الآخر – الأمَّة – الأقليَّات

سامي داوود  

“الآخر”

على الرغم من التشاؤمية المخيِّمة على تصور أنطونيو ماتشادو للـ”آخر”، عِبْر شخصية آبين مارتين التي ابتدعها ليبثَّ على لسانها أفكارَه، – يقول: “ليس للآخر من وجود: هو ذا جوهر الإيمان العقلاني، عقيدة العقل البشري التي لا رجاء منها”، – فيؤمن بالآخر إيمانًا شعريًّا، إلا أن المنطق الذي تقدَّم به رايشنباخ تحت اسم “منطق الاحتمال” يمنحني الفرصة للتحدث عن الآخر معرفيًّا، وذلك بتبنِّي منطق ثنائي يقضي، بحسب رايشنباخ، بوجود

سلَّم موصول من القيم المتوسطة بين /1/ وبين /0/؛ وهما يرمزان إلى الحقيقة والخطأ. وهذا يعطي الفرصة لأن ينضَّد تحت القيمة /1/ جميع القيم التي تزيد على الـ/0.5/ وتحت القيمة /0/ جميع القيم الأخرى.[1]

هذا المنطق الاحتمالي هو الذي يعيد الاعتراف بـ”الثالث المحذوف”، الذي ترفضه البدايات الأولى للمنطق، منطق أرسطو، الذي سماه بـ”الثالث المرفوع” excluded third أو الشيطاني المشوِّش. وهذه العودة إلى “الثالث الشيطاني” المحذوف هو التمثل للقيم الثلاثية، التي تجنِّبني الوقوع في التناقض وتتيح لي الاعتراف بما أجهله على أنه متوسط بين الصدق والكذب، وبالتالي، الاعتراف بإمكان وجود حقيقة أخرى تتجاوز حدسي وتجربتي المعرفية، وتمنحني إمكانية الشك فيما أعرفه، كحقيقة ذاتية اعتقادية قابلة للخطأ، والاعتراف بجهل حقيقة ما لا أعرفه، وبالتالي، رفض صيغة “نعم أو لا، ولا ثالث لهما”، والقبول بوجود “ثالث محذوف” من وعيي لا أعرفه.

هذه الصيغة الإپستمولوجية، إذن، هي التي تعينني على منح “الآخر” صفةَ المجهول الذي لا أعرفه، وليس قيمة القضية الكاذبة أو القضية غير الموجودة. وبما أنه “مجهول” لا أعرفه، فإنني لا أتفوق عليه، ولا تشكِّل قيمي، التي أعتقد بصدقها، أيَّ تفوق أو تتموضع على مستوى أعلى من قيمه التي أجهلها؛ ولا تكون لغتي أفضل من لغته، ولا دمي أنقى من دمه، ولا أي شيء أكونه أو كنتُه، أفضل من أيِّ شيء يكونه أو كانه، في سياق تجربتي التاريخية وتجربته.

“الآخر”، إذن، هو “الثالث المحذوف” من منطقي الذاتي، من وعي التمركز على الذات، الذي حذَّرنا منه برتراند راسل. “الآخر”، في هذا الوعي الذي يخبرني بجهلي الذاتي، هو ما يجب أن أنشغل به بالمعنى الوجودي، وذلك بتمثلي للمنطق الاحتمالي، الذي يفتح لوعيي نافذةً على حقيقة أجهلها، على “الآخر”، بما هو “ثالث محذوف” من الرؤية التي تنظر إلى العالم من خلال فكرتها وتصوُّرها عن نفسها. لذلك أجدني أفضَّل وصف الآخر بـ”التوازن” بدلاً من وصفه بـ”الحاجة” أو غير ذلك من الأوصاف السياسية في الغالب.

لكن الواقع التاريخي يثبت عكس ما استخلصتُه من منطق رايشنباخ: فقد أثبتتْ دراسةٌ عن الدم كتَبَها لوك كولنز مدى “التفاني” الذي تبذله الذاتُ البشرية في رفض الآخر ومحاربته، معيدةً إلى الواجهة تشاؤم ماتشادو عن الآخر. ويتضح ذلك من عملية التبرع بالدم التي تمَّ التشجيع عليها في أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث منع النازيون الألمان اليهودَ من التبرع بالدم تحت شعار “نقاء العرق الآري”. وفي أمريكا، أدى التحيز العرقي إلى فصل وتوسيم marking أكياس الدم المأخوذة من السود عن تلك المأخوذة من البيض[2]؛ وكان نتيجة ذلك ضياع الدم على الكثير من الجرحى الذين هُدِّدَتْ حياتُهم من جراء هذه العقلية. وبما أنه ليس بإمكاني حتمًا أن أنفي تجربة اختبارية بتجربة اختبارية أخرى فإني سأنفيها برهافة التجربة المعرفية.

تؤكد الدراسات الوراثية الحديثة أنه في كلِّ مكان يوجد نوع من الصيرورة البطيئة داخل النمط الظاهر تحدث للنمط الوراثي؛ وتُثبِت هذه الصيرورة البطيئة، في جملة ما تُثْبِت، النَّسَب السلالي الحيواني لبني البشر عامة. وهذا الإثبات ينفي كلَّ تصنيف عرقي للناس في زمر متجانسة تُسمَّى “الأعراق”، ويؤكد، في المقابل، أن هذه التصنيفات ليس لها أي معنى بيولوجي، لأنه، كما يشرح ألبير جاكار،

لم يتم أبدًا انفصالٌ كلِّي للزمر البشرية الحالية خلال فترة طويلة بما يكفي لحدوث تمايز وراثي ذي دلالة.[3]

لذلك فإن ما عُمِّم في الكتابات السياسية الإيديولوجية من تفوق عرقي لعرق على عرق آخر، وما كُتِبَ في الكتابات اللاهوتية من اصطفاء الله لشعب ما، ليس له أي مؤيد موضوعي علمي. فالبعد البيولوجي، كما يشرحه جاكار، بين الرجل الأبيض الفرنسي وبين الرجل الأبيض الفرنسي قد يكون أكبر أو أصغر من البعد البيولوجي بين الرجل الأبيض الفرنسي وبين الرجل الأسود السنغالي[4]. وبالتالي، ليس هناك أي مسوغ معرفي يجيز استخدام تسميات كـ”العرق الآري” أو “العرق السامي” أو غيرهما من التصنيفات، لأنها مفاهيم مشوشة وليست لها أية دلالة علمية؛ وهي، في المحصلة النهائية، ليست أكثر من صورة كاريكاتورية تفضح محتواها غير الإنساني، ويجب أن يرفضها الإنسان الشريف. وصفة “الإنسان الشريف” صيغة يستخدمها سلفادور لوريا في كتابه الحياة تجربة غير مكتملة، حيث يتوجَّه إليه بكتاباته، ويدعوه لأن يصبح قريبًا من الرب، عالمًا في دقة سمات الخير والشر.

إذن، ما من عرق أنقى أو أفضل من غيره. لكن، في المقابل، هل توجد لغة أسمى من غيرها؟ أو هل تصلح اللغة أن تكون الأرضية التي تؤسَّس عليها مفاهيم كالأمَّة أو القومية؟

إن ادعاء بعضهم بأن اللغة الفرنسية أكثر تطورًا وأهمية من اللغة الإنكليزية لا سند جديًّا له. وكذلك ادعاء بعض المثقفين العرب، مماهين بين الإسلام والعروبة، بأن اللغة العربية، لأنها لغة القرآن الكريم، هي أفضل من غيرها؛ إذ هي قد تسمو لِسِمَتِها الدينية في نظر المنضوين تحت الدين الإسلامي الذي نزل بالعربية، – للعالمين طبعًا، وليس للعرب وحدهم، – مثلما يتضح في بساطة من خطاب ميشيل عفلق على مدرَّج جامعة دمشق في ذكرى الرسول، حيث استخدم في خطابه تعبير “الرسول العربي” في أثناء حديثه عن “الثورة العربية الإسلامية”، مطابقًا بذلك بين العربية، كلغة توجَّه بها الدينُ الإسلامي إلى العالمين، وبين الإسلام، كرسالة عالمية؛ الأمر الذي لا يتفق والتصور الإسلامي نفسه عن الإسلام، حيث نجد موضوع “الجنسية الإسلامية” مرفوضًا في التصور الإسلامي، حتى عند أكثر الفقهاء تشددًا، سيد قطب، إذ رفض في كتابه معالم في الطريق، الذي أقام الدنيا في الحراك الإسلامي الحديث، رَبْطَ الإسلام بالعصبية القبلية واللغوية وغيرها من العصبيات، وحدَّد الانتماء الإسلامي بالعقيدة الإسلامية التي ينضِّد تحتها مختلف الجنسيات[5]. وهذا يوضح الخلط الهائل، غير المعرفي، بين مكونات الدين والقومية في الخطاب القومي الذي استند إلى اللغة كأساس تكويني.

