23 يوليو والاطلاله الستين

محمد حسين يونس

كنت أرجو ألا يكتب عن مصر( خلال النصف الثاني من القرن الماضي) أبناء السفلة الذين أخرجهم نظام يوليو من عشش الكفور وكتاتيب القرى و حارات العشوائيات و فتح لهم مجانا المدارس ، الجامعات ، و بعثات التعليم بالخارج ومكنهم من احتلال مراكز القيادة التي كانت حلما بعيدا لم يراود الاباء و الاجداد من عبيد الارض.. فأرتدوا علي تاريخ الوطن يقلبون الحقائق ، يدينون رموزه و أبطاله ، يخرجون رفات القتلة و السفاحين النجسه من القبور ليحيطها ورود التكريم و اكاليل الغار بينما ترقد جثث ابناء مصر البرره في أضرحه مهجورة مهملة أقرب للخرابات .
كنت أود أن يقرأ الاحفاد حقيقة ما حدث بعيدا عن تلفيقات أصحاب الهوى من السلفيين و الاخوان المسلمين عملاء أمريكا و السعودية و اسرائيل و من سار علي الدرب ابتغاء لفضل من صدقة الدولارات ،الريالات أو الدنانير .. و لكن يبدو أنه لم يبق الا تلك الاصوات اللعينة لتملأ دفاتر التلاميذ بالتراهات و تبث سمومها من خلال فضائيات التلفزيون ومحطات الاذاعه و أجهزة الاعلام التي اشتراها ملوك الجاز بعد أن قام زمن ردىء دام لاربعة عقود باقصاء من كانوا علي دراية و فهم و من كانت الحقيقة( ماعت ) دليلا لهم و الخلق القويم و الاستقامة(تحوت) دستورهم .. ليعتلي ظهر مصر من حذر رسول الاسلام( صلعم ) من خطرهم اذا ما تلقوا العلم و تحكموا في الرقاب و الاقدار .
انقلاب قاع المجتمع الذى حدث بعد فبراير2011 ..أطاح بعقلاء الامة ومن ثار من اجل اعلاء كلمة الحق و العدالة الاجتماعيه .. لترمي لنا علي السطح( الامواج المتقلبه) أطباء أصابهم خبل النكوص يهذون بكلمات عن مفاهيم ركدت و اسنت من طول كمرها في سراديب أمن الدولة ، و بمهندسين تحولوا الي كائنات شرهه للسلطة يؤججون في سبيلها نار الحقد و الكراهية و يروجون لبضاعة بائرة منفرة ، و رجال قانون نسوا ما تعلموة في مقابل استيلاء عصابتهم قسرا علي كراسي مجلس النواب و لجنة اعداد الدستور و وضع مندوبا دائما للمرشد في قصور الرئاسة .
لو أن ضباط يوليو 52 كانوا قد طبقوا التعاليم التي يبشر بها نجوم الدعاة السلفيين من سنن الاولين لما غادر الاطباء و المهندسون و رجال الاعمال ذوى اللحي الطويلة أو القصيرة بما فيهم المرشد كفورهم و قراهم و لظلوا بجوار الاباء يسوطهم صاحب الارض الاقطاعي مع أى بادرة كسل او تملل .. ومع ذلك قادهم نكران الجميل و السقوط في بركة العمالة الاسنة الي أن يهرولون للجلوس تحت اقدام الملك سعود يلعنون من حررهم و جعل تعليمهم ممكنا متاحا يقبلون الايدى المانحة القذرة الملوثه بدماء الشهداء.. معرضين ابناء جيش بلدهم للخطر في اليمن بترويج كل سقيم و غث من اقاويل ضد التضحيات النبيله لدعم القومية العربيه التي و لدت معوقه كسيحه .
عندما تحركت الوحدات العسكريه المصرية مساء ليلة صيفية حاره من ليالي شهر يوليو1952 في اتجاة كوبرى القبة حيث يجتمع قادة الجيش لم يكن يتصور اى من الضباط او الجنود ان تاريخ مصر يسطر ليتخذ مسارا جديدا بعيدا عن النظام الملكي ، الاستعمار الانجليزى الرابض بجنوده علي ضفاف القناة ، و الوفد الذى يسيطر علي الشارع يتحرك خلف زعاماته حتي النهاية .. لقد كانت الحرب العالمية الثانيه قد انتهت بعد ان قضت علي ملايين الضحايا و خربت عشرات المدن استقبلت اثنين منها قنابل نووية .. و كانت الامم المتحدة قد تم ولادتها خلفا لعصبة الامم و مواثيق حقوق الانسان نبراسا يشع من العالم الجديد .. و الشيوعية تلق بثقلها لتحوز علي نصف اوروبا و مساحات واسعه من اسيا .. و كان الاستعمار القديم الاوروبي قد انهك و استنفذت طاقته فسلم الرايه لامريكا لتبدأ بفرض حمايتها علي كل من اسرائيل و تركيا و ايران .. و تسعي لاستكمال سلسلة احلاف تحاصر بها المعسكر الاشتراكي( الناتو) في اوروبا وفي اسيا( السناتو) و بينها فراغ ايزنهاور يضم منطقة الشرق الاوسط التي تطمع امريكا في وصلها من خلال حلف بغداد .
