الغُنُوصيَّة: الفلسَفة والوَحي

إدوارد مور 

الغُنُوصيَّة (من “غنوص” gnōsis، الكلمة اليونانية التي تعني “معرفة” أو “بصيرة”) هي تسمية أُطلِقَتْ على حركة دينية وفلسفية سائبةِ التنظيم ازدهرتْ في القرنين الأول والثاني للميلاد. ولا يمكن تعقُّب الأصل أو الأصول الدقيقة لتلك المدرسة، على الرغم من إمكانية تتبُّع مؤثراتها أو مصادرها بالعودة إلى الماضي حتى القرنين الأول والثاني ق م، مثل المقالات المبكرة للـCorpus Hermeticum [“المجموعة الهرمسية”]، والكتابات العبرية الرؤيوية – وخاصة الفلسفة الأفلاطونية والكتب اليهودية المقدسة نفسها. وعلى الرغم من الطبيعة المتنوعة لمختلف الفِرَق والمعلِّمين الغنوصيين، فإن عناصر أساسية معيَّنة تجيز لنا تصنيفَ تلك الفِرَق في خانة “الغنوصية” أو “الغنوص”.

والعنصر الرئيسي بين العناصر السابقة هو طريقة محدَّدة لـ”رفضٍ للعالم مضادٍّ للكون” مرارًا ما التبستْ بمجرَّد الثنوية. فهذا العالم – الكون المادي – وفقًا للغنوصيين، هو نتيجة لخطأ أصلي من جانب الكائن فوق الكوني، السامي الألوهية، الذي عادة ما يُطلَق عليه اسمُ صوفيا (الحكمة) أو في بساطة “الكلمة” Logos. هذا الكائن يوصف باعتباره الفيض الأخير لتراتبية إلهية، تُدعى “الملأ الأعلى” Plērōma أو “الكمال”، على رأسها يقيم الإلهُ الأسمى، الواحد المتعالي على الوجود. خطأ صوفيا – الذي يوصف كرغبة طائشة في معرفة الإله المتعالي – أدَّى إلى “أقْنَمَة” [= تحويل إلى أقنوم] رغبتها على هيئة مخلوق نصف إلهي، جاهل أساسًا، عُرِفَ بالـديميورغوس (من الإغريقية: Dēmiourgos، “الباري”)، أو يلضباؤوث Ialdabaoth، هو المسؤول عن تكوين الكون المادي. هذه الصنعة الماهرة هي في الواقع محاكاة لعالم الملأ الأعلى؛ لكن الديميورغوس يجهل ذلك ويُعلِن نفسه بكلِّ اعتداد بوصفه الإله الأوحد الموجود. عند هذه النقطة، يبدأ النقد التنقيحي الغنوصي للكتب المقدسة اليهودية، كما يبدأ الرفض العام لهذا العالم بوصفه نتاجًا للخطأ والجهل، ويبدأ افتراض وجود عالم أعلى تعود إليه النفسُ الإنسانية في المآل.

غير أن المرء ما يلبث أن يجد، بعد أن يقال كلُّ شيء ويُفعَل، أن خطأ صوفيا واستيلاد كونٍ أدنى هما حدثان يتبعان قانونًا محددًا للضرورة، وأن ما يُسمَّى ثنوية الإلهي والأرضي هو حقًّا انعكاسٌ وتعبيرٌ عن التوتر المعيِّن الذي يشكِّل كينونة الإنسانية – الكائن البشري.

1. السِّمة الفلسفية للغنوصية

الغنوصية، كنتاج فكريٍّ، تتأسَّس تأسيسًا راسخًا في الفعل الإنساني العام المتمثِّل في التفكر في الوجود. كان الغنوصيون معنيين بالأسئلة الأساسية عن الوجود أو عن “الوجود–في–العالم” Dasein، بمعنى: مَن نحن (كبشر)؟ من أين أتينا؟ إلى أين نتَّجه؟ – تاريخيًّا وروحيًّا (هانس جوناس، الدين الغنوصي، 1958، ص 334). هذه الأسئلة هي من التفكير الفلسفي في جذره؛ إلا أن الإجابات التي تقدِّمها الغنوصية على تلك الأسئلة تتخطَّى التأمل الفلسفي إلى عالم العقيدة الدينية والتصوف. من المتعذَّر، على أية حال، فهمُ معنى الغنوصية فهمًا تامًّا دون البدء من المستوى الفلسفي، والتوجُّه وفقًا لذلك. وحيث إن أيَّ توجُّه نحو ظاهرة قديمة لا بدَّ أن يتمَّ دومًا عن طريق الأفكار وعادات الذهن المعاصرة، فإن مناقشةً تأويلية للتفكير الغنوصي، بتطبيقه على علم النفس والوجودية وعلم التأويل، ليست من غير طائل هاهنا. فبمجرَّد أن نفهم، بقدر مستطاعنا، المضمون الفلسفي للأفكار الغنوصية، وكيفية ارتباطها بالقضايا الفلسفية المعاصرة، يمكن لنا حينئذٍ الدخولُ إلى البيئة التاريخية للغنوصيين بشيء من الثقة – ثقة خالية، بقدر الإمكان، من الافتراضات التفسيرية المسبقة المقحَمَة.

1.1: علم النفس

مَن نحن؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتضمن تعليلاً (الكلمة) لطبيعة النفس psukhē؛ ومحاولةُ تقديم إجابة عن هذا السؤال قد سُمِّيَتْ “علم النفس” أو ممارسته – تعليلاً للنفس أو الذهن (psukhē، في اللغة اليونانية القديمة، كانت تدل في آنٍ معًا على النفس، كمبدأ الحياة، وعلىالذهن، كمبدأ العقل). لقد ميَّز كارل يونغ – اعتمادًا على الترسيمات الغنوصية الأسطورية – الوعي الموجَّه موضوعيًّا بالجزء المادي أو “الجسدي” من الجنس البشري – أي، بحسب الغنوصيين، ذلك الجزء من الإنسان المشدودَ إلى الدورة الكونية للكون والفساد والخاضع لقيود الجَبْر والزمن (راجع: كتاب يوحنا المنحول [سِفْر المخطوطات 2] 28: 30). إن الإنسان الذي يتماهى مع العالم الموجود موضوعيًّا يؤوْل إلى بناء شخصية أو حسٍّ بـ”ذات”، فيكون، من حيث الأساس، متكلاً كليًّا على البُنى المتغيِّرة أبدًا للوجود الزمني. وما ينجم عن ذلك من انعدام أيِّ حسٍّ بالديمومة وبالاستقلالية يؤدي بمثل هذا الفرد إلى اختبار القلق بأنواعه كافة، وفي المآل، إلى الانصراف عن النماذج السرَّانية ذات المغزى الجمعي للوجود الإنساني لصالح الانكفاء على سياق ذاتي شخصي وخانق، تستهلك الحياةُ نفسَها في إطاره دون الرجوع إلى أيِّ مخطط أو نظام أوسع. والقنوط والإلحاد واليأس هي نواتج حياة كهذه.

غير أن هذه ليست هي النهاية الطبيعية للبشر؛ إذ وفقًا ليونغ (وللغنوصيين)، ليست الذات المبنية زمنيًّا هي الذات الحقيقية: الذات الحقيقيةdas Selbst هي الوعي الأسمى الموجود والمتواصل فيما يتعدى كلَّ زمان ومكان الذي أطلق عليه يونغ اسم الوعي المحض أو الذات، في تمييز قاطع له عن “وعي الأنيَّة”، الذي هو الصورة المبنية والمحافَظ عليها زمنيًّا للوجود المنفصل (راجع: ك.غ. يونغ، “الرموز الغنوصية للذات”، في يونغ الغنوصي، 1992، ص 55-92). وهذا الشكل الأخير للوعي “الدنيوي” طابَق الغنوصيون بينه وبين النفس psukhē، بينما طابَقوا بين الذات أو الوعي المحض وبين الروح pneuma – بمعنى العقل المنعتق من سياقه وقيوده الزمنية. ولقد كان لهذا التمييز دورٌ هام في الفكر الغنوصي؛ وقد أخذ به القديس بولس، بصفةٍ أخص في مذهبه في القيامة الروحية (الرسالة الأولى إلى الكورنثيين 15: 44). والأساس النفساني أو التجريبي لهذا الرأي، الذي سرعان ما يتحول إلى موقف ميتافيزيقي أو أونطوثيولوجي [وجودي–لاهوتي]، هو الإقرار بعجز العقل البشري عن تحقيق مساعيه العظمى مادام خاضعًا للقانون وللنظام الصارم لكوسموس لامبالٍ ومتعالٍ. إن التمييز بين الروح والنفس (الذي يُترجَم إلى التمييز الأكثر أساسية بين العقل والجسم، وربما يحتِّم هذا التمييز أصلاً) يعيِّن بداية موقف مُسْتَعْلٍ ومخلِّصي تجاه الكوسموس والوجود الزمني بصفة عامة.