هذا الأمر ليس له أي سند معرفي. فالمذهب العقلي المعاصر يثبت قَبْلية a priori المبادئ العقلية المجردة والعامة. وهي قَبْلية تنسجم مع ما أثبته سلفادور لوريا عن الشبكة اللغوية القَبْلية؛ وهي أيضا ما أثبته التحليل اللغوي الحديث (نعوم تشومسكي في المنهج التوليدي) الذي كشف بأن لجميع لغات البشر أنماطًا وعلاقات نحوية أساسية مشتركة، يوضحها لوريا وراثيًّا على النحو التالي:

إن اللهجات الأكثر بدائية، من لهجات قبائل أفريقيا أو سكان أستراليا الأصليين، تشاطر اللغة الفرنسية أو الإنكليزية بنيةً شبكية قاعدية، الأمر الذي يوحي بأن هذه البنية هي تعبير عن تنظيم للدماغ مشترك.[6]

أي أن اللغة تتكون من شبكة منطقية وراثية مشتركة لدى البشر عامة، ومن مركِّبة أخرى تُشتَق من التجربة، وأن الطبيعة القَبْلية الصورية لبينة العقل واللغة تنفع أن تكون أساسًا لتوحيد البشر في قيمة واحدة، تأبى أن تكون أساسًا لتفوق فئة لغوية على فئة لغوية أخرى. وهذا هو أحد المآخذ الأساسية الموجهة إلى نظرية الأمَّة والقومية في الفكر العربي الحديث الذي يؤلِّه عامل اللغة ويختزل التكوين القومي اختزالاً “حصريًّا” إلى العامل اللغوي. إذ لا يمكن أن تكون اللغة وحدها بمثابة “الدين الطبيعي” الذي يؤسِّس للمصير القومي والأممي؛ كما أنها لا يمكن أن تكون عنصر تفوق.

إذن، ما الذي يمكن أن يكون أساسًا لعملية تصنيف الأمم أو تأسيسها؟ هل في الإمكان الاستناد إلى لون الجلد أو إلى حجم الرأس، مثلاً، لكي نصنف الأمم؟! – فنصنف الأمَّة الأفريقية على أساس لون جلدها والأمة الصينية على أساس حجم رأس الصينيين؟!

بكلِّ أسف، يزخر التاريخ بالكثير من الكتابات السياسية الغبية والبحوث الطبية التي تتناول شعوبًا معيَّنة وتحدد جوهرها الحيواني – ماهيَّتها – بأن تصف أفرادها باللغة ذاتها التي تُستخدَم في وصف الحيوانات: تقول، مثلاً، بأن المنطق لا ينفذ إلى عقل الإنسان الفلاني أو بأنه لا يفهم العلوم. مثال ذلك الكتابات التي ظهرت في بعض المؤتمرات الطبية الفرنسية وفي الصحف الفرنسية في أثناء الاحتلال الفرنسي لأفريقيا؛ إذ حددت تلك الكتابات والبيانات الطبية جوهر الرجل الأسود بالتوحش الإجرامي، وبأنه عديم القشر دماغي، وبأن الفصين الأماميين لدماغ الرجل الأسود لا يعملان[7]!

مرة أخرى، تؤكد الدراسات الوراثية، التي تمنحنا الكثير من الدقة في استخدام الكلمات، بأن الألوان المختلفة للجلد تنجم عن كثافة صباغ وحيد هو الميلانين Melanin في البشرة (وهو موجود عند السود والبيض بكميات متفاوتة)، وبأن الاختلافات المسجَّلة هي اختلافات كميةوليست نوعية، وبأن المورثات الصبغية لدى السود والبيض تسمح بوجود حالات بينية ممكنة لدى الطرفين، أي ظهور جيل وسطي متشابه في اللون لدى الطرفين. وهذا التحليل يقوِّض أساس أية نظرية تتناول الآخر على أساس لون جلده.

فهل في الإمكان رفض أمَّة على أساس لون جلدها؟ أو تأسيس أمَّة على أساس لون الجلد؟ حتمًا لا. فاللون الأسود لم يساعد أفريقيا على تأسيس الأمَّة الأفريقية، لأن الأمَّة، كطرح رومانسي متجاوز للفوارق الواقعية بين الشعوب التي تؤسِّس أفريقيا السوداء، لن تتجسد واقعيًّا إلا من خلال الحلول التي تنتجها تلك الفوارق في علاقاتها التي تؤسِّسها؛ وبالتالي، تصبح العلاقة بين الذوات المختلفة هي التي تمنح الشركاء واقعًا ونظامًا وتكوينًا مشتركًا. فالأمر الذي جعل من نيجيريا دولة–أمَّة هو الفدرالية القائمة على أساس التنمية الاقتصادية، إذ أصبحت نيجيريا بعد استقلالها في العام 1963 ساحة تنمية اقتصادية هامة؛ وكانت تتألف من 12 ولاية، ثم أصبحت في العام 1983 مؤلَّفة من 29 ولاية، مع اعتزام كيانات أخرى الانضمام إليها، حتى بلغ عددها في العام 1986 48 ولاية. وهكذا، لم تتأسس الدولة–الأمَّة النيجيرية على أساس اللون المشترك أو على أساس اللغة المشتركة أو الدين المشترك، بل على أساس الحاجة إلى التنمية الاقتصادية[8].

إن هذه الاعتراضات التي قدَّمتُها على مفاهيم كالعرق واللون واللغة القومية، التي اعتُمِدَتْ كأساس لاضطهاد أمَّة لأمَّة أخرى، أو كأساس نظري لتكون أمَّة غير منجَزة لدى البعض الآخر، أو كأساس للتفوق الإنساني، تدفعني باتجاه كلمة أخرى أكثر فتنة وإغراءً، وهي “المساواة” – هذه الكلمة التي أدت إلى اختلاط شامل بين الحقوق والواجبات، بحيث تمَّ، تحت ستار التحليل السياسي للمساواة، تصنيف الشعب الواحد، والشعوب المتعددة داخل الدولة الواحدة، إلى أصناف متساوية في الظاهر، متفاوتة في القيمة؛ الأمر الذي هدد ماهية البعض بالتلاشي – الماهية الاختلافية التي لا يمكن لأية نظرية إيديولوجية أن تمحوها؛ الأمر الذي يؤدي إلى صراعات عدة، لا يمكن للاختزال الماركسي أن يبسِّطها في الصراع الطبقي وحده.

المساواة، لكي تكون ممتلئة بالمعنى، يجب أن تدلِّل على نفي كلِّ ما ذكرنا من فوارق غير حقيقية؛ وفي اختصار، يجب أن تنفي التفوق العنصري القائم على أسُس وهمية، ويجب أن تعني حماية الآخر الضعيف – عدديًّا أو اقتصاديًّا أو سياسيًّا – من اضطهاد الأنا المتضخم اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، المهيمن على الجغرافيا وعلى وسائل الاستغلال عامة؛ حماية الآخر من الاضطهاد الثقافي الذي يؤدي، في المحصلة، لا إلى استعمار القوي للضعيف أو إلى استغلال الكبير للصغير، بل إلى فرض نمط حياة فئة معينة على فئة أخرى، ودمجها في نسيجها العام، الذي يحول ماهيةً قائمةً مختلفة إلى ذكرى، ومن ثم إلى لا شيء.

وقد يكون في إمكاننا أن نعترض على العولمة بالطريقة التالية: نرفض أن تفترس أسماك القرش الكبيرة الأسماك الصغيرة، بعد أن تم اختزال المحيط، بفعل التكنولوجيا وتطور وسائل الاتصال وغيرها من الأمور العابرة للحدود والقاتلة للشرطي الجمركي، إلى حوض زجاجي صغير يحكمه الأقوى، وذلك بجعل كلِّ شيء ناطقًا بماهية الحاكم الكوني. وفي هذا الاعتراض احترامٌ لهوية الآخر، ورفعٌ له إلى مستوى “أناي” في القيمة الإنسانية. وبذلك نحقق للبشرية تنوعها الخلاق، الذي هو، في المحصلة النهائية، ضمانها البيولوجي للبقاء.

