في الطريق إلى الرئاسة – 3

هل سيؤثر الحكم على مبارك على انتخابات الرئاسة؟

أشرف راضي

يسود إحساس عام بين المصريين بأن ثمة علاقة بين الأحكام التي صدرت يوم السبت (2 يونيو 2012)، في محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك ونجليه، ووزير الداخلية حبيب العادلي وستة من مساعديه، والتي عرفت إعلامياً باسم “محاكمة القرن”، وبين الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة، والتي تحتدم فيها المنافسة بين محمد مرسي، مرشح حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وبين المرشح المستقل أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد مبارك. وهو إحساس يعكس عن حالة مزاجية وذهنية سائدة بين المصريين، هناك من يسعى لاستغلالها للتأثير على نتائج الجولة الثانية لانتخابات أو للالتفاف على ما أسفرت عنه الجولة الأولى من نتائج.

وفور نطق المستشار أحمد رفعت، رئيس محكمة شمال القاهرة بالأحكام، هتفت حشود تجمعت عند المحكمة “الشعب يريد تطهير القضاء”، واندلعت اشتباكات أمام مقر المحكمة بين أنصار مبارك الذين عارضوا الحكم وأعلنوا سحب تأييدهم لأحمد شفيق. وبعد ساعات قليلة رشق متظاهرون مبنى دار القضاء العالي بوسط القاهرة بالحجارة وحطموا نوافذه، واحتشد مئات الألوف في ميدان التحرير وفي ساحات مختلفة في عدة مدن مصرية احتجاجاً على الأحكام. وأحرقت صور مرشح الرئاسة أحمد شفيق، وتعرض مقران انتخابيان آخران من مقراته في بني سويف والفيوم للهجوم.

وبغض النظر عن شكوك المصريين وفقدان الثقة في استقلالية القضاء ونزاهته، وهي قضية تحتاج إلى معالجة في إطار عملية جدية لإصلاح القضاء ضمن خطة للإصلاح الشامل، من المتوقع أن تثير أي أحكام تصدر في محاكمة الرئيس المخلوع ورموز نظامه انقسامات وردود فعل متفاوتة تعكس الانقسامات المصاحبة لعملية صعبة للانتقال السياسي في مصر. لكن يجب التمييز بين ردود الفعل المتوقعة نظراً للطابع السياسي للمحاكمة وللقضايا والاتهامات التي تشملها والاهتمام الكبير الذي تحظى به من قبل الرأي العام المحلي والعالمي، وبين ردود الفعل التي تسعى لتوظيف الأحكام التي صدرت قبل أقل من أسبوعين من الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة واستغلال ما أثارته من ردود فعل.

وتكشف المناقشات الدائرة أن كثيرا من المصريين يعتقدون أن توقيت النطق بالحكم والأحكام الصادرة لم تكن مصادفة، وإنما قصد منها التأثير على سير الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة وحسمها لصالح المرشح الذي يجري تصويره على أنه مرشح المجلس الأعلى للقوات المسلحة، المجلس العسكري الذي يدير شؤون البلاد منذ تنحي مبارك، على الأقل بسبب خلفيته العسكرية. وفي رأي هذا الفريق وهو الفريق الغالب في مجتمع تنتشر فيه نظريات المؤامرة وتتحكم النظرة التآمرية في رؤيته وتقديره للتطورات والتفاعلات، أن كل شيء مدبر ليؤدي إلى نتيجة محددة سلفاً..

وليس هذا غريباً على مجتمع ونخبة أدمنا مشاهدة مسلسلات الدراما التلفزيونية. ففي عالم الدراما والمسرح، يجري ترتيب الأحداث لتؤدي إلى نتيجة محددة. ولكن شتان بين الواقع وتفاعلاته المعقدة التي لا تسير وفق نموذج محدد والتي كثيرا ما يصعب التنبؤ بما ستؤدي إليه، وهذه هي معضلة العلوم الاجتماعية، وبين عالم المسرح والدراما التي تسير فيه الأحداث على هوى الكاتب ورؤيته. المشكلة تزداد حدة في الأعمال الدرامية التي تتناول حوادث تاريخية، ورغم إلحاح النقاد على أن تدخل كاتب السيناريو أو العمل الأدبي ليصوغ حبكتها الدرامية، إلا أن الجمهور يميل إلى خلط الدراما بالواقع، وينظر إلى الحوادث اليومية في قالب درامي.

ولهذا المدخل علاقة وثيقة بالإجابة على السؤال الذي يطرحه المقال، ويتأسس عليه التمييز بين ردود الفعل التلقائية على الأحكام وبين ردود الفعل المغرضة التي تسعى لاستغلالها وتوظيفها بما يحقق لأصحابها أهدافهم. ونسعى هنا إلى تحدي الرأي السائد لدى المصريين بتحليل المواقف المختلفة وردود الفعل المتباينة، ووضعهما في السياق العام للأحداث وتطورها بهدف تقييم مدى تأثير هذه الأحكام على نتائج الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة، ومدى تأثيرها على التطورات في مصر بعد الانتخابات، والسيناريوهات المختلفة لهذه التطورات. ولعل نقطة الانطلاق المناسبة لهذا التحليل هي نتائج الجولة الأولى وما كشفت عنه من مواقف واتجاهات.          

