الموجات النسوية في الفكر النسوي الغربي

دكتورة مية الرحبي 

مقدمة:
من الصعوبة بمكان أن نرصد بدقة بداية التحرك النسوي ضد الاضطهاد الذكوري، فمما لاشك فيه أن ذلك تزامن مع بداية تحكم النظام البطريركي الأبوي بالنساء، فأي ظلم يقع على أفراد أو جماعات، لابد أن يولد تحركا مضادا، فرديا يمكن أن يصل بصاحبه إلى حدود التمرد الانتحاري، أو جماعيا يؤدي إلى تشكيل جبهة تتصدى للفئة المضطهدة المسيطرة، ولا ينطبق ذلك على النساء فقط وإنما على جميع المجموعات البشرية المهمشة على امتداد التاريخ البشري المعروف.

وبما أننا سنقتصر في بحثنا هذا على الموجات النسوية الغربية فمن البديهي أن تغفل دراستنا جميع التحركات النسوية التي حفل بها تاريخ الشعوب الشرقية، والتي تحتاج إلى سبر تاريخ تلك الشعوب، في بحث خاص مستقل.

أما بالنسبة للغرب، فيشير كتاب شيلا روبتهامsheila rowbetham ( الثورة وتحرر المرأة ) إلى أن أول تمرد على الظلم الواقع على النساء حدث في أوربا في القرن الثالث عشر، واستمر حتى القرن التاسع عشر بشكل محاولات فردية وجماعية، لكنها متفرقة مبعثرة، تحدت فيها النساء سلطة الكنيسة والإقطاع، وتصدت لمحاكم التفتيش، وقد أعدمت وأحرقت العديد منهن، متهمات بالسحر والشعوذة والهرطقة، وقد خاضت العديد من النساء في القرنين السادس والسابع عشر نضالات واضحة في الحقلين الثقافي والاجتماعي دفاعا عن حقوق المرأة.
وقد شكل خروج المرأة من نطاق العمل المنزلي والزراعي إلى مجال العمل الصناعي نقلة نوعية هائلة في أوضاع النساء الغربيات، إذ بدأت تتشكل تحركات نسوية اتخذت شكلا جماعيا، متأثرة بأفكار الثورة الفرنسية 
(
حرية، عدالة، مساواة) والأفكار الاشتراكية والماركسية.

تعاريف النسوية:

طرح مصطلح النسوية feminism في عام 1860، ثم طرح في الثلاثينات بقوة في أميركا بينما طرح في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وازدهر في الستينات والسبعينات في فرنسا.
يعرف معجم Hachette النسوية بأنها “منظومة فكرية أو مسلكية مدافعة عن مصالح النساء، وداعية الى توسيع حقوقهن 
أمام معجم ويبستر فيعرفها على أنها ” النظرية التي تنادي بمساواة الجنسين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وتسعى كحركة سياسية إلى تحقيق حقوق المرأة واهتماماتها وإلى إزالة التمييز االجنسي الذي تعاني منه المرأة
وتعرفها Sara Gambel في كتابها النسوية وما بعد النسويةfeminism and postfeminism بأنها “حركة سعت الي تغيير المواقف من المرأة كأمرأة قبل تغيير الظروف القائمة وما تتعرض اليه النساء من إجحاف كمواطنات علي المستويات القانونية والحقوقية في العمل والعلم والتشارك في السلطة السياسية والمدنية
وتعرف الكندية «لويز تزبان» النسوية بأنها “انتزاع وعي فردي في البداية ومن ثم وعي جمعي تتبعه ثورة ضد موازين القوى الجنسية والتهميش الكامل للنساء في لحظات تاريخية معينة”.‏ 
هنالك نوعان من ناشطات الحركة النسوية:
ناشطات جماعات المصالح، ويهدفن إلى التأثير في النخبة السياسية، ومن ثم القرارات السياسية والتشريعات.
ناشطات يستخدمن الخطاب الثقافي 
وأهم وثيقتين في هذا الصدد هما: 
أ – الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 
ب –اتفاقية (القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة) سيداو cedaw عام 1979

الموجة النسوية الأولى:

هي موجة المطالبة بحقوق التعليم والعمل وحقوق المرأة المتزوجة بالملكية وحضانة الأطفال، وحق الاقتراع.

تاريخيا:
يؤرخ تقليديا لهذه الموجة بظهور مؤلف ماري ولستون كروفت ( دفاعا عن حقوق النساء) 1792، والتي أوضحت فيه أن النساء بحاجة للعقلانية، التي سيتوصلن إليها عن طريق التعليم، كما ناقشت نظرة المجتمع للأنوثة.

فكريا:
تصدت مفكرات ومفكري النسوية الأولى إلى ما توارثته الذاكرة الجمعية والفردية من أفكار سلبية عن المرأة من خلال صورة المرأة في التراث اليهودي والمسيحي- المرأة أصل الخطيئة-، وصورة المرأة في أعمال ومواقف العديد من المفكرين والفلاسفة الغربيين تجاه المرأة من (أفلاطون) الذي يصنف المرأة في درجة دنيا مع مع العبيد والأشرار المخبولين والمرضى، إلى الفلاسفة المتأخرين مثل (ديكارت) من خلال فلسفته الثنائية التي تقوم على العقل والمادة: فيربط العقل بالذكر ويربط المادة بالمرأة، مرورا ب (كانط) الذي يصف المرأة بأنها ضعيفة في تكوينها ككل، وبخاصة في قدراتها العقلية، وفيلسوف الثورة الفرنسية (جان جاك رسو) الذي يقول: إن المرأة وجدت من أجل الجنس ومن أجل الإنجاب فقط، و (فرويد) رائد مدرسة التحليل النفسي، الذي يرجع كل مشاكل المرأة إلى معاناتها من عقدة النقص تجاه العضو المذكر.
وقد أدت تلك المراجعات النقدية للأطر والمناهج العامة للفكر الغربي إلى بلورة طروحات نسوية جديدة، أثبتت أن النظرة الدونية للمرأة ما هي إلا نتاج تأثيرات الثقافات السائدة، التي لا تمتلك أي جذور حقيقية أو مصادر طبيعية تستند عليها. إذ أنها نتاج النظام البطركي (الأبوي) الذي جرى بناؤه منذ آلاف السنين: نظام هيمنة ذكورية ظل متماسكاً رغم كل الثورات والتطورات التكنولوجية التي حصلت على مر القرون الماضية، مما أدى إلى علاقات تراتبية بين الجنسين، تحولت إلى قناعات راسخة عند كل منهما. 