وللملاحظة، فإن الفهم الخاطئ، الاستغلالي، لنظرية داروِن (أصل الأنواع، الصراع على البقاء، بقاء الأصلح) أدى إلى ظهور أفكار سياسية نازية وعنصرية عفنة. فالتنوع أساس البقاء، وليس التدجين والأحادية التهديمية لإنسانية الإنسان. والمهتم بالبحوث البيئية وبعلم المحيطات يدرك أهمية وجود كائنات صغيرة نجهل وجودها في هذا الكون العظيم وأهمية دورها في المحافظة على التوازن البيئي – التوازن الذي أساسه التنوع، التنوع بما هو أصل طبيعي قبل أن يكون ضرورة أو حاجة، مثلما هو الآخر أصل في الطبيعة البشرية وتجسيد لتوازني الوجودي، وليس مجرد “حاجة معرفية” أو غير ذلك.

سأتوسع في تحليل المساواة في أثناء حديثي عن الأقليات، فيما أكتفي الآن بوضع خلاصة، أختصرها في أن توازن الأمم يكمن في تنوعها الثقافي وفي اختلاف أفرادها، وفي أن كلَّ فرد هو “آخر” بالنسبة إلى فرد آخر،و بأن كلَّ إلغاء للآخر هو، في الوقت نفسه، انكماش للذات على جهلها الذاتي لنفسها، وبأن فهم الآخر، والانفتاح على ثقافته، هو الضمانة الإنسانية لبناء عالم مشترك.

الأمَّة 

مختصر نظرية الأمَّة لدى إرنست رينان

يبدأ إرنست رينان نظريته عن الأمَّة بمقدمة يثبت فيها أن مفهوم الأمَّة مفهوم حديث لم يعرفه الزمن القديم – “لم تكن مصر والصين وبلاد الكلدان القديمة أممًا بأية درجة؛ لقد كانت بمثابة قطعان يقودها ابن للشمس وابن للسماء” – وأن الإمبراطورية الرومانية كانت قريبة من أن تكون وطنًا. ويعود الفضل في إدخال مفهوم الجنسيات إلى العالم للغزو الجرماني في القرن الخامس الميلادي ولآخر الغزوات النورماندية في القرن العاشر الميلادي. ثم ينتقل إلى معاهدة فِردان التي بدأ معها ظهور مقسَّمات ثابتة الحدود، هي فرنسا وألمانيا وإنكلترا وإيطاليا وإسبانيا. فمنذ تلك المعاهدة، بدأت هذه الدول بالسير نحو وجودها القومي، وذلك لعدة أسباب:

–       انصهار السكان المؤلِّفين لهذه الدول في كلٍّ واحد.

–       نسيان الغزاة لِلُغتهم الأصلية.

–       تبنِّي الغالب ديانةَ المغلوب، وبالتالي، انتفاء الاضطهاد الديني.

ويرى رينان بأن نسيان الأخطاء التاريخية هو الأساس لخلق الأمَّة، فيحدد جوهر الأمَّة بوجود “الكثير من الأشياء المشتركة، وبأن سائر الأفراد قد نسوا العديد من الأشياء”. أما التأسيس، فإن رينان يجد بأن الأمم قد تأسَّست

–       إما على يد سلالة حاكمة: مثال ذلك فرنسا؛

–       وإما بالإرادة المشتركة للأقاليم: مثالها هولندا وسويسرا وبلجيكيا؛ أو

–       بروح عامة تغلَّبت على الإقطاعية: مثالها إيطاليا وألمانيا.

وبعد أن يوضح رينان الفارق بين مبدأ الجنسيات ومبدأ الأعراق، ينتقل إلى مبدأ الحق القومي في نشوء الأمم، ويتساءل عن المعيار الذي نبني عليه هذا المبدأ، فيتناول:

1. العرق: يقول رينان بأن الاعتبار الإثنوغرافي – العرقي – لم يكن له أي شأن في تكون الأمم الحديثة، ويستشهد بفرنسا التي هي كلتية وإيبيرية وجرمانية، وبألمانيا التي هي جرمانية وكلتية وسلافية، وبإيطاليا التي هي غولية وإتروسكية وبيلازجية وإغريقية. وهو يثبت، عِبْر هذه الأمثلة، أنه ليس هناك من عرق خالص، وبأن الأصول الحيوانية للإنسان سابقة بكثير على أصوله الثقافية والحضارية واللغوية، وبأن الأمَّة الفرنسية هي ما خرج من “قِدْر الطهو الكبيرة”، حيث اختمرتْ فيها سويًّا العناصر الأكثر تنوعًا. والخلاصة أن العرق إنما هو شيء يتحصل وينفرط، وأن أول أمم أوروبا هي أمم قائمة في جوهرها على اختلاط دماء أبنائها.

2. اللغة: يرى رينان بأن اللغة تدعو إلى الالتقاء، لكنها لا تُكرِه أحدًا على ذلك، وبأن أمريكا اللاتينية وإسبانيا تتحدثان اللغة ذاتها ولا تشكِّلان أمَّة واحدة، على عكس سويسرا التي فيها أربع لغات وثلاثة أديان وعدة أعراق وتشكِّل أمَّة. ويرى بأن اللغات تشكُّلات تاريخية، وهي قلما تدل على دماء الذين يتحدثون بها، وأن المبدأ الأساس هو أن الإنسان كائن عاقل وأخلاقي قبل أن يكون معلَّبًا داخل هذه اللغة أو تلك، وقبل أن يكون عضوًا في هذا العرق أو ذاك، وبأنه يوجد في الإنسان ما يفوق اللغة: الإرادة.

3. الدين: يرى رينان بأن الدين لا يكفي لتقديم الأساس الكافي لإنشاء جنسية حديثة وبأنه أصبح شأنًا فرديًّا، يخص ضمير كلِّ واحد، وبأن تقسيم الأمم إلى أمم پروتستانتية وأخرى كاثوليكية ما عاد موجودًا.

4. الاشتراك في مجموعة مصالح: هذه قد تفيد في عقد معاهدات تجارية، لكنها لا تؤسِّس لأمَّة.

5. الجغرافية: تحظى بنصيب كبير: الأرض تقدِّم المادة – حقل الصراع والعمل؛ أما الإنسان فيقدِّم الروح: الإنسان هو الأساس.

وهكذا يصل رينان إلى مفهومه الروحي عن الأمَّة. فالأمَّة لديه “مبدأ روحي”؛ وهي، كما يصفها، “عائلة روحية، لا مجموعة محدَّدة بترسيمة الأرض”.

هذه هي الخلاصة التي ينتهي إليها رينان، ويرى بأن شيئين يؤسِّسان لهذا المبدأ:

–   واحد من الماضي، وهو امتلاك إرث مشترك من الذكريات؛

–  وآخر من الحاضر، وهو التوافق الحالي، الرغبة في العيش سويًّا. لذلك يصف وجود الأمَّة بأنها عملية “استفتاء شعري” تحصل كلَّ يوم[9].

تُعَد نظرية إرنست رينان عن الأمَّة من بين أكثر النظريات التي تناولت الأمَّة علميةً. وتتأتى علميتُها من تقديمها لأدوات قراءة تشكُّل الأمم وتناثرها، وقوانين استمرارها ومستقبلها، وعدم تبسيطها للتركيبة الاجتماعية ومنحها الصفة العالمية، كما هي عليه الحال مع الماركسية، على مختلف أدوارها، وبصورة خاصة في كتابات ماركس وإنغلز، بلغتهما الاستفزازية في تناوُلهما لصيرورة تشكُّل الأمم. وسنقوم فيما يلي بمحايثة تصور الأمَّة في الكتابات الماركسية مع تصورها لدى رينان بهدف تحقيق نوع من التحاور النقدي بينهما وتوضيح بعض أخطاء النزعة العالمية واللازمنية التي أثَّرت في تحليلات الماركسيين للوقائع ولصيرورة تشكُّل الكتل التاريخية.

قام ماركس وإنغلز بتقسيم الأمم إلى أمم “تاريخية” وأخرى “لا تاريخية”، معتمدَين الثورة، التي توقعا حدوثها عالميًّا (والتي خابت تصوراتُهما بشأن وقوعها)، أساسًا معياريًّا لامتلاك هذه الصفة التاريخية. وتماشيًا مع نظرتهما إلى الشعوب “اللاتاريخية”، قاما بتقسيم الشعوب إلى شعوب “ثورية” وشعوب “ضد الثورة”، وقسَّما، مرة أخرى، الأممَ إلى أمم “كبيرة” وأمم “صغيرة”، من حيث إمكانية الحياة الاقتصادية والسياسية، مؤيِّدَين حقَّ الأمم الكبيرة في الوجود والتشكل الأممي، مع ذوبان الأمم الصغيرة، معتبرَين طبقة الپروليتاريا فئةً ثوريةً وحيدة ضد برجوازية؛ أما الفئات الأخرى المتوسطة، فإنها ستتعفن وتندثر في الصناعة الكبرى.