2.1: الوجودية

تتضمن الخبرة الأساسية للوجود التي وصفتْها الفلسفةُ التي تُعْرَف الآن بـ”الوجودية” شعورًا عامًّا بالعزلة والهَجْر Geworfenheit، أي “الانقذاف” في/إلى عالم لا ينصاع لرغبات الإنسان الأصلية (راجع: جوناس، ص 336). إن الاعتراف بأن رغبة الإنسان الأولى أو الأولية هي في تحقيق أو ترسيخ ذات أو “أنا” عيانية (فرد مستقلٍّ ومنفصل موجود ومستمر وسط فيض “الواقع” الزمني والخارجي وجريانه) يؤدي إلى إدراكٍ مزعج بأن العالم ليس متجانسًا مع الكائن البشري؛ إذ إن هذا العالم (على ما يبدو) يتبع مسلكه الخاص – المسلك المخطَّط له والمحرَّك مسبقًا قبل مجيء الوعي البشري بوقت طويل. لا بل إن النشاط الأساسي للإنسان – أي تحقيق ذات مستقلة ضمن العالم – يُنفَّذ على تضادٍّ مع سلطان أو “إرادة” (قوة الطبيعة) يبدو وكأنها تُحبِطُ هذا المسعى الإنساني بامتياز أو تُفسِده على الدوام، بما يقود إلى الإقرار بوجود قدرة مضادة للإنسان، وبالتالي مضادة للعقل؛ وهذه القدرة، بما أنها فاعلة على ما يبدو، موجودة حتمًا. غير أن حقيقة أن فعل تلك القدرة لا يتجلَّى كاتصال بين الإنسانية والطبيعة (أو الموضوعية المحضة)، بل بالحري كسيرورة ميكانيكية للضرورة العمياء، في معزل عن المسعى البشري، تضع الكائن الإنساني في مقام أعلى. إذ على الرغم من أن قوة الطبيعة قد تمحق موجودًا فرديًّا بشريًّا ما محقًا اعتباطيًّا بالسهولة ذاتها التي توجِده بها، فإن هذه القوة الطبيعية ليست واعية بنشاطها. أما العقل البشري، فهو على العكس، واعٍ بما يفعل. وبهذا تحدث فجوةٌ أو صَدْع – كنتاج للانعكاس – قد يتمكَّن الإنسانُ من خلاله أن يوجِّه نفسه، لبرهة وجيزة، مع ونحو العالم الذي يوجد فيه ويستمر. وقد وصف مارتن هيدغِّر تلك البرهة الوجيزة من التوجُّه مع العالم وفيه (نحوه) بوصفها “رعاية” Sorge، هي دومًا رعاية واهتمام بـ”اللحظة” Augenblick التي يحدث فيها كلُّ وجود. وهذه “الرعاية” [“الإنسان هو راعي الوجود”] تُفهَم بوصفها نتاجًا لإقرار الإنسانية بحتميةكينونتها نحو الموت. لكن هذا التوجُّه لا يكتمل أبدًا، من حيث إن النفس البشرية تكتشف أنها لا تستطيع تحقيق غايتها أو تحقُّقها التام ضمن الحدود التي وضعتْها الطبيعة. وفي حين أن الضرورة المقيِّدة للطبيعة هي حقيقة بسيطة غير قابلة للشكِّ في نَظَر الوجودي، فإنها، عند الغنوصيين، نتاجٌ لمخطَّطات خبيثة من وَضْع إله أدنى، هو الديميورغوس، تمَّ تنفيذُها عبر قانون هذا الإله الجاهل وبه. بعبارة أخرى، فإن الطبيعة، في نَظَر الوجودية الحديثة، لامبالية فقط، في حين أنها كانت عند الغنوصيين معادية بالفعل للمسعى الإنساني: “إن القانون الكوني، الذي كان معبودًا ذات مرة كتعبير عن عقل يمكن لعقل الإنسان أن يتواصل معه في فعل التعرُّف، لا يُرى في حالتنا هذه إلا في مظهره القسري الذي يُجهِض حرية الإنسان.” (جوناس، ص 328). وبذلك يؤول الزمن والتاريخ إلى فهمهما كمنشأ للعقل البشري على الضدِّ من مفاهيم مثالية عبثية من نحو القانون nomos والنظام cosmos. المعرفة، من هذا المنطلق، تصير مسعى عيانيًّا – مهمة مخلِّصة للنفس يكلَّف بها الجنسُ البشري.

والذات، إذ تعي نفسها، تكتشف كذلك أنها ليست ملكًا لنفسها حقًّا، بل هي بالحري أشبه ما تكون بالمنفِّذ اللاإرادي لمخطَّطات كونية. والمعرفة (الغنوص) قد تحرِّر الإنسان من هذه العبودية. ولكن، بما أن الكوسموس معاكِس للحياة وللروح، فإن المعرفة المُنجِيَة لا يمكن لها أن تهدف إلى الاندماج في الكلِّ الكوني وإلى الانصياع لقوانينه: “فعند الغنوصيين […] لا بدَّ لغربة الإنسان عن العالم من أن تُعمَّق وتتسنَّم ذروتَها من أجل استخلاص الذات الباطنة التي لا يمكن لها أن تفوز بنفسها إلا على هذا النحو.” (جوناس، ص 329)

إذ ذاك يصير السؤال البيِّن “من أين جئنا؟” أكثر معقولية في محاذاة وضمن السؤال الأكثر دينامية “إلى أين نمضي؟”

3.1: التأويل

في سياق التفكير الإغريقي القديم، غالبًا ما تلازمتْ كلمةُ hermēneia (تأويل) مع كلمة tekhnē (فن)، فيما عُرَف بـtekhnē hermēneutikē، أو “فن التأويل”، الذي ناقشه أرسطو في رسالته في التأويل Peri Hermēneias (باللاتينية: De Interpretatione). والتأويل، بحسب أرسطو، لا يقودنا إلى معرفة مباشرة لمعنى الأشياء، بل إلى مجرد فهمٍ للكيفية التي تؤوْل بها الأشياءُ إلى الظهور أمامنا، وبذلك يزوِّدنا بمنهاج إلى المعرفة التجريبية، إذا جاز التعبير: “علاوة على ذلك، يُعَدُّ الخطابُ تأويلاً لأن العبارة الخطابية إنما هي قبضٌ على التعبير المعنوي الحقيقي، وليست طائفة من الانطباعات المزعومة القادمة من الأشياء ذاتها.” (بول ريكور، تعارُض التأويلات، 1974، ص 4) بهذا المعنى، يجوز أن نقول إن “فنَّ التأويل” طريقةٌ تاريخية بامتياز لفهم الواقع أو للتفاهم معه. بعبارة أخرى، بما أن “تعبيرنا” هو دومًا طرح، أي خروج من الأشكال أو النماذج الجاهزة للواقع باتجاه استعمال حيٍّ لتلك النماذج مع الحياة وفيها، إذ ذاك فإننا، بوصفنا كائنات إنسانية مستمرة في عالم الصيرورة، مسؤولون، في التحليل الأخير، ليس عن الحقائق الأبدية أو “الأشياء في ذاتها”، بل فقط عن الصور التي تتخذها تلك الأشياء ضمن سياق وجودٍ حيٍّ ومفكِّر. إذن، فالمعرفة أو الفهم لا يتناولان الأشياء السرمدية والأبدية في ذاتها، بل بالحري السيرورة التي تنكشف من خلالها الأشياءُ – أي الأفكار والموضوعات والأحداث والأشخاص إلخ – ضمن السيرورة الوجودية أو الأونطولوجية للصيرورة المعرفية. فالانتباه إلى السيرورة وإلى انبثاق المعنى يحدث على المستوى الاختباري الأكثر مباشرة للوجود البشري؛ وبالتالي فهو لا يتصف بأية صفة ميتافيزيقية. غير أن ولادة الميتافيزيقا قد تتعيَّن ضمن البِنية الأصلية أو الظاهرية للخبرة الأساسية “الخام”؛ إذ إن العقل البشري مفطور على تنظيم معطياته وترتيبها بحسب مبادئ عقلانية.

بيد أن السؤال الذي سينطرح حتمًا هو عن أصل اشتقاق تلك المبادئ العقلانية: أهي نتاج مشتق من العالم الظاهري للتجربة؟ أم أنها، على نحو ما، مستوطِنة للعقل البشري بما هو كذلك، وبالتالي أزلية؟ إذا اتخذنا السؤال الأول إجابةً نصل إلى الفينومينولوجيا، التي “تكتشف، بدلاً من ذات مثالية محبوسة ضمن منظومة من المعاني، كائنًا حيًّا اتخذ منذ الأزل عالَمًا – العالمَ – أفقًا لكلِّ مقاصده” (ريكور، ص 9). وبحسب الصياغة العامة المعاصرة أو “ما بعد الحداثية”، فإن مثل هذا “الكائن الحي” مقود دائمًا وفقط، بشكل مقصود، نحو عالَم أو فلك تعددي، حيث النشاط البشري نفسه يصير الهدف الأوحد للمعرفة، في معزل عن أية مُثُل أو ترسيمات ميتافيزيقية “متعالية”. من جانب آخر، فإن الغنوصيين، الذين اشتغلوا ضمن السؤال الثاني وعليه وأعطوا عنه جوابًا إيجابيًّا – وإن يكن مشوبًا بشيء من الشاعرية الميثولوجية – يذهبون إلى أن المبادئ العقلانية، التي تبدو وكأنها مستمَدة من مجرد التَّماس مع الواقع المحسوس، تُعَدُّ تذكيرات بوجودٍ موحَّد هو إمكانية أبدية، مُتاحة لأيِّ فرد قادر على التسامي فوق عالم التجربة والسيرورة هذا – أي عالم التاريخ – لا بل على خَرْقه. وهذا “الاختراق” عبارة عن فعل موازنة النفس ضمن التاريخ وفيه، وعن توجيه النفس نحوه، بوصفه نَوَسانًا بين الماضي والحاضر، فيه يتمالك الفردُ نفسَه للأخذ بأحد خيارين: إما الخضوع لفيض وجريان وجود كوني خارج عن مركزه بالدرجة الأولى، أو الكفاح في سبيل إعادة الاندماج في الألوهة، التي يكاد ألا يستذكرها والتي هي أشد إبهامًا من الإدراكات المباشرة للواقع.