ميدانيا:
بدأت في أمريكا الدعوة لحقوق النساء في مؤتمر كبير في سينكا فولز عام 1848 شارك فيه أكثر من 300 شخصية منهم 40 رجلا،، كان من أهم مطالبه وقف التمييز ضد النساء. وقد اهتمت الأمريكيات بحق التعليم، العدالة وتحرير العبيد، وحق التصويت.
أما في في انكلترا فتظاهرت المطالب النسوية في الخمسينات من القرن التاسع عشر بالمطالبة بحق التعليم والعمل وتعديل قوانين الزواج ( حقوق المتزوجات بالملكية والحضانة)، فقادت الناشطات النسويات حملة حضانة الأطفال 1838، ووثيقة المطالبة بحق الملكية للمرأة المتزوجة 1857، وقد اتهمت الحركة النسوية البريطانية بأنها تقصر اهتمامها على مشكلات بنات الطبقة الوسطى 

الموجة النسوية الثانية:

تاريخيا:
تشير الموجة الثانية إلى نشاطات الحركة النسوية الممتدة بين 1960 و حتى نهايات القرن العشرين. في هذه المرحلة بدأت الحركة النسوية تأخذ طابعا عالميا يشمل “المرأة” في جميع أنحاء العالم . وفيها تجاوزت مطلب المساواة واعتمدت النقد العقلاني، وظهرت فيها تيارات ومذاهب عديدة، اعتمدت لغة التحرر من القمع السياسي والاجتماعي والجنسي.

فكريا:
دعت الموجة الثانية إلى إعادة تشكيل الصورة الثقافية للأنوثة بما يسمح للمرأة بالوصول إلى النضوج واكتمال الذات أي تحقيق الأنوثة. ذلك لان الأنوثة غامضة وغريزية وقريبة من خلق الحياة واصلها، إلى درجة أن العلم الذي صنعه الرجل قد لا يستطيع فهمها، تبعا لبيتي فريدان. 
وعلى الرغم من أن أوج فترة الموجة الثانية من النسوية يرتبط عامة بصدور كتاب كيت ميليت عن السياسات الجنسية (Kate Millett, Sexual Politics 1970) إلا أن العديد من الأفكار التي أثرت على الموجة الثانية من الحركة النسوية، وكذلك العديد من الأفكار التي سعت بعض النسويات لمواجهتها وتحديها، يمكن تتبع أصولها إلى:
كتاب “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” لفردريك انجلز، الذي لخص فيه أبحاث باهوفن ومورغان، وكذلك دراساته هو وماركس في هذا الإطار، وأنا اعتبر أن هذا الكتاب من أهم الكتب التي اعتمدت عليها الحركة النسوية إن لم يكن أهمها على الإطلاق، إذ أنه يبرز بشكل غير قابل للبس أن النظام الأبوي البطريركي الذي قام على سيطرة وتفوق واضهاد الرجل للمرأة ليس من الصفات المميزة للطبيعة البشرية، وليست السمة الوحيدة التي وسمت المجتمعات منذ بدء الخليقة، بل أن البشرية عاشت العصر الأمومي، الذي كانت فيه القرابة تحسب وفقا لخط الأم، وكانت فيه الملكية جماعية، فكل ما تملكه القبيلة ملك لجميع أفرادها، قبل أن يتم الانقلاب الكبير الذي سيطر فيه المجتمع الأبوي البطريركي على مقاليد الأمور بظهور الملكية الخاصة، وتم اسقاط الحق الأمي وتلك كانت الهزيمة التاريخية العالمية لجنس النساء، إذ ظهر شكل العائلة البطريركية، بشكل الزواج الأحادي، والذي كما يقول انجلز كان أحاديا للمرأة فقط، التي فرضت عليها قيود العفة، وفرضت عليها رقابة صارمة بلغت حدود حبسها في البيت أو مراقبتها بشكل دائم ( من قبل الخصيان والعبيد أو العائلة) كي يضمن الرجل أن من تلدهم هم أولاده وأن ملكيته ستنتقل لمن هم بالتأكيد من صلبه، في حين أوجد النظام البطريركي مؤسسات البغاء والجواري التي تؤمن للزوج حرية ممارسة الجنس خارج إطار الزواج الأحادي، وتدريجيا تدنت قيمة المرأة داخل الأسرة لتتحول إلى وعاء لتأمين متعة الرجل ووسيلة لإنجاب الأولاد، ومن ثم عبدة للرجل، ” وعليه لا يدخل الزواج الأحادي إطلاقا في التاريخ بوصفه اتحادا اختياريا بين المرأة والرجل، ولا بوصفه الشكل الأعلى لهذا الاتحاد، بل بالعكس، فهو يظهر كاستعباد جنس من قبل جنس آخر” ص 82 ، كما أن الزواج هذا كان غالبا زواجا طبقيا يعقد كصفقة بين عائلتي الزوجين وهو ما أسماه انجلز بزواج الانتفاع، وهنا لا تؤجر المرأة جسدها كالبغي في كل مرة، بل تبيعه دفعة واحدة وإلى الأبد كالعبدة، ولم يكن هذا الزواج يقوم على الحب ، بل على العكس كان الحب الذي حكت عنه الكثير من الأشعار والروايات هو الحب الذي لا ينتهي بالزواج.

