وَرَقَةُ تُوت

د. بليغ حمدي إسماعيلبليغ

انتهت الجولة الأولى من انتخابات رئاسة مصر المحروسة ، وبقيت الجولة الثانية والأخيرة وهي جولة الإعادة الحتمية والمواجهة الفاصلة بين الفريق أحمد شفيق رئيس وزراء مصر الأسبق ، ووزير الطيران المدني في عهد الرئيس السابق مبارك ومرشح التيارات الليبرالية المدنية، وبين الدكتور محمد مرسي أستاذ الهندسة ، وصاحب صاحب مشروع النهضة ، ومرشح جماعة الإخوان المسلمين ورئيس حزب الحرية والعدالة وأخيراً مرشح كافة الفصائل الإسلامية في مصر وبالقطع خارجهاً أيضاً .

وأنا أعترف أنني مثل آلاف المصريين الذين أصيبوا بصداع اللافتات والملصقات الدعائية التي كان معظمها معاول هدم ضد المرشح نفسه، فكثير من هذه اللافتات الفاسدة لغوياً كانت خير دليل على بداية غير مطمئنة ، ورغم أن هذا الأمر يبدو بسيطاً لآلاف المواطنين ، ومن ناحية أخرى يبدو تافها لقطاع عريض من الشعب ، بحكم ما يعاني بعض أبنائه من لغط لغوي وثقافي وتعليمي أيضاً، إلا أن التجاهل المتعمد والمقصود منا كمواطنين تجاه هذه الصغائر في عيون البعض هو الذي يجعل هذا المرشح وفريق حملته الدعائية يظن أن المواطن كاد يدخل في غيبوبة مستدامة.

وبمجرد انتهاء جولة الانتخابات الرئاسية بدأت معارك جانبية أخرى في شتى بقاع مصر ، وبات المصريون جميعاً بغير استثناء مهمومين بقضية اختيار الرئيس القادم ، وانتهز أعضاء فريق كل مرشح في السير في اتجاهين متعارضين ؛ إما التأييد الجارف وعرض محاسن المرشح ومزايا برنامجه الانتخابي الذي أؤكد أن جموعاً غفيرة من المصريين لم يقرأوا كلمة واحدة عن البرنامجين . أو الهجوم على المرشح السابق .

وجولة الانتخابات كشفت لنا مجموعة من الحقائق المهمة في المجتمع المصري ؛ أهمها أن التوجه الأيديولوجي التقليدي هو الذي حكم المصريين في توجههم نحو صناديق الاقتراع ، هذا التوجه اتسم بالحفاظ على القيم والتقاليد المصرية في اتباع مرشح المؤسسة الرسمية وهو اختيار الفريق أحمد شفيق ، وبني هذا التوجه على أسس الحفاظ على الاستقرار الأمني والأمل الاستشرافي للاستقرار الاقتصادي ، رغم ما شابه الفريق أحمد شفيق من مثالب ومحاولات تشويه من قبل منافسيه والحركات الائتلافية الثورية وتحميله كافة ذنوب وخطايا النظام السياسي البائد ، ورغم هذه المحاولات الشرسة إلا أن الصناديق التي اتهمت بالتخوين والتشكيك من قبل التيارات الدينية جاءت بإعلانها الصارخ في وجه هذه التيارات برغبة جموع كثيرة في العودة إلى مرجعية قديمة في حكم وإدارة البلاد.

وربما أجد في أصوات المصريين التي ذهبت لصالح الفريق أحمد شفيق نوعاً من التصويت الاحتجاجي على عمل البرلمان المصري الذي جاء بأغلبية دينية ، رغم أنني أكره وأمقت هذه التسمية لأننا بالفطرة دينيين مسلمين ، ولكن هذا الأداء البرلماني الباهت والمتعلق دائماً بشماعة الحكومة هو الذي دفع المصريون إلى عقاب التيارات الدينية لاسيما الإخوان المسلمون ومن تبعهم مثل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي ظل يحاول ويثابر ويجتهد في نفي الصلة الروحية والتاريخية بينه وبين الجماعة لكنه لم يفلح وما زاد على ذلك سقوطه في فخ المناظرة السياسية الفضائية الشهيرة التي أودت به وبالسيد عمرو موسى إلى هاوية سحيقة في التصويت.