أما موقف لويس آلتوسِّر من ستالين فيتحدَّد من اعتباره لستالين “نبتًا للإنسانية”، نبتة تحطِّم الإنسان القديم في سبيل إنتاج الإنسان الجديد؛ وهو موقف متأصل في الخطاب الماركسي الثوري، الذي حاول أن يطبِّق القانون الطبيعي على التركيبة الاجتماعية، مؤمنًا بالقطيعة والتقويض وإعادة البناء، الأمر الذي يضعف من علمية خطابه، إن لم نقل إنه يبرهن على عكس ما يدَّعيه من “علمية”. فحتى الرياضات الحديثة، التي تحولت كثيرًا عن الرياضيات القديمة، تؤمن بصيرورة تطور المفاهيم حتى تصل إلى حالتها الخلاصية. والمنطق في بدايته كان طفلاً يحبو، وتطور تدريجيًّا نحو قربه من القانون الرياضي. وداروِن أثبت الصيرورة في علم التاريخ، بعدم تكرار الدورات الزمنية الإغريقية، على الرغم من وجود مفهوم الصيرورة قبله في التأريخ الإيطالي.

ولكي نفهم ذلك التأصل في الخطاب الماركسي، نعود إلى موقف إنغلز من الغزو الأمريكي للمكسيك، الذي يعده “أمرًا حسنًا يدعو إلى السرور”، معتبرًا بأن من التقدم أيضًا إكراه بعض الأمم بالعنف على الانخراط في الحركة التاريخية! ولا ننسى الرسالة التي طالب ماركس الاستعمارَ البريطاني في الهند بأن يحقِّقها – طبعًا على الرغم من إدانته الأخلاقية لأساليب الاستعمار البريطاني: طالب الإنكليز بأن يحققوا رسالةً مزدوجة في الهند:

تدميرية وتجديدية: تدمير النظام الاجتماعي الآسيوي القديم، وخلق الأسُس المادية لنظام اجتماعي غربي في آسيا.[10]

وعلى الرغم من التعارض الواضح بين خطاب كلٍّ من ماركس وإنغلز حول الكفاح القومي للبولونيين، الذي تقدَّما به يوم 29 نوفمبر من العام 1847، إلا أنهما يتفقان على الإسنادية المعيارية للثورة التي تجعل موقفهما المتعارض في الظاهر منسجمًا على مستوى مضمون الخطاب. يقول ماركس:

كي تستطيع الشعوب أن تتحدَّد بالفعل، يجب أن تكون مصلحتها مشتركة؛ وكي تكون مصلحتها مشتركة، يجب إزالة علاقات الملكية القائمة حاليًّا… وانتصار الپروليتاريا على البرجوازية؛ وهو، لهذا السبب، علامة على تحرُّر سائر الأمم المضطهدة.[11]

أما موقف إنغلز، كديمقراطي ألماني، فيتضح من خلال ما قاله فيما يلي:

إن أمَّة من الأمم لا تستطيع أن تصبح حرة إن هي استمرت، في الوقت نفسه، في اضطهاد الأمم الأخرى. وهكذا، فإن تحرُّر ألمانيا سيبقى غير ممكن إذ لم تتحرَّر بولونيا من الاضطهاد الذي يمارسه عليها الألمان.[12]

فماركس يهدف إلى انحلال الأمم عِبْر ثورة اجتماعية كبرى، بينما إنغلز يهدف إلى تحرُّر الأمم عبر ثورة قومية. والشيء المشترك في تصورهما عن نشوء الأمم هو الثورة العالمية الشاملة التي ستجتاح العالم “المتمدِّن”، الثورة التي ستوحِّد كفاحات الحركات السياسية والاجتماعية. ومردُّ هذا التوقع هو الأهمية التي منحها كلٌّ من ماركس وإنغلز لدور الثورة الرأسمالية الصناعية واستقطاب المجتمع إلى طبقتين متصارعتين، وإضفاء طابع العالمية على هذا الاختزال للتركيبة الاجتماعية. لذلك نستنتج بأن الأمر الحاسم في نشوء الأمم، في نظر كلٍّ من ماركس وإنغلز، هو قيام الثورة الپروليتارية وصعود الپروليتاريا، باعتبارها الطبقة التي تسقط معها جميع الطبقات الأخرى. ويؤكد ماركس حججَه هذه بما قاله في سياق حديثه عن الپروليتاريا الألمانية وبوصفه لها

فئة هي انحلال جميع الفئات، مجال يملك طابعًا عالميًّا بسبب آلامه العالمية.[13]

وعلى الرغم من عدول ماركس عن نظرته إلى الشعوب “اللاتاريخية” ومن توسيعه لتصوره القديم، عِبْر حديثه عن التطور غير المتساوي للأمم، إلا أنه حافظ على النمط التبسيطي للصراع الطبقي داخل المجتمع، وعلى صيرورة تطور المجتمعات عِبْر الصراع الطبقي والتطور الرأسمالي وتمركز السلطة والمال – الأمر الذي يرفضه فرانتز فانون في كتابه معذَّبو الأرض؛ إذ إن هذا التصور لا يجد له أية إمكانية للتحليل الطبقي فيما يتعلق بالمجتمعات ما قبل الرأسمالية، وذلك بخصوص الدول الخاضعة لهيمنة الميترپولات، أو الدول المستعمِرة؛ إذ نجد عناصر أخرى غير مادية تفعل فعلها في تكون الأمم داخل مثل هذه المجتمعات. وفي إمكاننا أن نضيف إلى هذا الاستثناء الدول الخاضعة لنمط الإنتاج الكولونيالي: فعلى الرغم من أن هذا النمط الكولونيالي يحقق نظريًّا ما وصفه ماركس بـ”الرسالة المزدوجة”، وذلك بإدخال التكنولوجيا ونمط الإنتاج الرأسمالي في مجتمعات زراعية أو بدوية، إلا أن التجربة أظهرتْ أن إقامة مصنع لسيارات فورد أو فتح مقاهي الإنترنت في دولة آسيوية أو أفريقية ما، أو إنشاء مطار حديث ومد سكك الحديد، وفي اختصار، إدخال التكنولوجيا (التي تعود بالربح على الدول المنتجة لها) إلى الدول الأطراف المستهلِكة، لم تغيِّر بنية الوعي الداخلي لدى أفراد هذه المجتمعات، التي ظلت متمسكة بالريفية والقبلية وغيرها من المفاهيم الهرمية. ويتضح ذلك بكلِّ جلاء في طبيعة الأحزاب وهرميَّتها العشائرية وطبيعة أنظمة الحكم التي تأتى بالعَصْرَنَة المشلولة إلى أنظمتها غير العصرية، وإلى خواء كلمات، كـ”الفرد” و”الذات الاجتماعية” و”مؤسَّسات المجتمع المدني”، من التصورات الذي أُدخِلَتْ هذه المفاهيم على أساسها. وبالتالي، دخل النمط الإنتاجي التكنولوجي الكولونيالي إلى هذه الدول؛ ولكن “الرسالة المزدوجة” التي طالب بها ماركس لم تهدم قديمًا ولم تعمِّر جديدًا، بل ظلت معلقة في خيال ماركس فقط.

وعلى الرغم من أن أفرادًا من الجيل الماركسي الثاني، مع الأممية الثانية، وبالتحديد مع لينين وستالين، حاولوا أن يعدِّلوا نظرية الأمَّة الماركسية ويطوِّروها، إلا أنهم، في محاولتهم تلك، كانوا يفرغون المفاهيم من مضامينها. مثال ذلك موقف لينين من حقِّ الشعوب في تقرير مصيرها، حين كتب:

لا يجوز أن يفسَّر هذا الحق إلا بمعنى حق تقرير المصير السياسي، أي الحق في الانفصال وتأسيس دولة مستقلة.[14]

لكن هذه “الدولة” ستكون تابعة اقتصاديًّا وثقافيًّا، وبالتالي، تابعة في نمط حياتها الاجتماعية للدولة التي اعترفت بحقِّها السياسي؛ ما يعني تفريغ “المصير” من محتواه الحقيقي وإلغائه تمامًا. وكان ذلك الموقف بسبب المنطلقات التي استند إليها لينين لتطوير نظرية الأمَّة؛ وهي – قصارى القول – منطلقات تدمج كفاح الپروليتاريا المتقدمة مع كفاحات التحرر القومي لسائر الشعوب المتأخرة، في وحدة ثورية عالمية واحدة، أي الإبقاء على الأساس الكلاسيكي لما كَتَبَه كلٌّ من ماركس وإنغلز، ألا وهو الثورة الپروليتارية العالمية القيادية أو الحرب العالمية، التي خيَّبت توقعات الجيلين وكانت محلَّ خلاف بين كلٍّ من لينين وتروتسكي.