2. التلقِّي والوحي

“إلى أين نمضي؟” هذا التساؤل يقع في اللبِّ من التفسير الغنوصي؛ وهو بالفعل يلوِّن ويوجِّه سائر محاولات التوافق، ليس فقط مع العهد القديم اليهودي الذي مثَّل النصَّ الرئيسي الذي أعمل فيه الغنوصيون تأويلهم، بل مع الوجود بعامة أيضًا. إن المقترَب التأويلي المعياري، في كلا عصرنا الحالي وفي الأزمنة الهلينية المتأخرة، هو نهج التلقِّي – أي التعاطي مع نصوص من الماضي تعاطيًا يحكمُه، من جهة المؤوِّل، اعتقادٌ بأن هذه النصوص تنطوي على ما يمكن لنا أن نتعلَّمه. وسواء كنَّا نكافح من أجل تخطِّي “أحكامنا” وافتراضاتنا المسبقة، التي هي النتيجة الحتمية لانتمائنا إلى موروث معيَّن عن طريق الفعل التأويلي (غدامر)، أو كنَّا نسمح لأحكامنا المسبقة بتشكيل قراءتنا للنص، فإننا، من جراء فعل “استهتار إبداعي” (بلوم)، ما نزال نعترف، على نحو ما، بما ندين به للنصِّ الذي نتعاطى معه أو باتِّكالنا عليه. أما الغنوصيون، في قراءتهم للكتاب المقدس، فلم يعترفوا بمثل هذا الدَّيْن؛ إذ إنهم اعتقدوا بأن الكتاب العبري صُنِّف، بوحي من إله خالق أدنىdēmiourgos، مليئًا بأكاذيبٍ القصد منها تشويش عقول وأحكام البشر الروحانيين pneumatikoi الذين عزم هذا الديميورغوس على استعبادهم في هذا الكوسموس المادي. وبالفعل، بينما ينطوي منهج التلقِّي التأويلي على وجود شيء ما نتعلَّمه من النص، فإن الطريقة التي استعملها الغنوصيون (التي يمكن تسميتها منهج “الوحي”) تأسَّست على فكرة أنهم – أي الغنوصيين – تلقَّوْا وحيًا “فوق كوني”، إما على هيئة “نداء” أو رؤيا أو حتى، ربما، من خلال إعمال الجدل الفلسفي. وهذا “الوحي” كان هو معرفة (غنوص) أن الجنس البشري غريب عن هذه الدنيا وأن له “مسكنًا سماويًّا”، في “الملأ الأعلى” plērōma، حيث تصير الرغباتُ العقلانية للعقل البشري إلى إيناعها التام الكامل. انطلاقًا من هذا الاعتقاد، فإن المعرفة كلَّها مُلْك للغنوصيين أولاء، وكلُّ تأويل للنصِّ الكتابي إنما غايته تفسير الطبيعة الحقيقية للأشياء بالكشف عن أخطاء الديميورغوس وتحريفاته. وهذا المقترَب تَعامَل مع الماضي كشيء تمَّ تجاوزُه أصلاً، لكنه ما ينفك “حاضرًا” مادام بعض أفراد الجنس البشري يكابدون تحت الناموس القديم – أي ماداموا يقرأون الكتاب المقدس قراءة المتلقِّي. أما الغنوصي، مادام يحيا في الدنيا بوصفه كائنًا موجودًا، فهو، من ناحية أخرى، حاضر ومستقبل في آنٍ معًا – أي أنه يجسِّد في ذاته الديناميةَ الخلاصية لتاريخٍ على قطيعة مع قيد الماضي الاستبدادي، وَجَدَ حرية ابتكار نفسه من جديد. لقد فهم الغنوصي نفسَه بوصفه، في آنٍ معًا، في القلب من التاريخ، وفي نهايته، وفي نقطة الأوج منه؛ وهذه الفكرة أو المثال انعكس انعكاسًا قويًّا للغاية على التأويل الغنوصي القديم. فلننتقلْ الآن إلى مناقشةٍ للنتائج العيانية لهذا المنهج التأويلي.

1.2: الميثولوغوس الغنوصي

الفكرة أو المفهوم الغنوصي ليس ابن منهاج أو نظرة فلسفية إلى العالم؛ إذ إن الرؤية الغنوصية للعالم تأسَّست بالحري على حَدْس بوجود هوَّة جذرية، تبدو غير قابلة للردم، بين عالم المكابدة pathos، من جانب، وبين عالم الكينونة الحق، أي الوجود في مظهره الإيجابي والخلاق والأصيل. والمشكلة التي واجهها الغنوصيون هي كيفية تعليل مثل هذا الحدس الجذري ما قبل الفلسفي. وهذا الحدس هو “ما قبل فلسفي” لأن الخبرة الخام للوجود، في عالم مُعادٍ لأشواق الجنس البشري، يمكن لها أن تُسلِسَ ذاتها للعديد من التأويلات؛ ومحاولة التأويل قد تتخذ شكل إما “القصة” muthos أو “العقل” logos: إما مجرد ترجمة وصفية للخبرة، وإما رواية مرتَّبة عقلانيًّا لمثل هذه الخبرة، تتضمَّن شرحًا لأصولها. وقد قُيِّض للتعليل الإغريقي القديم لهذه الخبرة أن يدعوها “رهبة” أو “دهشة” أولية، يشعر بها الإنسان وهو يواجه العالم الذي ينتصب بكلِّ هذا الاستقلال عنه، ثم يضع هذه الخبرة كبداية للفلسفة (راجع: أرسطوطاليس، الميتافيزيقا، 982 ب 10-25 وأفلاطون، ثيئيطيطس، 155 د). لكن الغنوصيين رأوا هذه “الرهبة” بوصفها نتاجًا لاختلال جذري في تناغمِ عالمٍ دائم فيما يتعدى الصيرورة – أي فيما يتعدى “الصيرورة” بمعنى “المعاناة” pathos أو “ما يُكابَد“.

تتوافق “القصة” دائمًا مع الترجمة “الفورية” التي قام بها امرؤٌ كابَدَ مكابدةً مباشرة تأثيرَ حَدَثٍ ما؛ وهي دومًا تعليلٌ لشيء معروف أصلاً، وبالتالي تحمل ادِّعاءها الحقيقةَ بين طياتها، مثلما أن فورية حَدَثٍ ما تحول دون أيِّ شكٍّ أو تشكيك فيه من جانب مكابِده. أما “العقل”، من ناحية أخرى، فهو نتاج تفكُّر dianoia متأنٍّ، يحيل، من حيث حقانيَّته، ليس إلى اللحظة الفورية لـ”التقاط” الظاهرة prolēpsis، بل إلى لحظة التفكُّر التي يبلغ المرءُ في أثنائها معرفةً مفهومية للظاهرة ويكون أول مَن يعرفها بما هي كذلك – وذلكم هو “الغنوص”: البصيرة. والنتيجة المباشرة لهذا الغنوص هي الانبعاث من حسِّ الوجود كـ”مكابدة” إلى فعلية الكينونة كـ”شعور” aesthesis – أي تلقِّي الخبرة والحكم عليها عن طريق معايير عقلانية أو محض إلهية. ومثل هذه المعايير ينبع مباشرة من “العقل” logos، أو “المبدأ المنظِّم” الإلهي، الذي اعتقد الغنوصيون أنهم متصلون به عن طريق النَّسَب الإلهي.

وعلى الرغم من أن الأونطوثيولوجيا (علم اللاهوت الوجودي) الغنوصي تنبسط عن طريق أسطورة متقنة السَّبك، فإنها أسطورة يُخبِر عنها “العقل” دومًا؛ فهي، إذن، بهذه المثابة، “ميثولوجيا” حقيقية – أي أنها رواية، عِبْرَ آنيَّة اللغة، لما هو حاضر أبدًا (عند الغنوصي) كنتاج لتفكُّر ممتاز.

1.1.2: أسطورة صوفيا

نحن الإنسانية، بحسب الميثولوجيا الغنوصية (عمومًا)، موجودون في هذه الدنيا لأن إحدى أفراد الألوهة المتعالية، صوفيا (الحكمة)، رغبت في تحقيق كمونها الفطري للإبداع من دون إذْنٍ من شريكها أو زوجها الإلهي. وكبرياؤها، في هذا الصدد، كان بمثابة مادة خام، ورغبتُها (التي توجَّهتْ إلى الآب السرِّي المبهم) تجلَّتْ بوصفها يلضباؤوث، الديميورغوس – مبدأ الكون والفساد المرتد ذاك، الذي عِبْرَ ضرورته الجبرية، يَهَبُ الكائناتِ جميعًا الحياة، للحظة وجيزة، ثم يقضي عليها بالموت إلى الأبد. غير أنه بما أن “الملأ الأعلى” ذاته، بحسب الغنوصيين، ليس مستثنى من الرغبة أو الهوى، لا مندوحة من تدخُّل حَدَثٍ خلاصي أو مخلِّص – أي المسيح، الكلمة، “الرسول”، إلخ – ينزل إلى العالم المادي من أجل إبطال الأهواء كافة والارتقاء بـ”الشرارات” الإنسانية البريئة (التي سقطت من صوفيا) إلى مرتبة الملأ الأعلى (راجع: كتاب يوحنا المنحول [سفر المخطوطات 2] 9: 25-25: 14 وما بعدها). وإن سيرورة الاندماج من جديد هذه مع الألوهة وفيها هي واحدة من المعالم الأساسية للأسطورة الغنوصية. والهدف من هذا الاندماج (ضمنًا) هو تأسيس سلسلة من الموجودات متأخِّرة أونطولوجيًّا عن صوفيا، وهي التجسيد العياني لرغبتها “المُصدِّعة” – ضمن الحلبة الموحَّدة للملأ الأعلى. فبالفعل، إذا كان الملأ الأعلى حقًّا هو الامتلاء، الحاوي على الأشياء كلِّها، فلا بدَّ أن يحتوي المبادئ العديدة لتوق الحكمة. بهذا المعنى يجب ألا ننظر إلى الخلاص الغنوصي كقضية وحيدة الجانب وحسب: فـ”الشرارات” الإلهية التي سقطت من صوفيا، في أثناء “آلامها”، هي مظاهر غير مندمجة بعدُ للألوهة. في وسعنا القول، إذن، أن الإله الغنوصي الأسمى يسعى أبدًا، بالمعنى الهيغلي، إلى تحقُّقه الخاص عن طريق الوعي الذاتي الكامل (راجع: غ.ف.ف. هيغل، تاريخ الفلسفة، الجزء 2، ص 396-399). لكن الأمر ليس بهذه البساطة فعلاً: فإله الغنوصيين الأسمى يلد الملأ الأعلى من غير جهد؛ ومع ذلك (أو ربما لهذا السبب!) يتفق لهذا الملأ الأعلى أن يسلك في استقلالية عن الآب – وهذا لأن جميع أفراد الملأ الأعلى(المعروفين بالأيونات Aeons) هم أنفسهم “جذور وينابيع وآباء” (الرسالة المثلثة، 68: 10)، يحملون الزمن في أنفسهم كشرط من شروط كينونتهم. حين أزعج الاختلال الذي نجم عن رغبة صوفيا الملأ الأعلى، لم يُفهَم هذا الأمر كاختلال لوحدة مسبَّقة الرسوخ، ولكن بالحري كاختلالٍ لركود لا يطاق، قُيِّض له أن يُحتَفى به بوصفه إلهيًّا. وبالفعل، عندما نظر الإغريق إلى السماء للمرة الأولى وأُعجِبوا بانتظام دوران النجوم والكواكب، فإن ما أُعجِبوا به – بحسب الغنوصيين – ليس صورة الألوهة، بل صورةٌ أو تمثيلٌ لركود “إلهي”، لقانون ونظام خَنَقا الحرية، التي هي أصل الرغبة (راجع: جوناس، ص 260-261). إن آلام صوفيا – إنتاجها للديميورغوس، استعباده لـ”الشرارات” الإنسانية في الكوسموس المادي، الفداء والتجديد اللاحقين – ليست إلا فصلاً عرضيًّا في الدراما المتفتِّح اللانهائي للوجود الأرضي. ونحن، بوصفنا بشرًا، اتَّفق لنا أن نكون الضحايا غير المقصودين لهذا الدراما. وإذا كان خلاصنا، كما يذهب الغنوصيون، عبارة عن صيرورتنا آلهة (بويماندرس، 26) أو “سادة على الخلق وعلى كلِّ فساد” (فالنتينوس، المقطع و، ليتون)، كيف نكون واثقين من أنه، في أزمنة قادمة، لن يضع أحدُنا كونًا ملعونًا آخر، مثلما فعلتْ صوفيا؟