وهكذا بدأ عصر اضطهاد المرأة مترافقا مع كافة أشكال قهر الإنسان لأخيه الإنسان ، فالسيطرة الذكورية ارتبطت بسيطرة القوة، واستغلال الأقوى للأضعف، ذلك الاستغلال الذي تحول إلى سياسة ثابتة حكمت جميع المجتمعات البشرية ولا زالت تحكمها حتى اليوم. وقد انطلقت جميع الدراسات النسوية اللاحقة من هذه النقطة والتي حتى وإن لم يشر إليها الباحث مباشرة فهي موجودة قي ثنايا الأفكار التي يطرحها، لأن جميع الدراسات اللاحقة اعتبرت العصر الأمومي، الذي تلاه العصر البطريركي الأبوي هو من المسلمات التي لا تحتاج إلى نقاش.

والكتاب الآخر الذي يعتبر مؤسسا للفكر النسوي هو كتاب سيمون دي بوفوار “الجنس الآخر” (Simone de Beauvoir, The Second Sex) 1949، فقد وضعت سيمون دي بوفوار في كتابها الرائد أسس مفهوم الجندر / الجنوسة / النوع الاجتماعي بعبارتها ( لا تولد المرأة امرأة، ولكن المجتمع هو الذي يعلمها أن تكون امرأة) كما توازي سيمون دي بوفوار بين مصير الذات الخاضعة للاستعمار وبين مصير النساء، وهي مقارنة تسلط الضوء على ميل الحركة النسوية إلى تعميم أشكال القهر، وبالتالي تجاهل التعقيدات والخصوصيات التي تتعلق بالانتماء إلى الآخر على أساس الجنس أو العرق أو الثقافة، وترى سيمون دي بوفوار أن المقولة المعادية للنسوية في القرن التاسع عشر، والقائلة بأن النساء متساويات ولكنهن مختلفات عن الرجال، هي مقولة تعيد إنتاج صيغ شبيهة من التمييز ضد النساء مثل قوانين الفصل العنصري ضد الأمريكيين من أصول أفريقية. كما تؤكد دي بوفوار في كتابها على المرأة بصفتها “الآخر” بالمعنى الفلسفي، وليس بمعنى “الغير” في العلوم الإنسانية، أي الفرد الذي تحدد خصائصه الذهنية والنفسية والبدنية باعتبارها الخصائص المضادة أو المقابلة للخصائص المعيارية للرجل.

كما يعتبر البعض كتاب بيتي فريدان “الغموض الأنثوي” ( Betty Friedan, The Feminine Mystique) ، والذي صدر عام 1963، من أمهات الكتب النسوية، والذي طرحت فيه أن تحرر النساء يبنى على تحريرهن في المجال الخاص ( الأدوار الانجابية والخدمية)، وانتقالهن إلى المجال العام، كما طرحت بيتي فردان مفهوم العمل المرن، والتمييز الايجابي. وعقدت مقارنة بين موقف النساء الممنوعات من التصويت والانتخاب وبين الأمريكيين من أصول أفريقية، مؤكدة على أنه من خلال مشاركة النساء في منظمات مناهضة العبودية أدركن أنهن أيضا يعانين من نوع من العبودية، وأنهن أيضا يحتجن إلى التحرر. 

انقسمت الحركة النسوية في هذه الموجة إلى تيارات ومناهج عدة، تشير أغلب الأبحاث إلى أربعة رئيسية منها هي: 
النسوية الماركسية  MARXIST FEMINISM
النسوية الليبرالية  LIBERAL FEMINISM
النسوية الاشتراكية  SOCIALIST FEMINISM
النسوية الراديكالية  RADICAL FEMINISM
في حين تضيف أبحاث أخرى إلى تلك تيارات أخرى هي :
النسوية البيئية ENVIRONMENTAL FEMINISM 
النسوية السوداء BLACK FEMINISM 
النسوية الثقافية CULTURAL FEMINISM 
النسوية الوجودية  EXISTENTIAL FEMINISM

تمثل النسوية الاشتراكية والليبرالية والماركسية اكثر من 80% من النسويات الغربيات، اما المدارس الأخرى كالنسوية الراديكالية والبيئية فإنها تمثل حوالي 10% من المدارس النسوية.
تتشابه وتتقارب مطالب النسوية بشكل عام، لانها بمجملها مطالب حقوقية إنسانية ( العدل المساواة عدم التمييز بين البشر كونهم كلهم بشر رفع الظلم الخ…) لكن لكل تيار فكر وأيديولوجية معينة. 

النسوية الماركسية:

تربط النسوية الماركسية اضطهاد المرأة بأفكار ماركس التي تتعلق باستغلال الرأسمالية لجهود الطبقات العاملة، واستغلال المجتمع البطريركي لجهود النساء باعتبارهن عاملات منتجات ( انتاج الأطفال والعمل المنزلي) اللاتي لا يملكن وسائل الانتاج و تتم سرقة جهودهن، شأنهن شأن العامل المستغل من قبل صاحب العمل، وقد طرحت فيما بعد بعض النسويات الماركسيات فكرة أن النساء يشكلن طبقة مستغلة، أوضاعها أسوأ من أوضاع الطبقة العمالية، ففي حين تتواجد الطبقة العمالية في مكان واحد هو المعمل، وتنتظم قواها ضمن نقابات، تتبعثر النساء في منازل متفرقة، وتنعزل عن بعضهن مما يجعل توحيد جهودهن على درجة كبيرة من الصعوبة. وتركز النسوية الماركسية على إحداث تغيير مجتمعي شامل، لا على تغيير الفرد المكون لهذه المجتمعات. فبتحويل وسائل الانتاج إلى ملكية عامة اجتماعية لن تبقى العائلة الفردية وحدة المجتمع الاقتصادية، بل يصبح الاقتصاد البيتي الخاص فرعا من فروع النشاط الاجتماعي، وتغدو العناية بالأطفال وتربيتهم من شؤون المجتمع، مما سيحرر المرأة من العمل المنزلي المرهق. إن ترافق ذلك مع خروج المرأة إلى العمل وما سيؤمنه ذلك لها من استقلال اقتصادي، كفيل بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل، بزوال شكل الأسرة القائم على سيطرة الرجل الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية، وبقاء العلاقة الانسانية القائمة على الحب المتبادل فقط. 