كشفت نتائج الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة ثلاث مواقف متباينة تعكس تباين المستويات الصادرة عنها. هذه المستويات هي نتاج لما أفرزته ثورة 25 يناير من قوى وما أحدثته من تحولات سياسية واجتماعية وثقافية في المجتمع المصري، لم يدرك بعد مدى عمقها ولا مدى التغيير الذي أحدثته على المستويين الثقافي والاجتماعي، ولا على مستوى العلاقة بين المجتمع والدولة.  

أفرزت ثورة 25 يناير جماعة سياسية حديثة العهد بهذا النمط من العملية السياسية التنافسية القائمة على تعدد مراكز القوى وتنوع مصادر السلطة. وجمهور ناخبين لا يزال يخطو خطواته الأولى في ممارسة حقوقه على نحو مؤثر لم يألفه من قبل، مما يولد لديهم قدراً من الحيرة مصدره إحساس بأنه باتوا يتحملون مسؤولية جسيمة لم يكن لهم سابق عهد بها وباتوا يدركون صدق شعار “صوتك يفرق”. وفي المقابل، لم يمتلك هذا الجمهور بعد الأدوات التي تعينه على الاختيار السليم.

وأحدثت الثورة أيضاً تغييراً على مستوى الدولة وجهازها البيروقراطي لم يدركه بشكل كامل بعد القائمون على إدارة المرحلة الانتقالية، الذين يسيطرون على القدر الأعظم من الموارد السياسية والإستراتيجية، سمح لهم بالتحكم في وضع ملامح وإدارة التفاعلات السياسية منذ الإطاحة بمبارك. ويحاولون إدارة التحول السياسي بما يسمح لهم،  بقدر الإمكان، بالاحتفاظ بالموارد وبالموقع الأكثر تأثيرا على التفاعلات السياسية على نحو يضمن استقرار  الترتيبات والعلاقات الداخلية والخارجية للدولة.

والتفاعل بين الدائرتين، الجماعة السياسية وجمهور الناخبين من جهة والدولة وجهازها البيروقراطي والقائمون على إدارتها من جهة ثانية، كان المحرك الرئيسي للتطورات والأحداث منذ 11 فبراير 2011. والتناقض الرئيسي الذي حكم هذا التفاعل هو التناقض بين قوى الثورة المدنية الديمقراطية التي انطلقت في 25 يناير والساعية للتغيير وبين كل من القوى الساعية للحفاظ على النظام القديم (الفلول) والقوى المحافظة التي تعبر عنها قوى الإسلام السياسي وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين، واللذين يشكلان معاً قوى الثورة المضادة، والتحالف بينهما أو تقاطع مصالحهما، في مواجهة قوى الثورة ولمنع التطور المدني الديمقراطي في مصر، يتحملان الجزء الأكبر من المسؤولية عما آلت إليه الأمور في مصر.     

 ورغم الاحتجاجات واسعة النطاق على تبرئة علاء وجمال مبارك نجلي الرئيس المخلوع ومساعدي وزير الداخلية الستة، لم تُحدِث الأحكام الصادرة ضد مبارك والعادلي تغيراً كبيراً في المواقف المختلفة التي برزت بعد إعلان نتائج الجولة الأولى والتي تتمثل في ثلاثة مواقف تلتف حولها الجماعات والقوى المتصارعة على السلطة في مصر، وهي:-

قوى الثورة التي انقسمت في الجولة، بين المرشحين البارزين اللذين يمثلان البديل الثالث للفلول والإخوان – حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح – ومثل المرشح المستقل عمرو موسى بديلا لهذه الثنائية بدرجة أقل. ومن المؤكد أن نتائج الجولة الأولى لم ترضي بعض المرشحين الخاسرين و سببت إحباطاً كبيراً في أوساط مؤيديهم. وحاولت هذه الجماعة الالتفاف على نتائج الجولة الأولى أو احتوائها عبر سلسلة من المبادرات والاقتراحات، وينطوي بعض هذه المبادرات والاقتراحات على نزعة للانقلاب على قواعد اللعبة التي قبلوها بخوضهم الانتخابات والمشاركة فيها.