2.1.2: الغنوصية المسيحية
كان للفكرة المسيحية القائلة بأن الربَّ قد أرسل “ابنه” الوحيد (الكلمة) ليتألَّم ويموت من أجل خطايا البشرية جمعاء، وبهذا يجعل الخلاص متاحًا للجميع، وَقْعٌ عميق على الفكر الغنوصي. ففي المجموعة الواسعة والهامة من الكتابات الغنوصية المكتشَفة في نجع حمادي (مصر) في العام 1945، ليس ثمة غير حفنة منها من الممكن أن تكون نشأت في وسط ما قبل مسيحي، هلِّيني يهودي على الأغلب؛ ذلك أن غالبية هذه النصوص هي كتابات مسيحية غنوصية تعود إلى الفترة من أوائل القرن الثاني وحتى أواخر القرن الثالث الميلادي، وربما بعد ذلك بقليل. وعندما ننظر في مفهوم الخلاص ومعناه عند الغنوصيين الأوائل، الذين ركزوا على المظهر الخلاق لوجودنا ما بعد الخلاصي، يذهلنا التأكيدُ الجريء الذي مفاده أن حاجتنا إلى الخلاص نشأت، في المقام الأول، من خطأ اقترفه كائنٌ إلهي، هو صوفيا (الحكمة)، إبان قيامها بفعلها الخلاق (راجع: كتاب يوحنا المنحول [سفر المخطوطات 2] 9: 25-10: 6). وبما أن الحال هي كذلك، كيف – نتساءل قطعًا – سيكون وجودُنا فيما بعد الخلاص أقل تعرضًا للغلط أو للجهل، وحتى للشر؟

لقد قدَّمتْ الرسالةُ الجذرية للمسيحية الأولى الجوابَ على هذا السؤال الإشكالي؛ وبهذا التقط الغنوصيون الفكرة المسيحية وحوَّلوها، بقوة فنِّهم القصصي العقلي، إلى ترسيمة تأملية فلسفية ولاهوتية التركيب.

أ. باسيليدس 

قام الفيلسوف المسيحي باسيليدس الإسكندري (ازدهر 132-135 م) ببسط كوسمولوجيا وعلم نشأة للكون افترقا عن أسطورة صوفيا الخاصة بالغنوصية الكلاسيكية؛ كما أنه أعاد تأويل المفاهيم المسيحية الرئيسية عن طريق الفلسفة الرواقية الشعبية للعصر. بدأ باسيليدس منظومته بـ”ثُمانية أولية” عبارة عن “الوالد غير المولود” أو الآب؛ العقل nous؛ “المبدأ المنظِّم” أو الكلمة logos؛ “الحصافة” phronēsis؛الحكمة (صوفيا)؛ القدرة dunamis (إيريناوس، ضد الزندقات، 3.24.1، في ليتون، الأسفار الغنوصية، 1987) و”العدل” و”السلام” (باسيليدس، مقطع أ، ليتون). وعبر الاتحاد بين الحكمة والقدرة، انوجدتْ مجموعةٌ من الحكام الملائكيين؛ ومن هؤلاء الحكام ولدت 365 سماءٌ أو أيون (إيريناوس، 3.24.1). كان لكلِّ سماء حاكمُها الرئيس arkhōn والعديد من الملائكة الأصغر. والسماء الأخيرة – التي هي، على حدِّ زعم باسيليدس، دنيا المادة التي نقطنها جميعًا – هي التي يحكمها، على ما قال، “إلهُ اليهود” الذي فضَّل الأمة اليهودية على الأمم الأخرى، وبهذا سبَّب كلَّ ألوان النزاع مع الأمم التي اتفق لها أن تتماسَّ معهم، بل حتى فيما بين اليهود أنفسهم. وهذا السلوك دفع حكَّام السماوات الـ364 الأخرى إلى معارضة إله اليهود وإرسال مخلِّص – هو يسوع المسيح – من عالم الآب (أسمى العوالم) لإنقاذ البشر الذين يكدحون تحت نير ذلك الإله الغيور (إيريناوس، 4.24.1).

وبما أن عالم المادة هو المصدر الأوحد لهذا الإله الحاقد، لم يجد باسيليدس فيه أيَّ شيء ذي قيمة، وصرَّح بأن “الخلاص مُلْك للروح فقط؛ إذ إن الجسد فاسد بطبيعته” (إيريناوس، 5.24.1). بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك ليعلن، معارضًا الأرثوذكسية المسيحية، أن موت المسيح على الصليب كان موتًا ظاهرًا فقط، ولم يحدث فعلاً “في الجسد” (إيريناوس، 4.24.1) – وهذا المذهب قُيِّض له أن يسمَّى الدوكيتية.

إن المفهوم القائل بأن الوجود المادي هو وليد إله خالق غيور وفاسد، يفضِّل عِرقًا معينًا على باقي الأعراق، هو بالفعل التعبير “الأسطوري” عن اعتقاد أخلاقي متأصِّل بأن مصدر الشرور كلِّها هو الوجود المادي أو الجسماني. وبالفعل فقد ذهب باسيليدس إلى حدِّ التأكيد على أن الخطيئة هي النتاج المباشر للوجود الجسماني، وبأن ألم الإنسان هو العقاب المستحَق إما على خطايا فعلية مرتكَبة، أو حتى على مجرَّد الميل العام إلى الخطيئة، الذي ينجم عن النوازع الجسدية (راجع المقطعين و وز). ويعلن باسيليدس، في تكييفٍ للمقولات الأخلاقية الرواقية، أن الإيمان pistis “ليس القبول العقلاني لنفس تمتلك إرادة حرة” (المقطع ج)، بل هو بالحري الكيفية الطبيعية للوجود؛ وبالتالي، فإن كلَّ مَن يحيا في تناغُم مع “قانون الطبيعة” pronoia (الذي يطلق عليه باسيليدس اسم “الملكوت”) سيبقى متحررًا من النوازع الجسدية وسيكون في حالة “خلاص” (المقطع ج). غير أن باسيليدس يتخطَّى المذهب الرواقي البسيط في اعتقاده بأن “الصفوة”، أي أولئك الذين يحيون بالإيمان، “غرباءٌ عن هذا العالم، كما لو أنهم متعالون بطبيعتهم” (مقطع هـ)؛ إذ إن باسيليدس، على غير الرواقيين الذين آمنوا بكوسموس ماديٍّ واحد، أخذ بفكرة أن الكوسموس، كما رأينا، مكوَّن من سماوات عديدة، وأن العالم المادي هو السماء الدنيا، وبالتالي فهو فاسد. وبما أن هذه السماء الأخيرة تمثل “النحب الأخير” للفيض الإلهي، إذا جاز التعبير، وأنها ليست، ولا من أيِّ وجه، صورةً كاملة عن الألوهة الحقيقية، فإن اعتناق قوانينها لا يمكن له أن يفضي إلى أيِّ خير. لا بل إن الجسم، بما أنه الوسيلة التي يستخدمها حاكمُ هذا الكوسموس المادي لفَرْض قوانينه، فإن بلوغ الحرية مشروط بالتخلِّي عن جميع النوازع والرغبات الجسدية أو بـ”عدم الاكتراث بها”. غير أن عدم المبالاة adiaphoria هذا بنوازع الجسد لا يؤدي إلى مجرَّد تنسك راكد. فباسيليدس لا يدعو مستمعيه إلى ترك العالم المادي، بما يجعلهم يذوبون في السلبية، بل هو يقدِّم لهم حياة جديدة، متوسلاً التراتبية العظمى من الحكَّام التي تشرف على العالم المادي (مقطع د). فحين يلجأ المرء إلى المرتبة العظمى للـوجود تكون النتيجة “خلق أشياء طيبة” (المقطع ج، الترجمة معدَّلة). الحب والإبداع الشخصي – استيلاد الخير – هما النتاج الأخير لنظام باسيليدس الجدلي الملتبس؛ ولهذا السبب فهو أحد أهم التعبيرات الأولى للفلسفة المسيحية الحق، وإن لم تكن “أرثوذكسية”.

ب. مرقيون

كان مرقيون السينوبي، في بنطُس، معاصرًا لباسيليدس. وبحسب طرطليانوس فقد بدأ مرقيون مسيرته كمسيحي أرثوذكسي – أيًّا ما كان معنى ذلك في تلك المرحلة الأولى من بَسْط العقيدة المسيحية – لكنه سرعان ما صاغ مذهبًا مميزًا وجذريًّا أدَّى إلى إلقاء الحرمان عليه من قبل كنيسة روما في تموز 144 م، وهو التاريخ التقليدي لتأسيس الكنيسة المرقيونية (طرطليانوس، ضد مرقيون، 1.1؛ راجع: كورت رودلف، الغنوص، 1984، ص 314).

وتعليم مرقيون أنيق البساطة: “الإله الذي تعلنه الشريعة والأنبياء ليس أبا سيدنا يسوع المسيح. فإله [العهد القديم] معروف، ولكن الثاني [أبا يسوع المسيح] مجهول. الأول عَدْل، بينما الثاني خيِّر.” (إيريناوس، 1.27.1) لقد اعتقد مرقيون بأن هذا الكوسموس الذي نعيش فيه يشهد على وجود إله قاسٍ ومشرِّع، بل وحاقد ومنتقم أحيانًا. إن هذا الرأي ناتج عن قراءة محض حرفية للعهد القديم، الذي يحوي فعلاً العديد من المقاطع التي تصف الإله بعبارات لا تفضي إلى الألوهية – أو على الأقل لا تفضي إلى فكرة الإله التي كانت شائعة في العصر الهلينستي. بناءً عليه، فقد أعلن مرقيون، على غرار بولس (في الرسالة إلى الرومانيين 1: 20)، أن الإله يُعرَف عِبْرَ خلقه. غير أن مرقيون، على خلاف بولس، لم يعتبر أن هذا “الوحي الطبيعي” دليل على فرادة الله وخيره، بل على العكس تمامًا، اعتقد أنه عَرَفَ إله هذا العالم حقَّ معرفته، وأن هذا الإله ليس جديرًا بما يطلبه من إخلاص وطاعة. ولذا فقد رفض مرقيون تعاليم الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية في عصره القائلة بأن يهوه هو أبو الكنيسة؛ ومن خلال استئصال جريء لما سمَّاه “المدسوسات اليهودية” في إنجيل لوقا وعَشر رسائل بولسية، طرح مفهومه عن “الإله الغريب” وفعله الخلاصي، ورسَّخ أول دستور للأسفار المعتمَدة في الكنيسة “المسيحية” (جوناس، ص 145-146).