النسوية اليبرالية

هي تيار نسوي يركز على الفردية أو على المرأة كفرد، وعلى قدرات المرأة وإمكانياتها في الحصول على حقوقها والمحافظة عليها من خلال نشاطها وفاعليتها واختيارها، عندما تؤمن لها الحرية وكافة الحقوق الأخرى. وهي تؤمن بالتفاعل الشخصي بين الرجل والمرأة كوسيلة لتغيير المجتمع، وتؤمن بقدراتها على الحصول على المساواة التامة وبإمكانية ذلك دون تغيير في البنى الاجتماعية.
و أن المساواة بين الرجل والمرأة تأتي من خلال السياسة والقانون.

النسوية الاشتراكية:

تعتمد هذه النظرية على مبدأ أن المجتمع يتضمن بنيتان مسيطرتان هما النظام الرأسمالي والنظام الأبوي، كشكلان متمايزان للعلاقات الاجتماعية الاقتصادية، ويجب تحليل كل منهما على حدة، ومحاربة كل منهما بأدوات مختلفة، وكلا النظامين يستغل النساء ويضطهدهن، وطالبت هذه النظرية بحرية الإنجاب، والمسؤولية الوالدية المشتركة، وتطوير مختلف أشكال المشاركة بالإنتاج الاجتماعي، وتقويم العمل المنزلي اقتصاديا، والانتباه إلى الخصوصية المعرفية النسائية، وإعادة كتابة التاريخ وتقييم مساهمة النساء في صنع الحضارة، وربط الخاص بالعام.

النسوية الراديكالية:   

يرى هذا التيار بأن الرجل هو المتحكم بهرمية رأس المال وهذا ما يفسر الأدوار الجنسية ويفرز اضطهاد الرجل للمرأة، وأن وضع المرأة الحالي هو ناتج عن سيطرة الرجل على مراكز القوى والسلطة والمال وهو المسؤول الأول عن اضطهادها، وطالما أن هذا النظام وهذه القيم هي التي تحكم المجتمع فإن المرأة لن تتمكن من إنجاز أي تغيير هام في مسيرتها نحو المساواة.

يهدف هذا التيار الى التعويض عن بعض النواقص في النسوية الليبرالية والماركسية من خلال التأكيد على الطابع العام والعابر للمناطق والثقافات، المستقل عن الطبقات، للتمييز ضد النساء. ويعتبر أنصاره أن البطريركية بحد ذاتها هي أساس هذا التمييز ضد النساء والسيطرة عليهن التي تنسحب على ميادين الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجنسية، وتخلق نظام تنميط للجنسين من خلال ثقافتين: واحدة ذكورية مسيطرة، وأخرى نسائية مسيطر عليها.
ومن بين استراتيجيات هذا التيار الهادفة الى تغيير المعادلة الراسية، استعادة النساء لأجسامهن وكيانهن وإعادة الاعتبار الى ثقافة خاصة بهن الى حد الانفصال عن الرجال والعيش في مجتمعات نسائية مستقلة. 

وانطلاقاً من عمل هذا التيار، ولدت مذاهب فكرية ونقدية أضاف كل منها نواح جديدة الى التحليل السيكولوجي وفهم الحالة النسوية. وتأسس مذهب متمحور حول عالمة النفس لوس إيريغاراي التي طورت التفكير حول مفهوم الاختلاف، وخلقت نقاشات حول الطابع البيولوجي والاجتماعي لهذا الاختلاف. واستعاد هذا المذهب قول المفكرة والنسوية الفرنسية سيمون دو بوفوار ( لا تولد المرأة امرأة، ولكن المجتمع هو الذي يعلمها أن تكون امرأة) جاعلاً منه أبرز شعاراته. 
بعد السبعينيات بدأ التنظير للفكر المثلي عبر تيار جديد سمي «تيار النسويات المثليات» رأى بأن التمييز بين الرجل والمرأة يتبلور بشكل أساسي في العلاقات الجنسية بينهما، ولمحاربة هذا التمييز ينبغي اجتثاث الجذر وهو العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وخلق علاقات مثلية يكون الطرفان فيها متساويين.‏ 

وتعبر النسوية الراديكالية البارزة روبين مورجان Robin Morgan عما تراه من قهر عالمي للنساء بوصفها النساء بأنهن شعب خاضع للاستعمار، وقد تم استعمار أرضهن النفيسة – أي أجسادهن –من قبل المجتمع البطريركي. أما الأمر الأكثر أهمية فهو أن تلك الأرض بما فيها من موارد يتم استغلالها: حيث يتم إجبار النساء على الإنجاب دون أي ضمانات من قبل الرجال تؤكد التزامهم بدعم أو رعاية أو تحمل أي مسؤولية على الإطلاق تجاه الطفل. كما أن النساء قد استوعبن تماما الأفكار المعادية للنساء عن أجساد النساء باعتبارها “نجسة”، وهي دائما موضوعة في الخدمة لتحقيق الرغبات الإنجابية للرجال.

حركة النسويات السوداوات:

صب هذا التيار لمصلحة المدرسة النسوية الراديكالية. والجدة في هذا التيار نشوؤه في أوساط المناضلين السود، مما أضاف البعد العنصري الى معادلة الجنسي والطبقي، ووضع التشابهات بين آليات التمييز العنصري وآليات التمييز الجنسي. فبالنسبة الى النسويات السوداوات، وصل التمييز الجنسي الى ذروته مع دخول النساء الحيز العام ومشاركتهن الرجل في العمل. فقد انتقلن عندها من نظام سيطرة ذكورية واستغلال تقليدي الى كائنات لها حقوقها ومسؤولياتها المدنية، تنافس الرجال وتولد عندهم العدائية والتمييز الجنسي العنيف، على نحو يشبه تماماً التمييز العنصري الذي تعرض له السود بعيد تحررهم. 