أما ستالين، فإنه وضع، بكل ثقة وتباهٍ، شروطه الخمسة الشهيرة لوجود الأمم، التي هي على الترتيب:

1.     الإقليم المغلق؛

2.     وجود حياة اقتصادية خاصة؛

3.     وجود لغة مشتركة؛

4.     وجود ثقافة مشتركة؛ و

5.     وجود تاريخ مشترك.

وأعتقد، من جانبي، أنها شروط ليست في حاجة إلى تعليق! فهي، معرفيًّا، تلغي نفسها بنفسها: فالإقليم المغلق جغرافيًّا لا يساهم في نشوء الأمم؛ ولا الحياة الاقتصادية واللغة وغير ذلك – باستثناء الثقافة، التي يجب العمل على جعلها مشتركة، كما فعلت الأمَّة البرازيلية التي هي خليط متنوع من الهنود والأفارقة والإسبان والبرتغاليين، التي تناست أخطاء تاريخية بالمعنى الريناني، وأسَّست لرموز وأساطير وطنية مشتركة، وبالتالي، اتفق أفرادها على تكوين ثقافة وتراث مشترك.

ولكي لا ننجر وراء العرض التاريخي لسيرورة نظرية الأمَّة في المنظومة الماركسية، فإننا نجد بأن التطور الحاسم لهذه النظرية تحقق مع ظهور مجموعة من المفكرين الماركسيين الذين قرءوا الأمَّة من داخل المجتمعات التي كانوا ينتمون إليها، ومن داخل القوانين التي تحكم تطورها. ومن بين هؤلاء المفكرين ليوپولد مارمورا، الأرجنتيني الأصل والأوروبي الثقافة، الذي يرى بأن الأمر الحاسم بخصوص تكوُّن الأمم أو عدم تكوُّنها هو التركيب الاجتماعي للمجتمع؛ أي أنه يعوِّل على التكوين الداخلي للتشكيلة الاجتماعية الرأسمالية–البرجوازية وعلى تراكُب بنائها وتناقضاته. وعلى الرغم من أنه يحافظ على التحليل الطبقي، إلا أن الجديد لدى مارمورا هو مغايرته لما كَتَبَه كلٌّ من لينين وستالين. ويتوضح ذلك في قوله:

ليست الروابط والسمات المشتركة الشخصية والجغرافية، والروابط والسمات التي يمكن لمسها تجريبيًّا، هي ما يحفظ تماسُك الأمم.[15]

وهو هنا يتفق مع رينان، وكذلك مع مفهوم الأمَّة لدى أوتو باور؛ لكنه يختلف عن رينان فيما يتعلق بالجوهري داخل الأمَّة. فالجوهري عند رينان، كما بينَّا، هو “الإرادة”، إرادة العيش المشترك؛ أما الجوهري لدى مارمورا فهو نمط التركيب الاجتماعي. لذلك نجده يستعمل كلمة “دمج”: دمج طبقات المجتمع كأفراد دمجًا جماعيًّا يخلق بينهم لحمة دائمة، تصبح، بهذه الطريقة، منظومة هيمنة؛ وهذه المنظومة المهيمنة هي التي تحافظ على استمرارية الأمَّة وتمكِّنها من القيام بدورها التوسطي، الذي يركز عليه مارمورا كثيرًا، حيث يؤكد على تَمَفْصُل الأمَّة والكتلة التاريخية للقاعدة والبنية الفوقية، أي إيجاد رابط بنيوي لما هو اقتصادي مع ما هو إيديولوجي–سياسي. وهذا الأمر يشكِّل تعارضًا أساسيًّا مع المفهوم الماركسي الذي حدَّده ماركس بمعادلة “القاعدة والبنية الفوقية”، هذه الثنائية التي تتوسطها مجموعة قوانين مادية اقتصادية. أما مارمورا فيجعل من الأمَّة متوسطة عضوية بين حدَّي هذه الثنائية، وبالتالي، يجعل من الأمَّة رابطة بنيوية بين القاعدة والبنية الفوقية، الأمر الذي يحقق للأمَّة الثبات والاستمرارية.

لكني، مع ذلك، أجد بأن نظرية الأمَّة الماركسية – حتى لدى مارمورا – تحافظ على الاختزالية الاجتماعية وتبتعد عن العلمية. ويمكن لي هنا أن أستند إلى التحول الدقيق الذي ذكره هربرت ماركوزي في مؤلَّفه الإنسان ذو البعد الواحد، التحول الذي تعرَّضت له الطبقة الكادحة نتيجة التطور التكنولوجي الكبير والسريع، الذي غيَّر معه الكثير من السياسات وقوَّض أسُس مجموعة مفاهيم إيديولوجية، كالثورة، والتحول الثوري، والطبقة الكادحة، إلخ. ويذكر ماركوزي عوامل هذا التحول على نحو سأختصره في التالي:

1.     المكْنَنَة تقلِّص تدريجيًّا، كمًّا وشدةً، الطاقة الفيزيائية، أو ما يسمِّيه ماركس بـ”بؤس العمل الفيزيائي”، وتُحِلُّ التوتر الذهني والعصبي محلَّ التعب العضلي.

2.     المشاغل والوظائف تميل إلى التجانس، حيث يحلُّ المختص غير المنتج محلَّ العامل غير المتخصص، أي الذي يدير الآلة بدلاً من الذي يحركها؛ وهذا الأمر يزعزع أساس التصور الماركسي في التركيب العضوي للرأسمالية.

3.     تغيير موقف الشغِّيلة ووعيهم نتيجة التحولين السابقين، فيندمجون في المشروع؛ وهذا أيضا يزعزع مفهوم ماركس عن الپروليتاريا، بما هي طبقة ثورية وحيدة “ضد برجوازية”.

4.     تراخي موقف الطبقة العاملة: فلا تعود تمثل ذلك النقيض الحيَّ للمجتمع القائم[16].

مع هذه التحولات في بنية التركيبة الاجتماعية ذات التصور الماركسي، ما الذي سيؤسِّس الأمَّة ماركسيًّا؟ إذ لم تبقَ هناك تركيبة اجتماعية متعارضة، وبالتالي، توقَّف أفق الانتظار الثوري! فالتغيرات السياسية التي حدثت مع التطورات الهائلة للتكنولوجيا، والعودة مرة أخرى إلى عصر ظهور الأفكار القومية المتمركزة عرقيًّا، وظهور الأصولية الدينية كقوة مهددة وضاغطة على بروز الطائفية الدينية – هذه جميعًا لم تترك مجالاً لقبول التبسيط الماركسي في تحليل التركيبة الاجتماعية؛ وبالتالي، لم يعد هناك من مسوِّغ معرفيٍّ للتصور الماركسي عن الأمَّة وعن الثورة الپروليتارية الشاملة التي ستوحِّد الأمم بعد انحلالها في طبقة واحدة، أو بعد تحرُّرها وتوحُّدها أو دمجها في طبقة ثورية پروليتارية واحدة.

ونتيجة هذه التداعيات للأسُس النظرية التي اعتمدتْ عليها رؤيتُنا للعالم، هل ما يزال سؤال الأمَّة مشروعًا؟ وقبل ذلك، هل الأمَّة، وفقًا للتصور الريناني أو للتصور الماركسي، بات معقولاً لقراءة الوقائع في ضوئها، وبالتالي، الخروج بحلٍّ أو بنتيجة مهدئة للصراعات المعلنة وللصراعات الكامنة؟

إننا نتفق مع التحولات التي تغلغلت في عمق الطبقة الكادحة، على النحو الذي ذكره ماركوزي، والتي تزعزع التصور الماركسي عن التركيبة الاجتماعية. إن التطور يبرهن، يومًا إثر يوم، على عدم إمكانية التنبؤ بمدى تطور المعارف الإنسانية ومستقبلها، وعلى أن الإنسان انتهى – أو هو في طور الانتهاء – كماهية بالمفهوم الفلسفي منذ الفلسفة الإغريقية وحتى اليوم. ويشكل هذا “الانتهاء” المحور الذي ارتكز عليه فرانسيس فوكوياما في كتابه الأحدث نهاية الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، فإن العالم يشهد اليوم ولادة كائن آخر، خارج المنطق والفكر الإنساني: شخصية المبيد الشامل Exterminator، التي يجسِّد الإرهابي، في دقة متناهية، خصائصَها.