كان المصريون لا يتجاوزعددهم الثمانية عشر مليونا .. رعايا مولانا الملك المعظم فاروق الاول ملك مصر و السودان علمهم أخضر يتوسطه هلال و ثلاثة نجوم يقال انها ترمز للديانات الابراهيمية الثلاث التي كانت تزاول طقوسها بحرية في جوامع و كنائس و دور عبادة يهودية ويعيش اهلها في سلام و تجانس و ترابط لا يميز مواطن عن اخر بدينه او لونه او جنسه الا عندما خاضت الجيوش العربية حرب ضد العصابات الصهيونية في فلسطين فأصبح اليهود( كلاب العرب )و احيت جماعات الفاشيست الدينيه و القومية دعاية النازى عنهم و مع ذلك كان افضل تجار الصاغة و المنيفاتورة يهودا و كانت محلات صيدناوى و شملا و الطرابيشي و جروبي و اغلب دور العرض ملكا لليهود .
الاقتصاد المصرى كان يحركه الاجانب .. كل البنوك عدا بنك مصر .. كل محطات توليد الكهرباء و توزيع غاز الاستصباح ..المواصلات داخل المدن و بين المحافظات .. و كانت مرافق الدوله يديرها اجانب و في الاغلب انجليز .. السكة الحديد، التليفونات، وزارة الرى .. لقد كانت مصر فقيرة بكوادرها الفنيه فجامعات فؤاد و فاروق و ابراهيم غير قادرة علي تخريج الاعداد الكافية من الفنيين لادارة الدولة .. و كانت قناة السويس دولة داخل الدولة يديرها اطقم من جميع اجناس العالم و لهم مميزات خاصة و اماكن غير مطروقة الا لهم .
عندما انقلب العسكر كان الشارع المصرى يغلي فمليشيات الاخوان قامت باغتيالات و تفجيرات و انتهت الي حرق القاهرة و الجيش الانجليزى يدمر مراكز البوليس التي لم يكن يملك جنودها ذخيرة او حتي بنادق مناسبه و الملك يغير الحكومات بسرعه غير معهودة و في ازمان متقاربة .. و الجيش لازال يداوى جروح هزيمة قاسية في فلسطين و تنتشر الاشاعات ان السبب هو ذخيرة فاسدة وردتها حاشية مولانا الفاسدة .
عندما انقلب العسكر كان الرجال يضعون الطربوش علي رؤوسهم و يرتدون الاسموكينج و الفراك في الحفلات و كانت سيدات الطبقة المتوسطه في اغلبهن سافرات و يرتدين ملابس سهرة قادمة من باريس في حفلات ام كلثوم و كان الجنيه المصرى محترما و يزيد قليلا عن الاسترليني و يكاد يوازى الجنيه الذهب .. و كانت هناك عمله اسمها تعريفه اى خمسة مليمات اخذها كل صباح كمصروف يد لي و انا ذاهب الي مدرسة فاروق الاول الثانوية ..
مدرستي كان بها ملعب كرة قدم و حمام سباحة و عشرات من ملاعب التنس و الفولي و الباسكيت و صالة للشيش و صالة اسكواتش و مطعم نتناول فيه وجبة الغذاء ارز و خضروات و لحم و فاكهه و نتعلم كيف نستخدم ادوات المائدة و نوزع بين الزملاء الوجبة بالعدل .. لقد كانت مدرسه جميله رغم ان مصاريفها جنيهات محدودة و يمكن للناظر احمد بك ذكي ان يعفي المجتهد من المصاريف .