النسوية البيئية:

وفي الثمانينيات، ومع تصاعد الكوارث البيئية، ظهر هذا التيار، وتصدرته النسوية الهندية فاندانا شيفا ،ً وارتفعت شعبيته في دول العالم الثالث، وان المرأة (المشبهة بالطبيعة في معظم المعتقدات والخرافات الدينية) تتعرض لنفس أنماط الاستغلال التي تتعرض لها الموارد الطبيعية على يد النظام الرأسمالي ورجاله. وبالتالي، لا يمكن لغير ثقافة سلمية، معادية للرأسمالية ومحترمة للشعوب والطبيعة، أن تلغي الاستغلال والتمييز اللذين تتعرض لهما نساء الكون 

النسوية الثقافية:

ساهمت في فضح الخلفيات والدلالات البطريركية للأمثال الشعبية وللقص الشعبي اللذين بنيت عليهما الخلفية الثقافية والاجتماعية للفرد، وتلك الذائقة الأدبية التي يولدانها والتي تتغلغل في لاوعي الأطفال الذين سيصبحون رجالاً ونساء في المستقبل. وساهمت كذلك في إماطة اللثام عن الكثير من الآليات اللغوية والدلالات الذكورية المكرسة في اللغة، وفي سياق الحفر والبحث عن تأثير الرجل في إنتاجه الفكري والعلمي، بحثت المفكرات النسويات عميقاً في أثر الذات في التجربة، وتفاعل هذه الذات مع النتائج وتأثيرها فيها. ولازالت تتصدى حتى اليوم للكتب الرائجة، التي تؤكد الفوارق الشاسعة بين المرأة والرجل، إلى حد اعتبارهما ينتميان إلى كوكبين مختلفين.

والنسوية الثقافية هي امتداد ورافد للفكر النسوي الفلسفي وموجه للحركة النسوية في مختلف المجالات
(
علم الإنسان علم الاجتماع، الاقتصاد ، النقد الأدبي تاريخ الفن، التحليل النفسي، الفلسفة) وهدفت مدارس هذا التيار إلى فهم عدم المساواة الجندرية: أسبابها تحليلها نتائجها. مع التركيز على الجندر السياسي، وتقديم نقد مجتمعي سياسي يركز على حقوق المرأة واهتمامها والتمييز الجنسي ، وتشييء المرأة وخصوصا من الناحية الجنسية.

نسوية التحليل النفسي:

تميزت الفرويدية الجديدة بنقد مقولة الحتمية البيولوجية، واعتبرت كارين هورني أن مشاكل النساء ناجمة ليس شعورهن بالنقص تجاه العضو الذكري( الحسد القضيبي) بل إدراكهن لوضعهن الاجتماعي المتدني، كما أقرت رموز هذه المدرسة أن الابداع والحيوية والقوة( الأنا العليا) عمياء الجنس.

النسوية الوجودية:

اعتبر البعض المدرسة النسوية الفرنسية امتدادا للنسوية الوجودية التي أسستها سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر، مستندة إلى المقولات الأساسية لسارتر : الذات، الآخر، الموجود بذاته، والموجود لذاته، وركزت في تفسيرها لاضطهاد النساء على مفهوم الآخر، فالمرأة هي الآخر لأنها ليست رجلا، كما أنها الآخر الذي يتقرر مصيره من قبل غيره( آخر الآخر) وإذا ارادت أن تتجاوز وجودها كآخر، لتصبح ذاتا ( موجودا لذاته) فلا بد لها من تجاوز الحدود والصفات والأدوار التي تقيد وجودها من قبل الآخر، وقد كانت هذه الأفكار مقدمة لفكرة الجندر التي تقول ( لا تولد المرأة امرأة، ولكن المجتمع هو الذي يعلمها أن تكون امرأة)

ميدانيا:

ينظر إلى “الموجة الثانية” من النسوية التي تعود إلى السبعينات من القرن العشرين باعتبارها فترة نشر المفاهيم النسوية جماهيريا

ففي أميريكا أسست فردان المنظمة الوطنية للمرأة، التي اعتمدت الفكر الليبرالي في المساواة وحقوق الأفراد
أما في انكلترا فقد ظهر سياق مختلف هو السياق الاقتصادي الاجتماعي، وكان تحرك العاملات في شركة فوردزعام 1968 للمطالبة بمساواة أجورهن بالعمال ملهما للكثير من الناشطات النسويات، وعقد أول مؤتمر وطني لتحرير النساء في راسكن خرج بمجموعة من المطالب: المساواة في الأجور والتعليم، إنشاء حضانات، وحرية في استخدام موانع الحمل والاجهاض، وقد وجدت حركات نسوية ليبرالية في انكلترا، إلا ان المنحى الأساسي للحركة النسوية البريطانية اتخذ منحى اشتراكيا ماركسيا.

في فرنسا ميزت نفسها حركة تحرير المرأة عن الحركة الطلابية 1968، بتركيزها على أوضاع النساء مستلهمة أفكار سيمون دي بوفوار، ومنتقدة مدرسة التحليل النفسي الفرويدية.
تشير ((المسيرة العالمية للمرأة)) ضد العنف والفقر ومشاركة النسويين الفاعلة في اللقاءات المواطنية مثل ((منتدى بورتو أليغري)) الى خروج الحركة النسوية من ((انعزاليتها)) الأولى. 