ومواقف هذا المعسكر من الجولة الثانية منقسمة، مثلما كانت في الجولة الأولى. فهناك من أعلن تأييده مباشرة لمرسي مرشح حزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين، لاسيما من حملة أبو الفتوح وبعض الجماعات اليسارية وقليل من قيادات الحركات الشبابية التي أعلنت انحيازها مبكراً للإخوان المسلمين. والجزء الأكبر من الحركات الثورية يتبنى بديل المقاطعة السلبية (عدم التصويت) أو المقاطعة الإيجابية (الذهاب للتصويت وإبطال الصوت) تعبيراً عن رفضهم لنتائج الجولة الأولى وللمرشحين اللذين سيخوضان انتخابات الإعادة. وهناك من يفكر في تأييد شفيق، لإدراكهم ما قد يمثله استحواذ الإخوان المسلمين على السلطة من مخاطر على مصر.

وكان هذا المعسكر في طليعة المحتجين على الأحكام الصادرة في محاكمة مبارك، واستغل هذه الأحكام في محاولة كسب تأييد أكبر لمبادرات اقترحوها، مثل تنازل مرسي أو تنازل شفيق لصالح صباحي الذي جاء في الترتيب الثالث على أساس أنه الأقدر على حشد تأييد أكبر في مواجهة المرشحين معاً، أو دعوة المرشحين إلى الانسحاب من الجولة الثانية وتشكيل مجلس رئاسي لإدارة البلاد إلى أن يتم وضع دستور جديد. أو وضع شروط على المرشحين وأخذ ضمانات مقابل التأييد. 

الموقف الثاني هو موقف القوى الإسلامية التي تلتف حول مرسي مرشح الإخوان والتي تسعى منذ إعلان نتائج الجولة الأولى إلى الترويج إلى أن انتصار مرشحهم هو انتصار للثورة وركزت حملتها للجولة الثانية على استغلال رفض قوى الثورة لشفيق وحشدهم ضده وإدارة حملة كراهية ضد منافسهم. وسعوا لاستغلال محاكمة مبارك، حتى قبل النطق بالحكم. وفي انتهاك صريح لمبدأ استقلالية القضاء وعلى نحو يضيف إلى المخاطر التي ينطوي عليها وصول مرشحهم للسلطة، قال مرسي عشية المحاكمة إن سيسعي كرئيس لمصر لضمان بقاء مبارك في السجن مدى الحياة.

ولم يغير صدور الحكم موقف الجماعة والمتحالفين معها. فقد رفض محمود حسين الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين فكرة تشكيل مجلس رئاسي مدني لإدارة شئون البلاد لاستحالة تطبيقها علي أرض الواقع، مؤكداً أن الحل البديل يكمن في تضامن القوي السياسية وراء مرسي علي أن يشكل مرسي مجلس رئاسي بعد نجاحه. وهو ما تطرحه علي القوي السياسية من خلال اختيار نائبين لمرسي لا ينتميان للجماعة وتشكيل حكومة ائتلافية لا يشترط أن يكون رئيسها من الإخوان. وكرر حسين دعوته للتعاون لإسقاط فلول النظام والتحذير من القضاء على  الثورة في حالة نجاح مرشحهم.

الموقف الثالث، هو موقف القوى التي ساندت شفيق في الجولة الأولى وتقف وراءه في جولة الإعادة والذي أعلن مرشحهم احترام القانون وتعزيز استقلال القضاء وتأكيد إصراره على قبول كل حكم قضائي. وسارع إلى إصدار بيان عن حملته الانتخابية بعد صدور الأحكام أكد فيه أن الحكم ضد مبارك درس لأي رئيس قادم للدولة وأنه “لم يعد أي شخص في مصر فوق أي حساب ومساءلة.”

وعقد مؤتمراُ صحفيا صباح اليوم التالي لصدور الأحكام هاجم فيه الإخوان مرشحهم، محذراُ من المخاطر التي ينطوي عليها فوز مرشحهم على الدولة المدنية وعلى استقرار علاقات مصر الداخلية والخارجية وشكك في التزامهم بما يقدمونه من وعود لمختلفة القوى في مصر. وأعلن تأييده الكامل للمبادرة التي تعرف “بوثيقة العهد” وغيرها من مبادرات تدعو للحفاظ على الدولة المدنية الحديثة والمواطنة كأساس ودعا إلى مزيد من النقاش لما تتضمنه هذه الوثائق من مبادئ أشار إلى أن مكانها هو اللجنة التأسيسية للدستور.

وبتحليل المواقف، يمكن القول بأن الأحكام لم تحدث تغييراً كبيراً في مواقف القوى السياسية ومن غير المتوقع أن يكون لها تأثير كبير على نتيجة الجولة الثانية. فرغم محاولات الإخوان ومرشحهم الإيحاء بأن الأحكام تعمل لصالحهم وأن القوى التي خرجت للاحتجاج عليها رصيد انتخابي لمرشحهم، إلا أن خطابهم ومواقفهم أعادت أذهان قطاع كبير من الثوريين صورتهم وهم يسعون لركوب الموجة وسرقة الثورة منهم. في المقابل، فإن شفيق تحرك بسرعة للتجاوب مع التطورات وسعى لكسب تأييد قطاعات أكبر.     

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in اشرف راضي and tagged , . Bookmark the permalink.