لم يكن مرقيون فيلسوفًا بالمعنى الذي قُيِّضَ لهذا المصطلح أن يؤدِّيه فيما بعد. فهو لم يبسط قط، على حدِّ ما نستطيع أن نستخلص من الآثار الباقية، نظرية منهجية ميتافيزيقية أو كوسمولوجية أو أنثروبولوجية، على غرار ما ذهب إليه باسيليدس أو فالنتينوس (الذي سنناقشه لاحقًا)، ولم يُبرِزه التاريخُ كشاهد على معتقداته (وهذه هي النقطة الأهم). فعلى خلاف غالبية الغنوصيين، الذين صاغوا نوعًا من السلالة الإلهية (أسطورة صوفيا، على سبيل المثال) لتعليل وجود الفساد والنزاع في العالم، طرح مرقيون في بساطة وجود إلهين متناقضين لا يقبلان الاختزال: الإله التوراتي، والإله المجهول أو “الغريب”، الذي هو أبو المسيح. وبحسب مرقيون، فإن الإله الذي يحكم هذا العالم هو كائن حريص على الحفاظ على استقلاليته وقدرته، حتى على حساب الكائنات (البشرية) التي خلقها. الإله “الغريب”، الذي هو الخير الأسمى، هو “إله الانبثاث”: إذ إنه ينبث في هذا العالم من الخارج لكي يتبنَّى مجَّانًا أولئك البشر المرثيَّ لحالهم، الباقين تحت نفوذ الإله الأدنى بوصفهم أبناءه. وهذا الفعل هو، بحسب مرقيون، أصل تجسُّد المسيح وعلَّته.

وعلى الرغم من غياب قاعدة فلسفية أو ثيولوجية لهذه الصياغة البسيطة نوعًا ما، فإن فكرة مرقيون تعبِّر، على كلِّ حال، في شكل خام ومباشر نوعًا ما، عن حقيقة أساسية للوجود الإنساني: أنَّ رغبات العقل لا مقايسة بينها وبين طبيعة الوجود المادي (راجع: إيريناوس، 27.1: 2-3). مع ذلك، إذا تابعنا حجَّة مرقيون حتى نتيجتها المنطقية (وربما “ضد المنطقية”)، لاكتشفنا تعبيرًا وجوديًّا (وليس فلسفة) عن الشعور الأوليِّ بـ”الهَجْر” Geworfenheit. وهذا التعبير يقوم على التعارض الحاذق – لكن الممض – بين “محبة الحكمة” philosophia وبين “الحكمة التامَّة” plērosophia. نحن وحدنا في عالم لا يُسلِس ذاتَه لبحثِنا عن حقيقة لا تتبدَّل، ولذلك فإننا نُصادِق الحكمة، باعتبار أن ذلك الطريق أو الأسلوب هو الذي يمكِّننا من بلوغ هذه الحقيقة المحدوسة. وبحسب مرقيون، لن يتمَّ العثورُ على هذه الحقيقة في هذا العالم: فكل ما يمكن العثور عليه هو الرغبة في تلك الحقيقة، التي تنشأ بين البشر. غير أن هذه الرغبة، بما أنها، من جانب البشر، لا تنتج سوى فلسفات متنوعة ما من واحدة منها قادرة على ادِّعاء الحقيقة المطلقة، خَلُصَ مرقيون إلى أن الكائنات (البشرية) العارفة في هذا العالم لا تطيق أكثر من ظلٍّ من ظلال الحكمة. إذ إنه عن طريق إرشاد إله غريب ومحض خيِّر ونعمته يمكن للإنسانية أن ترتقي إلى مستوى الحكمة التامة plērosophia (راجع: الرسالة إلى القولوسيين 2: 2 وما بعدها). وعلاوة على ذلك، فقد قام مرقيون، عوضًا عن محاولة اكتشاف الارتباط التاريخي بين وحي المسيح وتعاليم العهد القديم، بمجرَّد رفض الثاني لصالح الأول، اعتقادًا منه بأن الإنجيل وحده (وقد تدبَّر مرقيون تحريره بنفسه) يدلنا على الحكمة التامة (إيريناوس، 27.1: 2-3؛ طرطليانوس، ضد مرقيون، 3.4).

وفي حين أن مفكرين مسيحيين آخرين من ذلك العصر قد اشتغلوا على التفسير المجازي للعهد القديم بغية التوفيق بينه وبين تعاليم العهد الجديد، أجاز مرقيون للعهد الجديد – وإنْ في نسخته الشخصية منه – مخاطبتَه كصوت مرجعيٍّ فريد، فصاغ مذهبه وفقًا لذلك. وهذا المذهب لم يشدد على غربة البشر الجذرية عن هذا العالم الذي اتَّفق لهم أن يولدوا فيه وحسب، بل كذلك على افتقارهم إلى أية علاقة نَسَبية مع الإله الذي ضحَّى بابنه لافتدائهم – بعبارة أخرى، صوَّر مرقيون البشريةَ كسلالة مُشرَّدة، من دون أيِّ وطن حقيقي أصلاً (راجع: جيوفاني فيلورامو، تاريخ الغنوصية، 1992، ص 164). والأمل في البحث عن وطن مفقود، أو أمل العودة إلى وطن طُرِدْنا منه، كان غائبًا عن مذهب مرقيون. فمثله كمثل بيكو ديلاميراندولا، أعلن مرقيون أن طبيعة البشرية هي طبيعة وسيط أبدًا، واقف وقوفًا غير مستقر بين السماء والأرض (قارن: بيكو ديلاميراندولا، خطبة في كرامة الإنسان، 3). غير أن مرقيون، خلافًا لبيكو، دعا إلى عَزْل جذري للبشرية – “قطيعة” – تصحو فيها الإنسانيةُ على ممكناتها التامة (إن لم نقل الفطرية).

ج. فالنتينوس والمدرسة الفالنتينية

صرف المعلِّم والفيلسوف المسيحي العظيم فالنتينوس (حوالى 100-175 م) سنوات تأهيله في الإسكندرية، حيث اتصل أغلب الظن بباسيليدس. وقد غادر بعد ذلك إلى روما، حيث باشر سيرتَه في التعليم العام، الذي كان من النجاح بحيث أُتيحَتْ له فرصةٌ جدية لانتخابه أسقفًا لروما. على أنه خسر الانتخابات، وخسرت الغنوصيةُ بذلك فرصةً أن تصير مرادفة للمسيحية، وبالتالي دينًا عالميًّا. لكن هذا لا يعني أن فالنتينوس فشل في التأثير على تطور اللاهوت المسيحي – إذ إنه أثَّر قطعًا، كما سنرى أدناه. فعِبْرَ فالنتينوس، ربما أكثر من أيِّ مفكر مسيحيٍّ آخر معاصرٍ له، صار للفلسفة الأفلاطونية، والأناقة البلاغية، ولمعرفة تأويلية عميقة بالكتاب المقدس، أن تتسلل معًا إلى عالَم اللاهوت المسيحي. وقد بقي إنجاز فالنتينوس بلا نظير مدة حوالى قرن، حتى ظهور أوريجينس الذي لا يضاهى على الساحة. ومع ذلك، قد لا يجانب الصوابَ قولُنا بأن أوريجينس ما كان لـ”يحدث” لولا المثال الذي ضربه فالنتينوس.

لم تبدأ كوسمولوجيا فالنتينوس بوحدة، بل بثنوية أولية – زوجين – عبارة عن كيانين يُدعيان “اللاموصوف” و”الصمت”. ومن هذين الكائنين الأصليين ولد زوجان ثانيان: “الوالد” و”الحقيقة”. وعن هذه الكينونات تتولد أخيرًا رباعيةٌ هي “الكلمة” logos و”الحياة” zōē و”الإنسان”anthropos و”الكنيسة” ekklēsia. ويشير فالنتينوس إلى هذا الفريق الإلهي بـ”الثُمانية الأولى” (إيريناوس، 1.11.1)؛ وهذه الثُمانية تمخَّضت عن كائنات أخرى عديدة، منها واحد تمرَّد أو “عصى”، كما يخبرنا إيريناوس، وبذلك أطلق الدراما الإلهي الذي أنتج الكوسموس في المآل. وبحسب إيريناوس، الذي كَتَبَ بعد موت فالنتينوس بخمس سنوات فقط، والذي في رسالته ضد الزندقات حفظ الخطوطَ العريضة لكوسمولوجيا فالنتينوس، فإن الكيان المسؤول عن مباشرة الدراما يُشار إليه بوصفه “الأم”، التي ربما المقصود منها هي صوفيا (الحكمة)؛ ومن هذه “الأم” نشأ كلٌّ من الهيولى المادية hulē والمخلِّص، “المسيح”. وقد وُصِفَ عالمُ المادة كـ”ظل”، مولود من “الأم”، باعَد المسيحُ بين نفسه وبينه و”سارع صاعدًا إلى الملأ” (إيريناوس، 1.11.1؛ قارن: بويماندرس، 5). وعند هذه النقطة قامت “الأم” بولادة “طفل” آخر، “الباري” dēmiourgos المسؤول عن خلق الكوسموس. وفي الرواية التي حفظها إيريناوس، لا يَرِدُ شيءٌ عن أيِّ دراما كوني تقع وفقه “الشراراتُ الإلهية” في شراك أجسام من لحم من خلال خطط الديميورغوس. إلا أنه يُفترَض أن فالنتينوس شَرَحَ أنثروبولوجيا شبيهة بأنثروبولوجيا أسطورة صوفيا الكلاسيكية (كما وردتْ، مثلاً، في كتاب يوحنا المنحول؛ راجع أيضًا: أقانيم الرؤساء ورؤيا آدم)، ولاسيما أن مدرسته، كما مثَّل لها تمثيلاً بالغ الأهمية تلميذُه اللامع بطليموس (انظر أدناه)، آلت إلى بَسْطِ أسطورة أنثروبولوجية غاية في التعقيد، لا بدَّ أنها تفرَّعتْ عن النموذج الأبسط الذي قدَّمه فالنتينوس نفسه. وتنتهي الرواية التي حفظها إيريناوس بوصفٍ لعقيدة مشوشة نوعًا ما عن مسيح سماويٍّ وأرضي، وبمقطع وجيز عن دور الروح القدس (إيريناوس، 1.11.1)، منه يخرج المرءُ بفكرة أن فالنتينوس كان يراود عقيدة بدائية للثالوث. وبالفعل، فبحسب لاهوتيِّ القرن الرابع ماركيلوس الأنقري، كان فالنتينوس “أول مَن استنبط مفهوم ثلاثة كيانات (أقانيم) في كتابه في الطبائع الثلاث” (فالنتينوس، مقطع ب، ليتون). كان فالنتينوس قطعًا هو المسيحي الأصرح بين الفلاسفة الغنوصيين في زمانه.