إن هذه المعطيات التاريخية الحالية كلها تزيح عن التطبيق التصورَ الماركسي في الأمَّة، بوصفه حلاً لأزمة التناقضات المرعبة في العالم. أما نظرية إرنست رينان عن الأمَّة، فهي طرح رومانسي، كالرومانسية الألمانية: إذ لا يمكن أن نجد في المجتمعات الشرقية، في صورة عامة وخاصة، إنسانًا كفرانكلين يصرخ أينما وضع قدمه على هذه الأرض قائلاً: “بلادي هنا!” لذلك فإنني سأناقش تصور الأمَّة لدى رينان على أنه يوطوپيا ضرورية لرفض الحالة الوقائعية، وبأن الشرط التاريخي الراهن يثبت لامعقوليته. وقبل أن أتناول نظرية رينان بنوع من الإستراتيجية التفكيكية، أعلن، بدايةً، أنني أؤمن، شعريًّا وعقلانيًّا، برؤية رينان لكينونة الآخر، وبأن الإنسان هو الأساس، على الرغم من الغموض الذي يحيط بهذه المقولة، حيث لا يمكن تحديد معناها من دون التباس في المعنى، إذا ما اعتبرنا التجربة العيانية إسنادًا معياريًّا.

الانصهار

تُعَد كلمة “الانصهار” هذه الآليةَ الأساسيةَ التي اعتمد عليها رينان في تجسيد تصوره عن التوحد الذي يحدث بين عناصر الأمَّة المختلفة والمتنوعة. و”الانصهار” يعني تقديم بَلْوَرَة للهوية؛ أي أن العناصر المتناقضة تنصهر وتتبلور من جديد في كلٍّ يلغي تلك العناصر، ويقدِّم جديدًا يزيد على المجموع الرياضي لتلك العناصر. وهذا التصور يقرِّب رينان من الثالوث الهيغلي الذي يصهر الطريحةَ thesis ونقيضتَهاantithesis في شميلة synthesis تلغيهما في هوية جديدة تفوقهما معًا.

ويحاجج رينان على هذه الأمر بانتقاده للسياسة التركية التي لم تستطع أن تصهر العناصر التي كانت تؤلِّفها في كتلة واحدة، حيث بقي التركي تركيًّا، والكردي كرديًّا، والعربي عربيًّا، والسوري سوريًّا، والأرمني أرمنيًّا؛ وكذلك بقوله إنه لا توجد في فرنسا آنذاك عشر عائلات تستطيع أن تقدِّم حجة دامغة على أصلها الإفرنجي. وهذا يمهِّد لي عتبة معرفية للحديث عن “قِدْر الطهو الكبيرة” التي اختمرت فيها سويًّا العناصرُ الأكثر تنوعًا للأمَّة الفرنسية، وذلك بالتساؤل عمَّا يحدث الآن لـ”قِدْر الطهو الكبيرة”، وهل هناك أية إمكانية لانصهار العناصر المختلفة في “قِدْر طهو كبيرة” من جديد؟

إن ما حدث منذ العام 1989، مع انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية، واجتياح التقسيم لخارطة أوروبا، والتفكك الذي حدث في دول البلطيق (لاتفيا وليثوانيا وإستونيا)، وتفكك الفدرالية السوفييتية في العام 1991، حيث رُزِقَ العالم جغرافيًّا بأربع عشرة دولة جديدة، وتفكك يوغسلافيا، وتفكك تشيكوسلوفاكيا في العام 1992 إلى دولة تشيكية وأخرى سلوفاكية، وما يحدث الآن من بروز للنزعة العرقية في الدول النامية، وتقلص وعي الانتماء من الهوية الوطنية إلى انتماءات وهويات طائفية عرقية، والظهور الحدِّي للتباينات المعيشية المتفاوتة، السكانية والعرقية والدينية، وللتباينات المعيشية بين المدينة والريف، وبين مدن الأطراف ومدن المركز – في اختصار، عودة ظهور التمركز العرقي والنزعة المحورية العدائية – هذه الأمور كلها تشكِّل ما يسمَّى، بتعبير الجغرافية السياسية، بـ”القوى الطاردة”، التي تمزق أوصال الدولة وتقلِّل من إمكانية الجذب بينها.

وإلى جانب ذلك، فإن التفكك الذي ذكرناه في خارطة الدول الكبرى، التي تتقدَّمها التجربة السوفييتية، تؤكد على عدم إمكانية “صهر الأعراق” – على الرغم من تحفظي العلمي على هذه التسمية – والعناصر المختلفة في “قِدْر الطهو” الشيوعية الكبيرة. ففي قرغيزستان، مثلاً، نجد بأن القرغيزيين كانوا يمارسون سرًّا اختلافهم عن الهوية التي فُرِضَتْ عليهم قسرًا؛ وكانت تلك الهوية السرية هي الفاعلة في بنية وعي القرغيزيين وفي بنية خيالهم الاجتماعي، ولم يشتركوا مع الپروليتاريا في الذاكرة الجماعية ولا في الرموز الوطنية والأممية، ولم ينصهروا في الثقافة الماركسية. وقد تجسدت تلك الهوية في اجتماعاتهم السرية التي كانوا يعقدونها لممارسة شعائرهم الخاصة والاستماع إلى قصيدة “أوستيا” (أطول قصيدة ملحمية في العالم: مؤلَّفة من اثنَي عشر مليون بيت شعري)، التي كانت تلقى قبل “الكابوس الشيوعي”، كما يصفونه، مدة ستة أشهر، واليوم اختُصِرَ إلقاؤها إلى اثنتي عشرة ساعة، وقد مُنِعَتْ في العهد الشيوعي باعتبارها تمثل “ثقافة زراعية إقطاعية”. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أسقط القرغيزيون تمثالاً لماركس، وأقاموا مكانه تمثالاً لتيمورلنك، لأنه تراث ورمز وطني يجسد الثقافة القرغيزية.

لذلك نجد بأن الانصهار، كآلية لتحقيق الوحدة، أمر غير ممكن؛ وما دعاه رينان بـ”نسيان الأخطاء التاريخية” يتضح اليوم خواؤه من المعنى في الذاكرة المستعادة داخل أزمة التناقضات المرعبة للعالم؛ إذ إن واقع الإقليمية الذي يغطي أوروبا الشرقية وأفريقيا، وما يحدث الآن في ساحل العاج، مثلاً، أو ما يحدث في دارفور، وأحوال التيبت في الصين، ونزعة تايوان إلى إعلان استقلالها، المهدِّد بحرب كامنة، والتوتر العام في العالم – هذه الأمور كلها تجعل من الأمِّة، كما شرحها رينان، مشروعًا خياليًّا، ومن الطريق إلى هذا المشروع، عِبْر آلية الانصهار في “قِدْر الطهو الكبيرة” ونسيان الأخطاء التاريخية، نوعًا من التأمل الشعري للفوارق العصبية والإقليمية، وتجعل من تجاوُز هذه العصبيات الإقليمية سلوكًا خاطئًا، لأن الشعوب لا تشكِّل كتلاً تاريخية ثقافية متجانسة، ولا يمكن تناولها داخل نظرية عالمية شاملة لا تلتفت إلى التنوع والاختلاف وإلى عدم التجانس. وهذا ما يؤكده خطاب مامودا في “الأمم الأفريقية والتضامن العالمي”، حيث كتب:

إن خطأنا هو أننا، بحجة محاربة التجزئة، نسينا واقع الإقليمية… لقد فتَنَنَا المثل الأعلى، فظننَّا المثل الأعلى واقعًا، وحَسِبْنا أنه يكفي أن نستنكر الإقليمية وما ينشأ عنها من تعصب لقوميات صغيرة حتى ننتصر عليها وحتى نحقق الظفر لمشروعنا الخيالي.[17]