 مأسسة وعولمة الدراسات النسائية:

١٩٧٠ تم تأسيس أول برنامج للدراسات النسائية في الولايات المتحدة في جامعة سان دياغو، ثم انتشرت برامج الدراسات النسائية عبر الولايات، أما البرنامج الثاني فتم تأسيسه في جامعة كورنيل في عام ١٩٧٠، ثم ازدادت تلك البرامج ليصل عددها إلى ١٥٠ برنامجا في عام ١٩٧٥ ، ثم إلى ما يزيد على ٦٠٠ برنامجا بحلول التسعينات من القرن العشرين. وتؤكد النساء المنخرطات في الحركة النسوية لفترة السبعينات أن الحركة كانت منذ مولدها ملتزمة بالتنوع والاختلاف، إلا أنهن يجدن أنفسهن مضطرات في نفس الوقت إلى الاعتراف بأن الخطاب الرسمي للنسوية المؤسسية كثيرا ما يتم التعبير عنه من منظور النساء البيض من الطبقة الوسطى ذوات الميول الجنسية المألوفة في الولايات المتحدة. ومن الموضوعات التي أثارت الجدل فيما بين النسويات المعاصرات هي وجود فجوة بين النسويات الأكاديميات وغالبيتهن من البيض ذوات الميول الجنسية المألوفة، وبين الأقليات المثلية والثقافية والعرقية من الناشطات النسويات. وبالتالي فإن النقاش الدائر يرى أن النسويات اللاتي يتمتعن بالسلطة المؤسسية في تشكيل الخطابات النسوية يحاولن توحيد تجارب كل النساء في كيان واحد.

 الأختية العالمية:

نالت الشرعية والإقرار بها من خلال عقد النساء في الأمم المتحدة (global sisterhood). إن حركة الأختية العالمية مرحلة عولمة هذا الفكر من خلال الصكوك والوثائق الدولية و ترويجها من خلال المؤتمرات الأممية التي تنعقد بين الفينة والأخرى في القضايا الاجتماعية، مثل: مؤتمر السكان في القاهرة عام 1994م أو المؤتمرات اتي ركزت على قضايا النساء وهي أربعة: مؤتمر مكسيكو سيتي ( ١٩٧٥ )، ومؤتمر كوبنهاغن -١٩٧٥، مؤتمر نيروبي ( ١٩٨٥ م)، ومؤتمر المرأة في بكين عام 1995م، الذي اعتبرت وثيقته مرجعية في مصاف اتفاقية (سيداو) من حيث الأهمية والمتابعة، ثم انعقد عام 2000م في نيويورك اجتماع دولي سمي ببكين +خمسة لمتابعة تنفيذ ما في هذه الوثيقة ،و في عام 2005م بكين + عشره ، ثم في 2010 بكين + 15، لمتابعة تنفيذ توصيات نفس الوثيقة، وفي كل هذه الاجتماعات يطلب من الدول تقديم تقارير توضح مدى التقدم في تنفيذ هذه التوصيات، وما هي العوائق التي تقف في وجه تنفيذ ما لم ينفذ. 

وقد تعرض مؤتمر مكسيكو سيتي تحديدا، وكذلك كافة المؤتمرات اللاحقة إلى هجوم شنه النسويون والنسويات ممن كانوا يؤمنون بأن الأسلوب البلاغي الرسمي للأمم المتحدة – أي النسوية العالمية المعترف بها – كانت تعمل في خدمة مصالح أقلية من النساء المرفهات المتمتعات بالامتيازات في الأمم المتقدمة والنامية.

إن النقد الذي تم توجيهه ضد النسوية المؤسسية بأقلام كل من ليلى أحمد، وفاليري آموس وبراتيبا بارمار، وكوماري جاياواردينا، ومارنيا لازرق، وتشاندرا تالبيد موهانتي، وغاياتري تشاكرافورتي سبيفاك وغيرهن، هي انتقادات بشأن ادعاء النسوية الدولية المؤسسية المعترف بها من قبل أنظمة الدول أنها تتحدث بلغة الأختية العالمية، في حين أنها تعمل في الواقع على إعادة إنتاج صورة الآخر الأنثوي السلبي الذي يعتمد ع وجود الكيان الذاتي للنسوية الغربية المرفهة والمتمتعة بالامتيازات. 

الموجة الثالثة، ما بعد النسوية:

ما بعد الحداثة:

إن تتبع تاريخ الحداثة الغربية وإحالتها إلى بداياتها التأسيسية يقتضي –بمنطق التاريخ ذاته- نوعا من الصيرورة في سلسلة الأحداث يفضي إلى تجاوز ما. فالعصور تتوالى، والواقع يتغير ويتبدل، والفكر والمعرفة في تطور مطرد بحكم تطور العقل، لذلك فإن ما نعتبره الآن حديثا يعطي الانطباع بأنه سيصبح أنقاضا في الفترات اللاحقة. ولهذا يظهر مفهوم ما بعد الحداثة كنبش في الأسس وكسر للقوالب وخروج على النماذج, بل إن ثمة تفجيرا للأشكال وتدميرا للأنساق. 
يستخدم “ميشل فوكو” و”جاك دريدا”, وهما من البنيويين الجدد, عدة مصطلحات تتجلى فيها أوجه النفي ما بعد الحداثي بوضوح مثل:
التفكيك (déconstruction)
والاختلاف (différence) 
والتشتيت (dispersion) 
واللااستمرارية (discontinunty)
لكل شروط المعرفة ومصادرها ومعاييرها ومناهجها، وموقف العارف وتأثير الذات العارفة في العملية المعرفية.

ما بعد النسوية

اعتمدت الفلسفة النسوية على تحولات ما بعد الحداثة في النظر إلى الذات العارفة من حيث أن لها الدور المحوري في عملية المعرفة،، وأضافت إليها بناء على ذلك تأثير الجنوسة أو دورها في عملية المعرفة
ويتجلى دور الذات الذاتية – الذكورية في أعمال جميع المفكرين والفلاسفة الذكور على امتداد التاريخ البشري، ومثالها فصل ديكارت للوعي العقلاني عن الجسد ليرتبط الأول بالذكر والثاني بالأنثى. 