لقد رأينا كيف تخلَّل فكرَ باسيليدس ميلٌ رواقي، وكيف شعر مرقيون بالحاجة إلى تجاوُز الكتاب المقدس ليطرح إلهًا فاديًا “غريبًا”. أما فالنتينوس، من ناحية أخرى، فيبدو أنه اطَّلع، كما يتبيَّن من آرائه، على الكتب والتفاسير اليهودية والمسيحية بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية على الفلسفة “الوثنية”، وبخاصة الأفلاطونية. ويظهر هذا كأشد ما يكون في روايته الخاصة للمفهوم الثيولوجي المألوف عن “الاصطفاء” أو “التقدير المسبَّق”، الذي يَرِدُ فيه (على غرار بولس في الرسالة إلى الرومانيين 8: 29) أن الله اصطفى أفرادًا معينين، قبل بدء الأزمنة، للخلاص. وقد كَتَبَ فالنتينوس في نصٍّ يبدو وكأنه بقية من موعظة (فالنتينوس، مقطع و):

منذ البدء، وأنتم [“المصطفَوْن” أو المسيحيون الغنوصيون] خالدون، وأنتم أبناء الحياة الأبدية. تنشدون رَصْدَ الموت لأنفسكم بحيث يمكن لكم أن تنفقوه وتستنفدوه، وبحيث يموت الموتُ فيكم ومن خلالكم. إذ عندما تُعدِمون العالم من غير أن تفنوا أنتم، فأنتم السادة على الخلق وعلى كلِّ فساد.

هذا يبدو وكأنه ردُّ فالنتينوس على معضلة ديمومة الخلاص: بما أن صوفيا أو “الأم” الإلهية – وهي فَرْدٌ من الملأ الأعلى – قد سقطت في الضلال، كيف يمكن لنا التأكد من أننا لن نقترف الغلط نفسه أو غلطًا مماثلاً بعد أن نبلغ الامتلاء؟ فبإعلانه أن دورَ “المصطفى” (أو المسيحي الغنوصي) ومهمَّتَه هي استنفاد الموت و”إعدام” العالم، يوضح فالنتينوس موقفه الذي مفاده أن تلك النفوس المختارة نفوس مشارِكة في خلاص العالم، إلى جانب المسيح، الذي كان أول مَن حمل الخطيئة والفساد المتأصِّلين في العالم المادي (راجع: إيريناوس، 1.11.1؛ وليتون، ص 240). لذا، بما أن “أجرة الخطيئة هي الموت” (الرسالة إلى الرومانيين 6: 23)، فإن أيَّ كائن قادرٍ على تحطيم الموت لا بدَّ أن يكون معصومًا من الخطيئة. ففي نظر فالنتينوس، إذن، أن الفرد المقدَّر له أن يخلص مقدَّر له أيضًا نوعٌ من الخلافة الإلهية تتضمن دورًا فاعلاً في التاريخ، وليس مجرد راحة مع الله، أو حتى حياة غبطة من الخلق المحب، كما ذهب باسيليدس. طالب فالنتينوس مستمعيه – على غرار بولس – بالاعتراف بمخلوقيَّتهم؛ إلا أنهم – خلافًا لبولس – اعترفوا بخالقهم بوصفه “الوالد اللاموصوف”، وليس كإله الكتب المقدسة اليهودية. وبعد فالنتينوس، أضحت مهمةُ التأويل المسيحي إثباتَ الاستمرارية بين العهدين القديم والجديد. وفي هذا الصدد، كما وفي الروحانية العامة لتعاليمه – ناهيك عن عقيدته البدائية في التثليث – كان لفالنتينوس وَقْعٌ لا يُجارى على تطور المسيحية.

د. منظومة بطليموس  

وصف إيريناوس بطليموس Ptolemaeus (حوالى 140 م) بـ”بزهرة مدرسة فالنتينوس” (ليتون، ص 276). لكننا لا نعرف شيئًا يُذكَر عن حياة بطليموس ما عدا الكتابين اللذين وصلانا: الأسطورة الفالنتينية الفلسفية المفصَّلة التي حفظها إيريناوس، والرسالة إلى فلورا، من وضع فالنتينوس، التي حفظها القديس أبيفانيوس حرفيًّا. نقع في الكتاب الأول على منظومة فالنتينوس، مفصَّلة تفصيلاً كبيرًا على يد بطليموس، التي تحتوي على أسطورة أنثروبولوجية مركَّبة تتمركز حول آلام صوفيا. كما نقع أيضًا، في كلٍّ من الأسطورة والرسالة، على محاولة بطليموس للتوفيق بين الكتب اليهودية وبين تعاليم الغنوصية والتأويل المجازي للعهد الجديد، في صورة غير مسبوقة بين الغنوصيين قبلئذٍ.

في النظام البطليموسي يَرِدُ في صراحة أن سبب سقوط صوفيا هو رغبتها في معرفة الآب الفائق الوصف. وبما أن سبب توليد الآب للأيونات (الذين صوفيا آخرهم) كان “رفعهم جميعًا إلى مرتبة الفكر” (إيريناوس، 1.2.1)، لم يكن مسموحًا لأيٍّ من الأيونات أن يبلغ معرفة تامة بالآب. لقد كانت الغاية من الملأ الأعلى أن يوجد كتعبير حيٍّ، جمعيٍّ، عن السعة العقلية للآب؛ فإذا قُيِّضَ لأيِّ كائن مفرد ضمن الملأ الأعلى أن يصل إلى الآب لتوقفت الحياة برمَّتها. تقوم هذه الفكرة على موقف إيجابي بالدرجة الأولى تجاه الكون، بمعنى أن الوجود، مفهومًا ككفاح، ليس من أجل نهاية مستكينة، بل من أجل مستوى متزايد أبدًا من البصيرة الخلاقة أو “التكوينية”. والهدف، من هذه الوجهة، هو الإبداع من خلال الحكمة، وليس مجرد الوصول إليها كـغرض أو كغاية في حدِّ ذاتها. ومثل هذا الوجود لا يتَّسم بالرغبة في غرض ما، بل بالحري في القدرة على الإمعان في الانخراط الخلاق والتكويني مع “الظرف” (= الوضعية المعيَّنة أو الميدان الفردي) الخاص بالمرء. عندما رغبتْ صوفيا في معرفة الآب، فإن ما كانت ترغب فيه إذ ذاك، في المقام الأول، هو تلاشيها لصالح فنائها الخاص فيما جعل وجودها ممكنًا في الأصل. وهذا يعادل رفض هبة الآب، بمعنى هبة الوجود والحياة الفرديين. لهذا السبب لم يُسمَح لصوفيا بمعرفة الآب، بل رُدَّتْ إلى “الحد” horos الفاصل بين الملأ الأعلى وبين “السعة اللاموصوفة” للآب (إيريناوس، 1.2.1).

أما ما تبقَّى من رواية بطليموس فيتعلق بإنتاج الكوسموس المادي اعتبارًا من “آلام” صوفيا المُأقْنَمَة وفاعلية المخلِّص (يسوع المسيح) في ترتيب هذه الآلام الشواشية أصلاً في تراتبية منتظمة من الموجودات (إيريناوس، 5.4.1 وما بعدها، وقارن: الرسالة إلى القولوسيين 1: 16). إن ثلاثة صفوف من الكائنات البشرية تنوجد من خلال هذا الترتيب: “المادي” hulikos و”النفساني” psukhikos و”الروحاني”pneumatikos. البشر “الماديون” هم أولئك الذين لم يبلغوا الحياة العقلية، وبالتالي لا يعقدون آمالهم إلا على ما هو هالك – ولا أمل في الخلاص لهؤلاء. “النفسانيون” هم أولئك الذين ليس لديهم إلا تصور نصف متشكِّل عن الإله الحقيقي، وعليهم، بالتالي، أن يحيوا حياة منذورةً للأعمال المقدسة والثبات على الإيمان؛ وبحسب بطليموس، هؤلاء هم المسيحيون “العاديون”. وأخيرًا، هناك البشر “الروحانيون”، الغنوصيون، الذين لا يحتاجون إلى الإيمان لأنهم على معرفة فعلية (غنوص) بالحقيقة العقلية، وبذلك هم ناجون بالطبيعة (إيريناوس، 2.6.1، 4.6.1).

يقوم المفهوم الفالنتيني البطليموسي للخلاص على فكرة أن الكوسموس هو التجلِّي العياني أو الأقْنَمَة لرغبة صوفيا في معرفة الآب و”الآلام” التي نجمتْ عن فشلها. إن تاريخ الخلاص للكائنات البشرية له، إذن، صفة التجلِّي الخارجي للسيرورة المثلَّثة لافتداء صوفيا نفسها: الاعتراف بآلامها؛ “رجوعها” epistrophē تاليًا؛ وأخيرًا، فعل توليدها الروحي، الذي انبثقتْ منه الإنسانيةُ الغنوصية (راجع: إيريناوس، 1.5.1). الخلاص، إذن، في شكله النهائي، يجب أن يتضمن نوعًا من الخلق الروحي من قِبَل الغنوصيين الذين يبلغون الملأ الأعلى. غير أن على البشر “النفسانيين”، المكوَّنين جزئيًّا من مادة قابلة للفساد وجزئيًّا من ماهية روحية، أن يظلوا مكتفين بوجود بسيط مريح مع “صانع” الكوسموس، بما أنه لا يمكن لعنصر ماديٍّ أن يدخل الملأ الأعلى (إيريناوس، 1.7.1).

في رسالته إلى فلورا (في أبيفانيوس، 1.3.33-10.7.33)، التي هي محاولة لهداية امرأة مسيحية “عادية” إلى مذهبه المسيحي الفالنتيني، صاغ بطليموس صياغة واضحة مذهبَه في العلاقة بين إله الكتب المقدسة العبرية، الذي هو “عَدْل” وحسب، وبين الآب اللاموصوف، الذي هو الخير الأسمى. وعوضًا عن مجرَّد إعلان أن هذين الإلهين غير متَّصلين، كما فعل مرقيون، بَسَطَ بطليموس قراءة مركَّبة، مجازية، للكتب المقدسة اليهودية فيما يتصل بالعهد الجديد بغية ترسيخ سلالة تربط الملأ الأعلى، صوفيا و”آلامها”، الديميورغوس، والنشاط الخلاصي ليسوع المسيح بعضها ببعض. إن مدى عمل بطليموس ودقَّته، والأثر الذي خلَّفه على المسيحية الأرثوذكسية الناشئة، يؤهِّله لكي يكون واحدًا من أهم اللاهوتيين المسيحيين الأوائل، الأرثوذكسيين الروَّاد منهم و”الزنادقة”.

