فقرر أن يخلق أبنائه الآلهه من نفسه المبجله, فأخذ بيده كميه من مَنِيه و وضعها فى فمه و بين أسنانه و شفتيه,  ثم عطس فكان الإله الذكر (شو) إله الهواء, ثم تفل فكانت الإلهه الأنثى (تفنوت) ربة الرطوبة, فكان (شو) و (تفنوت) على التل الأزلى بينما ظل (أتوم) فى المياه المقدسه, و حينما أرادا البقاء مع (اتوم) فى المياه المقدسه إنفصلا فى أحراش تلك المياه اللانهائيه, فأرسل (اتوم) عينه لتأتى بهما فعندما عاد (شو) و (تفنوت) إلى أبيهم (اتوم) سالت دموعه و من هذه الدموع المقدسة أتى البشر, ثم تناسل (شو) و (تفنوت) فأنجبا (جب) إله الأرض و (نوت) ربة السماء, فكانا يعيشان مع والديهما فى المياه المقدسة, و علم (أتوم) أن (جب) تزوج (نوت) بدون علمه فقرر فصلهما عن بعض تماما, فأمر (شو) أن يكون الفاصل بينهما حيث يكون (جب) فى الأسفل و (نوت) فى الأعلى لا يلتقون إلا عند غروب الشمس, فيظلو متعانقين حتى شروق الشمس التالى فينهض (شو) بينهم و يضع نوت على أربع أعمدة حتى المساء ليسمح بعبور رع فى جسدها, و يتكرر هذا كل يوم حيث يصل (اتوم) بمركبته إلى اعلى بطن (نوت) , فقرر (شو) أن يزين بطنها بالنجوم التى تظهر ليلا, و أنجبت (نوت) (أوزوريس) إله الخضرة و (إيزيس) ربة الانوثة و (ست) إله الصحراء و (نفتيس) ربة منزل الآلهه المقدس).

و بالنظر إلى الشروحات التوراتية السامرية القديمة نجد أن الإقتباس التوراتى من النص الفرعونى يتطابق فى الأية الثالثة من الإصحاح الأول فى سفر التكوين (و روح يهوه تهب على وجه الماء }3{) و أيضا نجد فى الأيات من السابعة و حتى التاسعة من الإصحاح الأول فى سفر التكوين (يكون فلك فى وسط الماء ليكون مميزا بين ماء و ماء }7{ و صنع يهوه الفلك و فصل بين الماء الذى من تحت الفلك و بين الماء الذى فوق الفلك و كان كذلك }8{ و سمى يهوه الفلك هواء }9{) , اما عن النصوص التوراتية العبرانية و التى يسميها المسيحيون العهد القديم فنجد أن الإقتباس من القصة الفرعونية موجود فى نفس المواضع تقريبا مع إختلاف لفظى بسيط ففى الأية الثالثة من ترجمة الفانديك نجد (و روح الله يرف على وجه الماء) و أيضا فى الأيات السادسة و السابعه و الثامنة من الإصحاح الأول فى سفر التكوين (و قال الله : “ليكن جلد فى وسط المياه و يكون فاصلا بين مياه و مياه” }6{ فعمل الله الجلد و فصل بين المياه التى تحت الجلد و المياه التى فوق الجلد و كان كذلك }7{ و دعا الله الجلد سماء و كان مساء و كان صباح اليوم الثانى }8{) , و هو ما يتفق مع سياق شرح البابا شنودة الثالث حيث قال (هنا تم تقديم المياه لانها الأصل و المنشأ , و هذا الجلد الذى يفصل ما بين المياه هو الرياح و هضا يحمل مفهوما روحيا حيث يجب على الإنسان أن يتقبل مياه الروح القدس العلوية الواهبه للحياة و يسمو فوق المياه التى هى فى الأسفل , مياه البحر المالحه التى من يشرب منها يزيد عطشه).

اما بالنظر إلى الإقتباس الإسلامى نجده بارزا جدا فى الأيه ثلاثين من صورة الأنبياء حيث تقول (أولم ير الذين كفرو أن السماوات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما و جعلنا من الماء كل شئ حى) , و هو ما فسره شيخ المفسرين إبن كثير حيث قال ( أن تعبير (السماوات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما) إنما يدل على أن الجميع كان متصلا ببعضه فى حالة من التلاصق و التراكم فوق بعضهم البعض , ففتق الله هذه من هذه و ابعدهما فجعل السماوات و الأرض و فصل بينهما بالهواء و امر الله السماوات أن تمطر و ان تنبت الأرض بفيض مائها و هذا ما يتضح من تعبير و جعلنا من الماء كل شئ حى) , و هو ما يتفق إقتباس الطبرى فى تفسيره لحديث ابن عباس حين قال (كنا مع رسول الله و سألناه عن السماء و الأرض فقال كانتا ملتصقتين فرفع الله السماء و وضع الأرض و فصل بينهما بالهواء) و أيضا نجده يتفق مع نص الحديث النبوى الذى إقتبسه ابن كثير فى تفسيره و المتعلق بالماء و الذى يقول (عن أبو هريرة رضى الله عنه قال : دخلت على رسول الله و قلت له : يا رسول الله انى اذا رأيتك طابت نفسى و قرت عينى فأنبئنى عن كل شئ , فقال : رسول الله كل شئ خلق من الماء).

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ارنستو المصري. Bookmark the permalink.