إن هذا الخطاب يوضح، في دقة عالية، لاإمكانية الصهر في القِدْر الأفريقية الكبيرة، التي تصلح قياسًا برهانيًّا على وضع الشعوب في الدول النامية عامة. ومن المرجح أيضًا، بل من الثابت عِبْر التجربة التاريخية، أن طبيعة الأنظمة التي تحكم الدول النامية عامة، والتي تشل تطور المجتمعات التي تحكمها وتهيمن على بنيتها التركيبية، بحيث تسد الطريق أمام مجتمعاتها للإطاحة بها، تشكِّل عائقًا أساسيًّا أمام تشكُّل الأمَّة في هذه الدول. فالأنظمة الدكتاتورية تعمل على تفكيك بنية المجتمع، وتعيده إلى مكوناته الإثنية والدينية واللغوية والطبقية – وفي اختصار، تختزل المجتمع إلى الرهط البدائي، عازلةً هذه المكونات بعضها عن بعضها الآخر، ومن ثم تؤلِّب هذه العناصر بعضها على بعض، مجسدة القانون الاستعماري “شعب ضد الشعب”، بحيث تعمِّم تصورات عنيفة وعدائية بين مكونات الشعوب التي تحكمها، وتدعم اللغة العدائية الوصفية التي تستخدمها فئة ضد أخرى (بما في ذلك الفكاهة)، وبحيث يتحول الشعب إلى عدو للشعب؛ أي تغيِّر مجرى العنف الداخلي في الطريق الخاطئ. وتعمل الأنظمة الدكتاتورية، من خلال هذه الإستراتيجية، على مضاعفة المسافة التي تفصل بين مكوِّنات المجتمع، بحيث تجعل كلمة “الوحدة الوطنية” صيغة غامضة تشكِّل هوية سديمية، أو تلغي الهوية في حدِّ ذاتها، وتنفخ وعي الانتماء إلى الرهط الديني أو القبلي، لكي تتمكن من السيطرة عليها، بعزلها بعضها عن بعض، لتُضعِف من متانتها عبر انتماءاتها الهشة. وتبقى الطبقة الحاكمة هي طبقة الحزب الواحد المهيمن، الطبقة التي تجد ضمانتها في قلق المواطن. وبهذه الطريقة يتم إغلاق البلاد بإغلاق وعي الأفراد داخل دوائر انتماء ضيقة، بما يجعل من كلمات كـ”الشعب” و”الأمة” و”العرق” عبارات مترادفة، غامضة، فارغة. أما على المستوى الفكري، فتقوم بنوع من التكييف الارتجاعي لنمط التفكير، بجعل الوعي متماثلاً مع الماضي وتكرس، بالتالي، الخروج عن حركة التاريخ.

لذا نجد بأن نظرية الأمَّة لدى رينان أقرب إلى “الدين الطبيعي”، بالمفهوم الذي طرحه الروماني شيشرون[18]، منها إلى الواقع المعيش: دين يحدَّد بالعقل ويجعل الأفراد يشعرون شعورًا مشتركًا بالأمَّة وبوجود اعتقاد وإيمان بضرورة الأمَّة كراعية إلهية للأفراد والعناصر المكونة لهذه الأمَّة. ويتأتى هذا القرب من تحديد رينان للأمَّة كمبدأ روحي: “عائلة روحية، لا مجموعة محددة بترسيمة الأرض”. وهذا أمر مؤكَّد نظريًّا؛ لكن واقع الروح البشرية في العصر الحالي هو التشظِّي، وسيادة النزعة الفردية الطاغية في نمط الإنتاج وفي العلاقات الاجتماعية المتفككة، وخلو الحب والصداقة من الرومانسية والفضيلة، ووسائل الاتصال الحديثة، والنمو الهائل في “الروح التكنولوجية” – إذا أجيز لي استخدامُ هذا التعبير – والتفكك التصارعي لتركيبة المجتمعات الحديثة – كلها أمور تؤكد وتؤسِّس لوجود روح تكنولوجية، انعزالية، تتواصل عبر مجموعة من الأزرار الإلكترونية وتتفهم الواقع ككبسولة مضغوطة، يمكن التعرف إليه بالضغط على زرٍّ من جهاز التحكم بالتلفاز أو بـ”الفأرة” على أيقونة على شاشة كمپيوتر. هذه الروح التكنولوجية، بماهيتها الانعزالية، تتحصن داخل واقعها المتشظِّي ضد العائلة وضد الصداقة وضد الآخر، وبالتالي، تدحض الطرح اليوطوپي للأمَّة الرينانية بما هي “عائلة روحية”.

الدين

بخصوص الدين، يكتفي رينان بالقول بأن الدين “شأن فردي يخص ضمير كلِّ واحد، وأن تقسيم الأمم إلى أمم پروتستانتية وأمم كاثوليكية ما عاد موجودًا”. لكن الذي عاد موجودًا هو تقسيم الأمم إلى پروتستانتية وكاثوليكية وغيرهما! فمع البداية الحقيقية للقرن الواحد والعشرين، أي مع أحداث 11 أيلول الشهيرة، عاد الدين إلى الظهور في صيغته التكتلية الدينية – الأصولية الإسلامية – في مواجهة “الغزو الصليبي”، كما عُمِّم ذلك في الكتابات الصحفية والإعلامية. وكذلك نجد في العراق، بعد سقوط النظام البعثي فيه، عودةً كبيرة إلى الدين واستعادةً للطقوس الدينية في احتفالات مهرجانية كبيرة، وزيادة نسبة المتدينين الأميين، والإيمان بالبركات وغيرها من الأفكار، وبروز الأصولية الدينية الإلغائية لكينونة الآخر.

وبالتالي، لم يعد الدين شأنًا فرديًّا، كما اعتقد رينان. ولكنه، في المقابل، مازال لا يقدم الأساس الكافي لإنشاء الجنسية الحديثة، وذلك بسبب الذهنية الإلغائية التي يقدم الدين نفسه للوجود من خلالها؛ وهي صيغة همجية جاهلة بالدين، مشوِّهة لفكرة المقدس – وفي اختصار: التباسية جماعية تقهقرية عنيفة، تعلن قائمة رفضها ولا تحدِّد هدفًا لسلوكياتها.

الأقلِّيات – الفدرالية  

إننا نعلم بأن مفاهيم من نحو المساواة والديموقراطية مفاهيم سياسية مراوغة، تلجم مضمون ما تُطالِب به وتعيقه أن يتجسد؛ أما الواقع فهواللامساواة. وبما أن هاتين الكلمتين – أي المساواة واللامساواة – مأخوذتان من المجال الرياضي، فلا بدَّ من الإحالة إلى الشرح الرياضي للامساواة كرمز منحوت في المعادلات الرياضية. وهي تعني:

–       إذا تعلق الأمر بعددين، فهي تعني أن أحدهما أكبر من الثاني، وتُكتَب: > y أو < x.

–       إذا تعلق الأمر بمجموعتين، فهي تعني أن عناصرهما ليست جميعًا متشابهة وأن المجموعتين مختلفتان، وترمَّز على النحو التالي: A ≠ B.

وهذه الرموز لا تدلِّل على مفاهيم تتعلق بالدونية أو بالتفوق. لذلك لا يجوز أن يؤوَّل عدم المساواة بين مجموعتين بشريتين بتفوق مجموعة وبدونية مجموعة أخرى؛ إذ يجب أن تُفهَم اللامساواة على أنها اختلاف وتنوع لكي نتمكن حينئذٍ من فهم المساواة بما هي تعبير عن امتلاك عناصر المجموعتين غير المتشابهتين لقيمة واحدة. وبالتالي، إذا كانت مجموعة إثنية أكبر عددًا من مجموعة إثنية أخرى، فإن ذلك لا يسوغ لها أن تنظر إلى المجموعة الإثنية الأصغر عددًا نظرة فوقية، لأن هذه النظرة تفتقر إلى السند المعرفي الموضوعي. فلا يجوز أن نصف الكُرْد والأرمن، مثلاً، في المناطق الجغرافية التي يوجدون فيها، بأنهم “أقلية”، وبما أنهم “أقلية”، لا يحق لهم التساوي مع الأكثرية في التمتع بمزايا الحق السياسية والثقافية والاقتصادية إلخ، ويجوز قمعهم بآلية “الديموقراطية الشعبية” وحكم الأغلبية الساحقة، وذلك لأن ديموقراطية الأغلبية هي الصورة الأكثر تجسيدًا لمفاهيم التوتاليتارية والهيمنة الأحادية وقمع صوت الآخر.