3.1.2: ماني والمانوية

إن الديانة العالمية التي أسَّسها ماني (216-276 م) والتي عُرِفَتْ في التاريخ باسم المانوية متجذِّرةٌ في الشرق، مستعيرةً عناصر من الديانة الثنوية الفارسية (الزرادشتية)، ومن المسيحية اليهودية، والبوذية، وحتى من الميثرائية. والمنظومة التي بَسَطَها ماني كانت منظومة توفيقية عن قصد، وكانت ثمرة طبيعية لرغبته في رؤية ديانته تصل إلى أقاصي الأرض. وبالفعل فقد تحقَّقت تلك الرغبة: فحتى العصور الوسطى المتأخرة، ظلت المانوية ديانةً عالمية، تمتد من الصين إلى أوروبا الغربية. غير أنها الآن منقرضة تمامًا.

بدأت هذه الديانة عندما خَبِرَ مؤسِّسُها سلسلة من الرؤى، ظَهَرَ له فيها، على حدِّ ادِّعائه، الروحُ القدس، وأمَرَه بأن يبشِّر بوحي النور حتى أقاصي الأرض. اتَّفق لماني أن يرى نفسه كخاتَم سلسة من الرسُل العظام، منهم البوذا وزرادشت ويسوع وبولس (رودلف، ص 339). إن أسطورة ماني البالغة التعقيد عن أصل الكون والجنس البشري مؤلَّفة من عناصر متنوعة مستمَدة من تلك المنقولات والتعاليم المتعدِّدة. ومذهب ماني ليس مذهبًا “فلسفيًّا”، على غرار باسيليدس أو فالنتينوس أو بطليموس؛ إذ إن تعاليمه لم تكن نتاج تأملات تزيد أو تنقص عقلانية أو منهجية حول الألوهة، ناتجة عن الغنوص، بل هي النتاج الكلِّي الإبداع لما شعر صاحبُها بأنه وحي من الإله ذاته. لهذا السبب عينه فقد بجَّله أتباعُه كفادٍ ومعلِّم قدوس للإنسانية (رودلف، ص 339). وبما أن المانوية تنتمي إلى تاريخ الدين أكثر منها إلى الفلسفة حصرًا (أو حتى حواشي الفلسفة، كما هي حال الغنوصية الغربية)، حسبنا أن نقول كلمات قليلة عن العقيدة المانوية، لا لسبب إلا لأن الفيلسوف المسيحي الكبير أوغسطينوس الهيبوني كان من أشياع ماني لسنوات عديدة قبل أن يهتدي إلى المسيحية (أوغسطينوس،الاعترافات، 10.3).

إن نقطة التمييز الرئيسية بين مذهب ماني وبين الفرع الغربي للغنوصية (باسيليدس، فالنتينوس، إلخ) هي أنه في المانوية “الكونيات تابعة للخلاصيات” (رودلف، ص 336). وهذا يعني، جوهريًّا، أن ماني بدأ باعتقاد أساسي حول طبيعة الإنسانية ومكانها في الكوسموس، وصاغ أسطورة لشرح موقف البشرية، وديناميَّة الخلاص البشريِّ في المآل. ولم تكن تفاصيل الكوسمولوجيا، على ما يبدو، ذات أهمية كبيرة؛ إذ كان القصد الأساسي منها هو – شاعريًّا – إيضاح المخاطر التي تواجه النفوس القاطنة في “عالم الظلمات” هذا، بالإضافة إلى طريقة افتدائهم من هذا المكان. لقد انطلقتْ الكوسمولوجيا المانوية، كما في الزرادشتية، من مبدأين أوليين متضادين هما: إله النور وحاكم الظلام. وهذا الظلام، بما هو ذو طبيعة شواشية، ينهال على “ملكوت النور” في محاولة لإسقاطه أو ربما لاستيعابه. عندئذٍ فإن “ملك فردوس النور” يتخذ موقفًا دفاعيًّا، إذا جاز التعبير، ويلد الحكمة، التي تلد بدورها “الإنسان الأول”، الذي يُدعى كذلك أورمزد (أو أهورا مزدا). هذا الإنسان الأول يمتلك نفْسًا خماسية مكوَّنة من النار والماء والريح والنور والأثير. والإنسان الأول، متدرِّعًا بهذه النفس، يهبط إلى عالم الظلمة ليصارع حاكمه. وعلى غير المتوقَّع، يُهزَم الإنسانُ الأول، وتتبعثر نفسُه في عالم الظلمة. غير أن المانويين فهموا ذلك كخطة من جانب حاكم النور ليبذر بذور المقاومة ضمن الظلمة، جاعلاً من إطاحة العالم الشواشي أمرًا ممكنًا في المآل. ولهذه الغاية ولدت “روحٌ حية” ثانية، دُعيت كذلك ميثرا. هذا الكائن وشريكه – أداماس النور – أطلقا حركة تاريخ الخلاص بوضعهما في عالم الظلام “النداءَ” الذي يستدعي قُسَيْمات النور المبعثَرة (من نفْس أورمزد المهزومة). وهذه القُسَيْمات المبعثَرة “تستجيب” لنداء ميثرا؛ والنتيجة هي تشكيل السماوات والأرض، النجوم والكواكب، وأخيرًا، تأسيس فلك البروج الإثني عشر والدوران المنتظم للفلك الكوني، الذي من خلاله، بواسطة سيرورة متدرِّجة، تعود قُسَيْمات النور المبعثَرة إلى عالم النور في نهاية المطاف. لقد آمن المانويون أن هذه القُسَيْمات تصعد إلى القمر، وأن القمر، حين يكتمل بدرًا، يصبُّ تلك القُسَيْمات في الشمس، التي يصعدون منها إلى “أيون جديد”، يُماهى أيضًا مع ميثرا، “الروح الحي” (رودلف، ص 336-337). وتستمر هذه السيرورة طوال أزمنة العالم، حتى تصل القُسَيْماتُ كلُّها إلى مقامها المناسب في آخر الأمر ويتمُّ خلاصُ الألوهة.

يجب أن يتَّضح من هذا العرض البسيط أن البشرية، بما هي كذلك، لا تحتل المنزلة المركزية في الدراما الخلاصي للمانوية، بل هي بالحري جزءٌ من الألوهة ذاتها – أي نفْس أورمزد المبعثَرة. وهدف الإنسانية في هذا المخطَّط هو إسعاف قُسَيْمات النور في صعودها إلى الألوهة. وبالطبع، تقطن هذه القُسَيْمات في كلِّ شيء حي؛ وبالتالي، فإن خلاصها هو خلاص الإنسانية، لكن فقط كتحصيل حاصل، إذا جاز التعبير: فالإنسانية لا تحتل منزلة مميزة في المانوية، كما هو شأنها في المدارس الغنوصية الغربية أو المسيحية حصرًا. وهذا الاعتقاد قاد المانويين إلى فَرْضِ قوانين صارمة خاصة بالحِمْية وبالطهارة، حتى إنهم كلَّفوا أعضاء منتخَبين من كنيستهم تقديمَ الوجبات للـ”صفوة”، لكي لا يتنجَّس هؤلاء بإيذائهم أيَّ شيء يحوي قُسَيْمات نورية. غير أن هذا كلَّه أبعد ما يكون عن الفلسفة. لقد كان هانس جوناس مُحِقًّا في وصفه المانوية بأنها تمثل “مستوى أكثر بدائية في الفكر الغنوصي” (جوناس، ص 206). أما وقد فحصنا عن واحد من الاتجاهات غير الفلسفية التي اتخذها الفكر الغنوصي، فلنمضِ الآن في مناقشة دورها في التطور الفلسفي لذلك العصر.

3. الأفلاطونية والغنوصية 

قبل مجيء الغنوصية بوقت طويل، كان أفلاطون قد قال بوجود نفسين عالميتين متضادتين: واحدة “تفعل الخير” وأخرى “لديها القدرة المعاكسة” (أفلاطون، النواميس، 10، 896 هـ). وبنظر أفلاطون، لا يحتِّم هذا أن الكوسموس واقع تحت سيطرة إله فاسد أو جاهل، كما استنتج الغنوصيون، لكنْ أنَّ لهذا الكوسموس، في بساطة، مثله كمثل النفس البشرية، جزءًا عقلانيًّا وجزءًا غير عقلي، وأن مهمة الجزء العقلاني هي السيادة على الجزء اللاعقلي. غير أن السؤال انطرح بين الأفلاطونيين فيما يتعلق برأي أفلاطون الحقيقي في تلك المسألة: هل كان يعتقد بوجود جزء شرير من الكوسموس؟ أو بأن الديميورغوس الإلهي (الذي، بحسب كتاب طيماوس الشديد النفوذ، هو الذي صنع الكوسموس) أنتج بالفعل نفسًا شريرة؟ إن كِلا هذين الظنَّين استهانا بكلِّ ما ذهب إليه المفكرون الأقدمون عن الكوسموس – أي ما هو إلهي ومنظَّم وكامل. والحل المشترك، عند الأفلاطونيين والفيثاغوريين جميعًا، كان تأويل النفس الثانية أو “الشريرة” بوصفها المادة، أي المبدأ المادي أو المولِّد، الذي هو ضد المُثُل الإلهية والسرمدية حقًّا. إن غاية المبدأ العقلي، أو النفس “الخيِّرة”، هي جعل هذا المبدأ الفوضوي تحت سيطرة العقل، وبالتالي، الحفاظ على كون دائم، لكنْ ليس أبديًّا (راجع: طيماوس، 37 د). وبما أن الكوسموس، بحسب أفلاطون فيطيماوس، لا يمكن له أن يكون في مثل كمال الصورة الأبدية التي يتأسَّس عليها، فإن مبدأ ماديًّا أو “مولدًا” ضروريٌّ للحفاظ على “المخلوق الحيِّ” (وهو بالدقة الكيفية التي وُصِفَ بها الكوسموس)، وبالتالي، فهو ليس شريرًا حقًّا، على الرغم من امتلاكه “القدرة المضادة” (النشوء، ومنه الفساد) لقدرة النفس الخيِّرة أو العقلانية.