ولم يكن غريب أن تتفت أصوات جماعة الإخوان المسلمين التي حشدتهم حشداً سابقاً في الانتخابات التشريعية ، وأن يعلو صوت نضالي واعد كصوت السيد حمدين صباحي وحصده لملايين الأصوات من المصريين شأنه شأن الفريق شفيق لاسيما في معاقل الإخوان المسلمين مثل الإسكندرية والشرقية والدقهلية ، فكثير ممن ذهبوا إلى لجان الاقتراع وهم مصممون على انتخاب أي مرشح غير إخواني ، كانوا يحلمون أن يشاركهم نائب إخواني في الاحتفالات الدينية داخل مكان العبادة ، لكنهم  لم يشاهدوه يصطف بجوارهم. أما على مستوى الارتقاء بالدولة المدنية ، فكانوا يحلمون بأن يخرج عليهم نائب إخواني أو بتقديم تصور واضح للتعامل مع الآخر ، لا مثل الذي حدث بإحدى محافظات الصعيد من التقرب إلى رجال الدين المسيحي وقت الانتخاب ، أو الذي وضع شعر الهلال والصليب متلاحمين وقت الدعاية الانتخابية.

إن الأمر بدا واضحاً وجلياً ، وهو سقوط المنتمين للجماعة تصويتياً التي كانت محظورة مثلما اجتهدوا في جعل الحزب الوطني منحلاً أيضاً في الجولة الأولى من الإنتخابات الرئاسية رغم تفوقهم في نسب التصويت بين المرشحين وإن كان خافتاً مقارنة بنسب تصويت الانتخابات التشريعية ،  وتعالي نداءاتهم المتكررة بوجود نظرية المؤامرة التي كانوا ينادون بها مشيرين للغرب بوجهه القبيح  ، أما هذه المرة فهم يلوحون إلى الداخل ، ويؤكدون على قيام حركة سياسية موجهة ضدهم ، رغم أن الشارع وحده هو الذي اختار من يمثله، وكأنهم يعلنونها صراحة بأنهم لا طاقة لهم بانتخابات وطن يأبى أن يحتضر.

لقد آن الآوان أن يعي المنتمون إلى جماعة الإخوان المسلمون بأنهم شركاء في هذا الوطن ، دون الاهتمام بأية تحركات سياسية لخدمة مصالحهم فقط ، بل عن طريق الانخراط في الحياة الاجتماعية بصورة مدنية جماعية لا تعرف للمغالبة سبيلاً ، وليست صورة وهيئة دينية تدغدغ مشاعر العامة والبسطاء وتعدهم بجنة على الأرض دون مقدمات ، لأن بمصر هيئة دينية لها صفة العالمية وهي الأزهر الشريف ، الذي يعمل جاهداً بشيخه المستنير على تنوير العقول التي أصبحت أكثر ظلامية .

وفي جولة الإعادة التي سننتظرها بإذن الله ستنكشف كل الوجوه القديمة التي يعرفها البعض ويغيب عنها كثيرون ، وكم هو غريب أنه في الوقت الذي يعلن فيه الفريق أحمد شفيق أنه سيفتح باباً جديداً وصفحة بيضاء مع كافة القوى الثورية والسياسية نجد على الشاطئ الآخر جماعة الإخوان المسلمين تتشدق بعبارات كتاب السياسة القديم مثل الفلول وموقعة الجمل التي يؤكدون على تورط الفريق شفيق فيها رغم تبرئة القضاء له وإعادة إنتاج نظام مبارك ، وغير ذلك مما يدعونا أن نفكر في الماضي.

وبهذا المنطق الاسترجاعي فإن ماضي الجماعة يملؤه الاغتيالات السياسية والتصفية الجسدية والتنظيمات السرية والبيعة على المنشط والمكره ، ورغم ذلك لم يتحدث الإعلام عن ذلك لأن ما يهمنا هو حاضر البلاد ومستقبلها ، فهل يفكر الإخوان في مستقبل مصر بمنطق المستقبل أم أنهم وقفوا في قطيعة ضده ؟ .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل. Bookmark the permalink.