“الأكثرية” كلمة استبدادية، مثلما أن “الأقلية” تسمية اضطهادية، أكثر منهما تعيُّنان واقعيان. فوصف مجموعة إثنية بكونها “أقلية” هو، في اختصار، نزع الصفة الإنسانية عن هذه المجموعة واضطهاد إنساني أساسه التصنيف الرقمي المشوِّه. لذلك يجب إلغاء هذه الصفة الاضطهادية عن المجموعات البشرية المحرومة من حقِّها في الوجود داخل ماهيتها وخصوصيتها، كخطوة إنسانية ثقافية أولى لحلِّ مشكلة هذه المجموعات. ومطالبتي بإلغاء هذه الصفة هي دعوة إلى يقظة الوعي ودفعه إلى الانفتاح على ثقافة الآخر، بما هو لامتساوٍ معي بالمعنى الرياضي، ومتساوٍ معي في القيمة، بالمعنى الرياضي أيضًا. وبهذه الطريقة، نمهِّد السبيل للخطوات اللاحقة التي ستجد نفسها تتدفق في سلاسة نتيجة التمهيد الثقافي لها. وهكذا نكون قد حققنا تقريظ الآخر داخل وعينا.

***

عندما يكون هناك تقارب بين المكوِّنات التي تؤلِّف التركيبة الاجتماعية لدولة ما، فإن إمكانية إنشاء أمَّة بالإرادة المشتركة تصبح قريبة إلى التحقق. لكن عندما لا تشكِّل هذه التركيبة كتلةً ثقافية متجانسة، فتتضمن عدة إثنيات وعدة لغات وأديان وطبقات متفاوتة، فإن الحلول التي تُطرَح في الأفق تُختصَر في أمرين:

1.  إما أن تهيمن طبقةٌ محددة على السلطة والدولة، فتدمج الشعب والعرق والأمَّة في قالب واحد بالإكراه والعنف العسكري والسرطان الأمني والمخابراتي، فيسود القمع كغطاء تُنضَّد تحته جميعُ الاختلافات والفوارق وتتخلف البلاد؛

2.  وإما أن تُطرَح الفدرالية كضمان سياسي ووجودي يطمئن إليه المواطن، بما أن الديموقراطية الشعبية لا تتعيَّن إلا في صيغة سياسية مراوغة لا يثق بها أحد.

وكما تنبأ ألكسي دُه توكفيل في كتابه الديموقراطية في أمريكا (1835) بأن شعبين متعارضين سيقتسمان مستقبل العالم، هما الشعب الروسي والشعب الأمريكي، فإن إرنست رينان في بحثه ما هي الأمة؟ تنبأ هو الآخر بنهاية الأمم وزوالها وبالكونفدرالية، فكتب في العام 1882 بأن الكونفدرالية الأوروبية ستحل محلَّ الأمم الأوروبية التي ستزول – هذه النبوءة التي نجد صيغتها الملموسة ونعايشها في الاتحاد الأوروبي الذي هو في اختصار نظام كونفدرالي، تلتزم الدولُ الأعضاء فيه بالتنازل عن بعض جوانب سيادتها.

لكن الشعوب المحرومة من تعيُّنها الماهوي عادت ترفض الاضطهاد والانصهار في جماعات أكبر عددًا أو الاندماج في المجتمعات التي توجد فيها – والدمج كان أحد الحلول المطروحة على يهود أوروبا لحلِّهم في المجتمعات التي كانوا موجودين فيها، قبل أن تُحَلَّ مشكلتُهم بـ”أرض الميعاد” – وهي فكرة يستخدمها كثيرًا المثقفون العرب (طيب تيزيني نموذجًا)، وبعض المثقفين الترك أيضًا، لحلِّ قضية الكُرْد في مجتمعاتهم. طبعًا الدمج يمكن تجسيده فكريًّا بالنشيد التالي:

يحق لك أن تتعلَّم، لكنْ بلغتي؛

يحق لك أن تتعيَّن في هوية، لكنْ في هويتي؛

يحق لك أن تنشد نشيدًا وطنيًّا، لكنه نشيدي؛

يحق لك أن تمتلك، على غراري، ما أملك، لكنْ بشرط أن تتحول إلى وعاء فارغ وتمتلئ بي –

وهكذا تكون متساويًا معي في حقِّك في الوجود.

الدمج، حكمًا، لا يعني الصهر، أي لا يعني صهر مختلفَين في كلٍّ يشملهما، بل يعني إلغاء أحدهما في الآخر، وبالتالي العودة إلى مفاهيم التفوق العنصري.

وبما أن الديموقراطية الاقتراعية، المستندة إلى التصنيف العددي، هي عودة أخرى إلى التوتاليتارية، فإن الفدرالية هي الصيغة الأكثر إنصافًا لاستعادة الهدوء والعودة إلى العقل في التعامل والتواصل مع الآخر، لا إلى منطق العضلة المتعفنة بالحقد والكراهية. إن الفدرالية، وليس الأمَّة، هي التوليفة الأكثر عقلانية لتحقيق الانسجام بين الهويات المختلفة.

والتجربة التاريخية أكدت ذلك: فلا يمكن أن توجد الهند من دون التعيُّن الفدرالي، لأن الفدرالية، كما يعرِّف بها الجغرافي روبنسون، هي “الصيغة الأكثر تعبيرًا جغرافيًّا عن مختلف النظم السياسية”[19]. فوجود 1652 لغة من اللغات الأم وعشرات الأديان لا يمكن أن تجد تحققها إلا في نظام يتضمن 22 ولاية، هي سمة التنوع الثقافي الذي تحققه الهند. وفي المقابل، فإن انفصال بنغلادش عن الپاكستان في العام 1971 قوبل بتأييد دولي، لأن سياسة پاكستان كانت تغذي عوامل التفكك. وإذا كانت الصين مستثناة من ذلك، فإن التهديدَ التايواني بالانفصال والتصعيدَ الصيني يؤشران بتكرار السيناريو الپاكستاني (كذلك يجب ألا ننسى الوضع في التيبت).

إن الفدرالية، بما هي فرصة لتحقيق التنوع الخلاق، و”مديح للاختلاف” (جاكار)، تفتح الطريق للتقدم نحو البيئة الأثرى والإنسان الأكثر إنسانية. وهذا هو جوهر ما قدَّمه رينان في نظريته عن الأمَّة، باعتباره أن الإنسان هو الأساس؛ وهذا هو أيضًا الجوهر الذي ألحَّ عليه، باعتبار الإنسان أساس كلِّ منطلق.

——

[1] روبرت بلانشه، المعقولية في العلم الحديث، بترجمة عادل العوا، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1981؛ ص 113.

[2] لوك كولنز، “الدم”، بترجمة إيهاب عبد الرحيم محمد، مجلة الثقافة العالمية، العدد 120، الكويت، سپتمبر 2003.

[3] ألبير جاكار، مديح الاختلاف، بترجمة إلياس حسن، دار الحصاد للنشر، دمشق 2000؛ ص 92.

[4] نفس المصدر السابق، ص 93.

[5] سيد قطب، معالم في الطريق، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الشرعية العاشرة، قم 1983.

[6] سلفادور لوريا، الحياة تجربة غير مكتملة، بترجمة محمد حسن إبراهيم، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1994؛ ص 151.

[7] راجع: فرانز فانون، معذبو الأرض، بترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي، دار الطليعة، بيروت 1963؛ ص 49.

[8] پيتر تيلور وكولن فلنت، الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر، بترجمة عبد السلام رضوان وإسحق عبيد، سلسلة “عالم المعرفة”، العدد 282، الكويت، يونيو 2002؛ ص 291.

[9] إرنست رينان، “ما هي الأمة؟”، بترجمة حسن شامي، مجلة نزوى، العدد 34، أبريل 2003.

[10] ليوپولد مارمورا، الأمة والأممية، بترجمة ميشيل كيلو، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1996؛ ص 46.

[11] نفس المرجع السابق، ص 37-38.

[12] نفس المرجع السابق، ص 39.

[13] نفس المرجع السابق، ص 44.

[14] نفس المرجع السابق، ص 96.

[15] نفس المرجع السابق، ص 222.

[16] هربرت ماركوزي، الإنسان ذو البعد الواحد، بترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت 1973.

[17] معذبو الأرض، مصدر ذُكِرَ سابقًا، ص 152.

[18] راجع بهذا الصدد: جاكلين لاغريه، الدين الطبيعي، بترجمة منصور القاضي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت 1993.

[19] الجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر، مصدر ذُكِرَ سابقًا، ص 287.

Print Friendly
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان and tagged , , . Bookmark the permalink.