1.3: نومينيوس الأفامي والأفلاطونية الجديدة

بعد أفلاطون بقرون عدة، حوالى الوقت الذي كان فيه المفكرون الغنوصيون العظماء (مثل فالنتينوس وبطليموس) يبسطون منظوماتهم، نصادف الفيلسوف الأفلاطوني نومينيوس الأفامي (حوالى 150 م). إن أفكار فلسفة نومينيوس الأساسية، المحفوظة في مقاطع من كتاباته التي نَجَتْ، تنطوي على بقايا لتأثير الغنوصي. وكوسمولوجياه تصف، في لغة مذهلة التشابُه مع لغة الغنوصيين، انقسام الديميورغوس الإلهي من جراء تماسِّه مع المادة مسبَّقة الوجود (الهيولى، أو المبدأ “اللامتعيِّن”):

في سيرورة النزوع إلى التَّماس مع المادة، التي هي المثنَّى، يضفي [الديميورغوس] عليها الوحدة، لكنه هو نفسه ينقسم بسببها، باعتبار أن للمادة خاصيةَ جذبٍ للرغبة epithumētikon ēthos وهي في حالة امتداد. وهكذا فإنه من جرَّاء عدم تماسه مع المعقول (مما يعني انكفاءه على نفسه)، وبسبب تطلعه إلى المادة واستخلاصه الفكر منها، يصير غير مبالٍ aperioptos بذاته. وهو يستولي على عالم الحسِّ ويرعاه، ومع ذلك يرتقي به إلى صفته ذاتها، كنتيجة لهذا الشوق إلى المادة eporexamenos tēs hulēs. (نومينيوس، مقطع 11، في ديون، 1977، الأفلاطونيون الأواسط، ص 367-368)

في المقطع السابق، ينقل نومينيوس فكرةً غنوصية أنثروبولوجية أساسية إلى نطاق الكوسمولوجيا. فمن السمات الشائعة في المنظومات الغنوصية وَصْفُ اتصال النفس البشرية الفردية مع العالم المادي باعتباره يؤدِّي إلى نسيان الأصل الحقيقي للنفس. والأفلاطونية، كذلك، حذَّرتْ من صيرورة النفس شديدة التعلق بعالم الحواس، بما أن هذا العالم متغيِّر ووهمي، ولا يعكس الألوهة عكسًا صحيحًا. غير أنه لا الأفلاطونية ولا الغنوصية رأتا في مثل ذلك الأمر خطرًا على الديميورغوس من أيِّ وجه؛ إذ إن الغنوصيين أعلنوا الديميورغوس جزءًا من الكوسموس بمقدار ما أعلنوه حاكمًا له، والأفلاطونيين الأرثوذكس عيَّنوا موقع الديميورغوس خارج الكون، معلنين أن الكوسموس مكتفٍ ذاتيًّا (لزومًا عن طيماوس، 34 ب). غير أن نومينيوس مضى إلى أبعد من ذلك ورَدَمَ الفجوة بين الكوسموس الحاسِّ والعالم المعقول بأن رَبَطَ الديميورغوس بالثاني – العالم المعقول – بواسطة المشاهدة، وبالأول – الكون الحاسِّ – بواسطة “شهوته” orexis إلى المادة. ففي المقطع 18، يخبرنا نومينيوس بأن الديميورغوس يستمد “ملَكته الناقدة” kritikon من مشاهدته للخير و”ملَكته الشهوانية” hormêtikon من تعلقه بالمادة (ديون، ص 370). تبدو هذه الفكرة كما لو أنها تؤذن سلفًا بمذهب بطليموس بأن النفس الفردية سوف تتَّصف دومًا ببعض خصائص المادة، وبأن هذه الخصائص تتجلَّى على هيئة مدرَكات حسِّية يجب أن توضع تحت التأثير المسيطر للحكم العقلاني (راجع: التاسوعات، 9.8.1 و7.1.1). وعلى غير أفلوطين، الذي يترك النفس الكلِّية أو الجزء الفعَّال من الديميورغوس آمنًا فيما يتعدَّى العالم الكوني الوجداني، يذهب نومينيوس إلى أن الديميورغوس هو، في الآن نفسه، متعالٍ ومحايث، ويصل إلى مذهب مفاده أن الكوسموس، حتى في أعلى مراتبه – مرتبة الأجرام السماوية – ليس خلوًا من تأثير شرير، بما أنه حتى الديميورغوس ذاته – الإله الكوني الأسمى – ملوَّث بوصمة تأثُّره بالمادة. “هذا التصدير للشرِّ إلى العالم السماوي هو قطعًا غنوصي أكثر منه أفلاطوني، ولم يَرُقْ لأخلافٍ من أمثال أفلوطين أو فرفيريوس، على الرغم من أن يمبليخوس قد قَبِلَه على ما يبدو.” (ديون، ص 374)

ألَّف أفلوطين، وهو في أوج سيرته التعليمية في روما (حوالى 255 م)، رسالته المُعَنْوَنَة بـضد الذين يعلنون أن خالق هذا العالم وأن العالم ذاته شرير، المعروفة أيضًا في بساطة بعنوان ضد الغنوصيين (التاسوعة 9.2)، التي يحاجج فيها تأييدًا لألوهية الكوسموس وخيره، ويأخذ باعتقاد قدماء الإغريق بألوهية النجوم والكواكب، معلنًا إياهم “أشقاءنا النبلاء”، المسؤولين عن الأشياء الصالحة فقط التي تحصل للجنس البشري. ويخبرنا فرفيريوس، في كتابه حياة أفلوطين، أن أفلوطين قد كلَّفه، مع زميله التلميذ الآخر أميليوس، كتابةَ المزيد من الرسائل التي تهاجم الغنوصيين في النقاط التي أغفلها أفلوطين (فرفيريوس، حياة أفلوطين، 16). كما يذكر فرفيريوس بالاسم رسالتين غنوصيتين اكتُشِفَتا في مصر في العام 1945 ضمن مجموعة مخطوطات نجع حمادي – زوستريانوس وألوجينس – وهما متاحتان الآن للباحثين. وتبيِّن هذه النصوص، علاوة على الرسالة المثلثة (أيضًا من مجموعة نجع حمادي)، مدى وُثوق التشابُك بين الأفلاطونية والغنوصية في القرون الميلادية الأولى.

4. خلاصة

بدأت الغنوصية بالحدس ما قبل الفلسفي الأساسي نفسه الذي قاد تطور الفلسفة اليونانية: أنَّ هناك ازدواجًا بين عالم الوجود الحقيقي القيوم، وبين عالم الصيرورة المتغيِّرة أبدًا. غير أن الغنوصيين، على العكس من الإغريق الذين كدحوا لإيجاد الرابط بين هذين “العالمين” والوحدة الشاملة لهما، ضخَّموا الاختلافات وبَسَطوا مذهبًا ميثولوجيًّا عن أصل الجنس البشري في عالم الوجود، وعن السقوط الناتج في عالم الظلمة أو المادة، أي “الصيرورة”. وقد قُيِّضَ لهذه الأسطورة الغنوصية العامة أن تؤثر على المسيحية الناشئة، كما وعلى الفلسفة الأفلاطونية، حتى إنها، في الشرق، تطوَّرتْ إلى ديانة عالمية (المانوية) انتشرتْ في معمورة آنذاك، واستمرت حتى العصور الوسطى المتأخرة [من خلال الكاثاريين]. وفي القرن العشرين، عاد الاهتمام مجددًا بالأفكار الغنوصية، وخاصة في العمل الريادي لهانس جوناس، الفيلسوف الوجودي وتلميذ مارتن هيدغِّر. كما أن عالم النفس كارل يونغ قد استلهم الثيمات الغنوصية في أبحاثه النظرية، ناهيك أن التشديد المتزايد على التأويل في فكر أواخر القرن العشرين يدين بعض الشيء إلى تحليلات الأسطورة الغنوصية وتفاسيرها التي أنجزها هارولد بلوم وبول ريكور وآخرون.

غير أن الأهم من أيٍّ من تلك الإنجازات كلِّها كان اكتشاف مجموعة كبيرة من المخطوطات الغنوصية القبطية في مصر في العام 1945، المعروفة الآن بمجموعة أو “مكتبة” نجع حمادي. وتحوي هذه المجموعة أعمالاً من المدرسة الفالنتينية، كما وعلى أعمال العديد من الفِرَق السابقة والمعاصرة لها، بما يلقي الضوء المطلوب على طبيعة وبنية الذي مافتئ إلى الآن يسمَّى، مع بعض التحفظات، “الدين الغنوصي”. وقد قادت دراسةُ تلك المكتبة بعض الاختصاصيين إلى التشكيك في وجود حركة موحَّدة تدعى “الغنوصية” أو “الدين الغنوصي”. وفي العام 1996، نشر مايكل آلان وليامز كتابًا بعنوان إعادة النظر في “الغنوصية”: محاججة لتفكيك مقولة مريبة (منشورات جامعة برنستون). فمن خلال دراسة مفصَّلة للعديد من نصوص مجموعة نجع حمادي، يحاول وليامز أن يبيِّن الاختلاف الفائق المبطِّن للنصوص التي شَمَلَها العديدُ من الدارسين تحت تسمية “الغنوصية” الجامعة، بما يلقي الشكَّ على وجود شيء كـ”الدين الغنوصي”. علاوة على ذلك، على حدِّ رأيه، فإن إطلاق مثل هذه التسمية الحديثة على هذه النصوص بالجملة يعمينا عن المعنى الأعمق لهذه الصروح العقلية المتنوعة. غير أنه تجب ملاحظة أن آباء الكنيسة الأوائل، مثل كليمنضوس الإسكندري وإيريناوس وأوريجينس وهيبوليتوس وأبيفانيوس، وحتى الفلاسفة “الوثنيين”، من أمثال أفلوطين وفرفيريوس، الذين حفظوا لنا روايات (وبعض الوثائق الأصلية أحيانًا) عن فلاسفة وثيولوجيين يصطلحون على تسميتهم “غنوصيين”، كانوا أيضًا معاصرين (أو يكادون أن يكونوا معاصرين) للعديد من الأشخاص الذين ينتقدونهم ويؤوِّلونهم – وكذلك للمدارس. من هنا فإن آراء هؤلاء الكتَّاب الذين عاصروا أفراد الفِرَقِ الغنوصية وعملوا جنبًا إلى جنب معهم، وكانوا على خلاف معهم على الأغلب، يجب أن تُعطى الأولوية على أية محاولات حديثة لمراجعة فهمنا نحن لماهية الغنوصية.

ترجمة: أسماء جلال الدين

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان and tagged . Bookmark the permalink.