فصيرورة إنتاج المعرفة تخضع للشروط الاجتماعية التي تشكل الوسيط بين الذات والموضوع، وبما أن الجنس مقولة اجتماعية، لا مجرد مقولة بيولوجية فقط، فان جنس الذات العارفة جزء لا يتجزأ من منظورها الاجتماعي، أي إن عملية إنتاج المعرفة عند الذكور لا يمكن فهم شروطها ومقتضياتها إلا من ضمن كونها ممارسات للذكور باعتبارهم يمثلون فئة اجتماعية لها منظورها الخاص. 

وقد طرحت الفيلسوفة النسوية لورين كود ومن ثم الفيلسوفة الاسترالية جنفييف للويد التغيرات التي لحقت بالمفهوم، الذي ظل محكوماً بالانحياز الذكوري. وأبانت جنفييف كيف قام العقل على أسس مناقضة لكل ما هو نسوي ولسائر التوجهات الأنثوية، وكيف عملت الفلسفة منذ عهدها الإغريقي على البحث عن مبدأ ميتافيزيقي يفصل الذكورة الإيجابية عن الأنوثة السلبية.

عمل ذلك الجيل الثالث من الحركة النسوية على تعميق مفهوم الاختلاف بين الذكر والأنثى ومحاولة تعميق هذا الاختلاف شرط الندية بينهما وانتفاء التراتبية، وطالب بفرص متساوية للمرأة والرجل مع الإصرار، وتوالي الإصرار، على تفرد الطبيعة الأنثوية للمرأة والمختلفة عن الطبيعة الذكورية للرجل. كما عمل الجيل الثالث على نقد منظومة التضاد الثنائية (أبيض- أسود، ليل- نهار) وبنية التفكير البطريركي التي تقوم على التعارض والتراتب وليس على الندية والاختلاف والتنوع والتلون. هكذا نلحظ استخدام النسوية المعاصرة استراتيجيات تفكيكية لكي تزعزع استقرار النظام الثنائي الكامن في ثنائية المذكر/المؤنث، وتخلخل الهياكل الأساسية التي تقوم عليها هذه الثنائية، منعا للتمييز بينهما. ذلك يتيح للرجال والنساء المشاركة في التوصل إلى طرق جديدة لصياغة الذات المعاصرة. وقد اتهم الاعلام بالترويج لما بعد النسوية التي تعد حركة نظرية أكثر مما هي واقعية بل وتمثل تفكيكا” معرفيا” تعدديا“. 

إن أهم إنجاز للفكر النسوي الحديث هو تأكيده أهمية تجربة النساء والاستفادة منها فلسفياً إلى جانب تجربة الرجال، إلا أن بعض النسويات اعتبرن أن ما بعد النسوية هو رفض لمكاسب النسوية ونضالاتها السياسية، وانتقدن ابتعادها عن العمل السياسي والاجتماعي. هذا ما تؤكده Germaine Greer .

في حين تؤكد سوزان فالودي في كتابها ( الحرب غير المعلنة على النساء) 1999 أن موجة ما بعد النسوية هي رد فعل مدمر للمكاسب التي حققتها النساء في الموجة الثانية، وتضيف بأن انتماء النساء إلى ما بعد النسوية لا يعني أنهن وصلن إلى تحقيق العدالة والمساواة مع الرجال وتجاوزنها إلى ما هو أفضل.

في التسعينيات اكتسبت الأفكار المتعلقة بالنوع صياغات جديدة مع ظهور دراسات الاختلاف الجنسي التي لا تُعنى بالنضال التحرري من أجل المساواة، بل تهتم بإثارة التساؤلات حول الأطر السائدة عن المعيارية القائمة على النوع، من أجل إعادة صياغة موقع الذات.

وأخيرا أن النسويات الجديدات neofeministes يحاولن الربط بين المطالب المتعلقة بالنوع ونقد العولمة الليبرالية. و يرين في المنطق النابع من الليبرالية – داروينية اجتماعية، وعدوانية السوق، ومعارك التنافس- تشجيع على العودة إلى العنف في العلاقات الإنسانية. ويدركن انه حين يحل العنف في المجتمع فان أولى ضحاياه هن النساء. لذلك هن يناضلن مع الرجال من اجل تغيير العالم.

وتعتقد النسويات الجديدات أن بلورة الوعي في سبيل التغيير ستؤدي إلى استقطاب المزيد من الرجال إلى الحركة النسوية، مع العلم أن مهمة من هذا النوع ستكون ثورة فعلية، وستؤدي إلى إزالة أكثر المظالم عن المرأة، والى تحرير الرجال بدورهم من أدوار القمع والهيمنة التي يمارسونها بهدف بناء مجتمعات عادلة يعيش فيها الجميع أحراراً ومتساوين 

في هذه الموجة كتبت منظرات مثل بل هوكس داعية إلى تصدي النساء الملونات لمقولات النسويات البيض، التي تتسم بالهيمنة.

ما بعد النسوية العالم ثالثية:

تؤكد ما بعد النسوية العالمثالثية على الربط الوثيق بين القهر الجنسي والقهر الطبقي والعنصري والإثني والديني والنوعي. كما تقدم نقدا حادا للنسويات الغربيات اللاتي يدعين ” معرفة” أوضاع النساء في دول العالم الثالث، رغم عدم بذلهن أي محاولة لفهم طبيعة هذه المجتمعات، كما في مقالة ليلى أحمد التي صدرت عام ١٩٨٢ عن “المركزية الغربية وتصورات الحريم” ومقالة تشاندرا موهانتي عن “البحوث النسوية والخطابات الكولونيالية”، التي تتهم الفكر النسوي الغربي بتوحيد كيان وفئة”المرأة” وتمثيل المرأة المسلمة ضمن فئة واحدة ثابتة، باعتبارها مقهورة تماما وعالميا.