في يوليو 52 كانت ليلي مراد ( اليهوديه )نجمة الشباك و كان عبد الوهاب يغني أجمل اغانيه عن الفنون و حاميها الملك المعظم و كان سلامة موسي و خالد محمد خالد و لويس عوض وطه حسين ، و توفيق الحكيم و عبد الرحمن بدوى و نجيب محفوظ علامات في الادب والفلسفة و كانت روز اليوسف و اخوان تكلا و اصحاب دار الهلال ابناء زيدان كلهم من الشام و هاجروا الي مصر مع بشارة وكيم و نجيب الريحاني و فريد الاطرش و بيرم التونسي يشكلون ضمير مصر و قلبها الذى يشع تحضرا و ارتقاء و معاصرة . و كان علي الجانب الاخر مرشد الاخوان المستشار الهضيبي يعلن انهاء التنظيم الذى شارك في اغتيال احمد ماهر و النقراشي و ينشيء سرا تنظيما اخر يهدد به رجال الانقلاب ان لم يسلموا له الراية .
علاقة الاخوان و الشيوعيون و المخابرات الامريكيه و السفير البريطاني بالضباط الذين انقلبوا علي الشرعيه لازالت غامضة و اخشي ما اخشاة ان يجيء اليوم الذى يدرس فية للاطفال في المدارس ان قائد ثورة 23 يوليو 1952 كان المرشد حسن البنا الذى اوكل للبكباشي عبد الناصر ان ينفذ مخططات الجماعة.
شباب الضباط الذين فوجئوا بتخلي الملك عن الحكم و استسلام الوفد و عدم تحرك الانجليز أصبحوا في مواجهه تجربة لم يعدوا انفسهم لها .. لقد كان عليهم أن يحكموا مصر المستعمرة عسكريا.. التي يسيطرعلي ارضها نصف بالمائة من كبار الملاك وعلي صناعاتها و مرافقها وقناة سويسها و علي بنوكها و اقتصادها و بورصتها و سوق قطنها اجانب.. فترى ماذا يفعلون!! .. لقد كان امامهم ثلاثة نماذج .. النموذج الستاليني الذى دحر النازى و كان السبب في هزيمتهم و نموذج هتلر القومي الفاشيستي الذى صعد بالمانيا في سنوات محدودة الي قمة العالم .. و المعسكر الديموقراطي الذى تبشر به الولايات المتحدة رافعة حقوق الانسان و المواثيق الدولية . لقد اختار العسكر الطريق الثالث و في اول احتفال باعياد الثورة في نادي الجلاء بالزمالك .. اغلق عبد الناصر الميكرفونات و ابعد الصحفيين و اسر للضباط ان امريكا وافقت علي تزويدهم بعدد من الدبابات . . و لكن لاننا لم نكن في يوم من يصنع سياسته و لاننا تخلفنا عن ركب الحضارة و لاننا ونعيش في عالم يحكمه غيرنا .. لم نستكمل ابدا مسيرة الديموقراطيه و الحريه و اسرعنا نستنسخ نظامي هتلر و ستالين .. لنصعد و نهبط كما صعدا و هبطا .
الان ونحن يطل علينا يوليو الستيني .. هل نقول له وداعا لقد احالك المرشد الي المعاش ..ام نقول لا لم ينتصر الاعداء بعد فلازالت مصر حبلي بالثورة .
عندما انقلب العسكر كان عمرى اثني عشر سنة ..و كنت متحمسا للثوار و كنت ابنا من ابناء يوليو .. و عشت صعود و سقوط الناصرية و صعود و سقوط السادتيه و ركود و نوام المباركيه و في كل الاحوال لم اتصور ابدا ان يكون رئيسي واحدا منهم.. من الاعداء من الذين ارهبوا المصريين من الذين خانوا بلادهم و ثورتهم و ماضيهم و مستقبل اولادهم .
اما وقد اصبح سكان السجون و المعتقلات هم من يدير هذا المكان لصالح المستعمر المسيطر علي الارض فانني اعترف انني كنت احتاج لمزيد من العلم و الدراسه في اكبر كتب اللوع كتاب الاخوانجيه لاستطيع ان افهم ما حدث للثورة المصريه في عيدها الستيني .
لا اعتقد ان هناك من عاصر هذا اليوم واعيا لازال يعيش وأن الوقائع في سبيلها الي زوال و قد يرى الحكام الجدد اعادة كتابة التاريخ بما يناسبهم ويمحو عار ارهابهم و خيانتهم.. لذلك اصبح لزاما علي كل من يؤمن اننا لم نضيع ستة عقود هدرا أن يسعي لاعادة كتابه التاريخ في ضوء ان العالم اصبح يعيش في صندوق زجاجي يرقب فيه الجميع الجميع .. كل سنة و حضراتكم طيبين .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد حسين يونس. Bookmark the permalink.