في هذه المرحلة تبنى أعتى نظام عسكري ذكوري مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي طرح من ضمن شعاراته الثلاث – حرية، تعليم- حقوق المرأة، لشعوب الدول الممتدة من أفغانستان وحتى المغرب، في نفس الوقت الذي غزى فيه بعض هذه الدول، تحت اسم مكافحة الإرهاب، بقوة عسكرية هائلة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلا، مسببا الموت والدمار، وكما دائما فقد كانت الضحايا الأكثر بؤسا لهذا الاستعمار النساء اللاتي قتلن وأصبن واغتصبن وشردن وفقدن أحبتهن ومعيلي أسرهن، في الوقت الذي كان قادة النظام العسكري الأمريكي يتابعون مبادراتهم وخطاباتهم الموجهة للنساء في تلك الدول واعدين إياهن ب” الحرية” ودعم نضالهن في سبيل استعادة حقوقهن!!! وقد تدفقت أموال المساعدات غير المشروطة على الكثير من الجمعيات والتجمعات المدنية في تلك الدول، لم يكن الهدف الحقيقي منها فعلا دعم نضال تلك الجمعيات بقدر ربطها بمصالح الدول الاستعمارية، وإعادة ” تأهيل ” شعوب المنطقة بما يناسب مصالح ورغبات القوى الاستعمارية الكبرى التي تهدف أولا وأخيرا إلى السيطرة على المنطقة، ونتيجة ذلك فقد دب الفساد في أوصال الكثير من الجمعيات، التي بقيت مفصولة عن مجتمعها، وبات هدف أعضائها الاستفادة من الهبات المتدفقة عليها، دون أي اهتمام بالأهداف والشعارات التي قامت على أساسها، مما خلق شكا وتوجسا دائمين لدى الجمعيات والتجمعات المدنية النسوية النزيهة في المنطقة، لأي بادرة تعاون تبديها الجمعيات النسوية المؤمنة فعلا بالأختية العالمية، والتي وضعت ضمن أهدافها مساعدة النساء في كل العالم.
وقد ساعد على زعزعة النضال النسوي في تلك الدول أيضا صعود التيار الأصولي بعد الفشل الذريع الذي منيت به التيارات القومية والماركسية في انتشال شعوب المنطقة من وهدة التخلف والفقر، وكان من الأهداف الأولى لهذا التيار محاربة تحرر المرأة والدعوة لعودتها إلى جدران البيت. وبسيطرة ذلك التيار على المجتمعات منيت حركة تحرر المرأة بأكبر خسارة في العصر الحديث.

 وأعتقد أن خير من يمثل النسوية العالمثالثية نوال السعداوي في مقالها الأخير في مجلة الحياة والذي تقول فيه
أدركت النساء في الجنوب والشمال والشرق والغرب الترابط الوثيق بين تصاعد القوى الدينية الداخلية وتصاعد القوى الاستعمارية الخارجية. تضامنت النساء لضرب الاستعمار الخارجي والداخلي معاً، السياسي الاقتصادي الديني العنصري في آن واحد، استعمار الأرض والجسد والعقل في آن واحد، يشمل التحرير الثلاثة معاً: الأرض والجسد والعقل. هذا هو الوعي الجديد الذي اكتسبته الحركات النسائية العالمية وداخل كل بلد، لا يمكن تحرير نصف المجتمع من النساء في ظل الاحتلال أو الاستعمار أو الحكم الطبقي أو الأبوي أو الديني، أصبحت حركات تحرير النساء في العالم كله ترفع شعار فصل الدين عن الدولة أو ما يسمى العلمانية“.

المراجع:

كتاب ” أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، فردريك انجلز، دار التقدم ، موسكو
كتاب “الجنس الآخر” سيمون دي بوفوار، دار أسامة 
• “
الحركات النسائية عام 2010 تطالب بفصل الدين عن الدولة” د. نوال السعداوي

http://international.daralhayat.com/internationalarticle/120967
• “
الحداثة وما بعدالحداثة”،سعيدالمتدين
http://www.aljabriabed.net/fikrwanakd/n22_03mutadayin.htm
• “
الدراسات النسائية/ دراسات الجندر”، ترجمة هالة كمال
http://sjoseph.ucdavis.edu/ewic/V1arabicparted/women_gender_studiedf
• “
الفكر النسوي يسائل المنظومات الفكرية السائدة”، ناهد بدوية
http://www.alawan-sa.org
 
النسوية الثالثة، التعددية والاختلاف وتغيير العالم، ناهد بدوية
www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=165211
• “
المواقف من النسوية أشكال رمزية لأخلاق سياسية محافظة” ، د. نهى بيومي
http://www.doroob.com/?p=200
• “
النبـــش هل يعيد الموءودة إلى الحياة؟” روزا ياسين حسن
http://thawra.alwehda.gov.sy/_archive.asp?FileName=9144954677114114
• “
الفكر النسوي ورؤاه المتباينة في محاولة تغيير العالم” روزا ياسين حسن
http://thawra.alwehda.gov.sy/_print_veiw.asp?FileName=20345626720090929104138‏
• “
تيارات الحركة النسوية ومذاهبها” نادية ليلى عيساوي
www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=1065
• “
النسوية فكر وعمل”، د. فاطمة بابكر محمود
http://www.sudaneseonline.com/cgibin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=81&msg=1129193796&rn=
الأسسُ الفلسفية للفكر النسوي الغربي في ثلاثة عقود، مقابلة لسركيس أبو زيد مع خديجة العزيزي
http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=834
الفكر النسوي الليبرالي، رجا بهلول
www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=20924
النسوية وفلسفة العلم، د. يمنى طريف الخولي
http://www.alhadhariya.net/dataarch/dr-falsafyyah/index32.htm
النسوية وما بعد النسوية، مي نايف
http://www.alwatanvoice.com/arabic/content-220.html
النظرية الاجتماعية النسوية
http://www.thara-sy.com/thara/modules/news/article.php?storyid=510
http://www.thara-sy.com/thara/modules/news/article.php?storyid=511
حركات النضال النسوية العالمية بين الأنوثة ووحدة النوع، د. رضا الموسوي
http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage19424
عن التيارات الفكرية في الحركة النسوية: من الليبرالية الى الماركسية، رجا زعاترة 
www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Isis' Daughters بنات إيزيس and tagged , . Bookmark the permalink.