في الطريق إلى الرئاسة – 2

“وثيقة العهد”: رهانات خاطئة لحماية الحقوق المدنية

أشرف راضي

في خطوة متأخرة، اجتمع عدد من الأحزاب السياسية، بمشاركة اثنين من مرشحي الرئاسة الخاسرين هما خالد على وعمرو موسى، لمناقشة الفترة القادمة بعد ظهور نتائج الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة وصعود المرشح المستقل، أحمد شفيق، ومحمد مرسى، مرشح جماعة الإخوان المسلمين لجولة الإعادة. وطرح المجتمعون وثيقة عرفت إعلامياً باسم “وثيقة العهد”، لعرضها على المرشحين المتنافسين وتحديد الموقف منهما في ضوء ما سيقبله هذا المرشح أو ذاك للشروط والضمانات التي تضمنتها الوثيقة.

كان من الأولى عقد هذا الاجتماع قبل الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة. وكان من الأجدى أن تطرح بعض من هذه الشروط، على الأقل في صيغتها العامة، على جميع المرشحين الذين خاضوا الجولة الأولى. وربما كان من الممكن  أن تتخذ هذه المجموعة، إذا كانت تؤمن حقاً بالدولة المدنية، خطوة أفضل لو أنهم تبنوا نهجاً مختلفاً في التفكير، ولو كانوا يقفون حقاً على مسافة واحدة من المرشحين اللذين سيخوضان الجولة الثانية.

ولكن هذا هو ما طرحوه في حدود قدراتهم على المناورة السياسية، في مجتمع ونخبة حديثي العهد بهذا النوع من العمل السياسي، وما زالا يخلطان بين المشاعر والتفكير العقلاني المستند إلى المصالح. ولو أدركوا أن المصالح والمصالح فقط هي القاعدة الأولى التي تحكم سلوك الناخبين، لانتهوا إلى مبادرة مختلفة. ولعل أخطر ما في هذه المبادرة هو اعتقاد هذه المجموعة بأنها تسيطر على كتلة من الأصوات قادرة على توجيهها بما يرجح كفة هذا المرشح أو ذاك، أو في مقدورهم سحب الثقة متى شاءوا؟!

لن أجهد ذهني كثيراً في التفتيش عن أساس هذا الاعتقاد، فالجري وراء الأوهام والتصورات الساذجة من أكثر الأمور إجهاداً للذهن. ولكن ما يستحق التفكير حقاً هو تحليل هذه المبادرة وما تنطوي عليه من مخاطر ناجمة عن تردد قطاع من النخبة المدنية وتشوش الرؤية وعدم القدرة على تذكر حتى الحوادث القريبة. قد يكون ضعف الذاكرة بتأثير عامل التقدم في السن، وقد يكون الأمر ناجماً عن تحكم مشاعر الحب أو الكراهية وغلبتها على القدرة على التفكير المجرد، فالكراهية كالحب تصيب الإنسان غالباً بفقدان القدرة على البصر والتبصر فيما يقدم عليه خطوات وما يتخذ من قرارات.       

المشكلة الرئيسية المتعلقة بهذه الوثيقة إنما تتمثل، في تقديري، في أنها ترهن مصير الدولة المدنية، بل وترهن  مستقبل مصر كله، في وعد سيقدمه هذا المرشح أو ذاك بالالتزام بالشروط والضمانات الواردة في الوثيقة تحديد الموقف من المرشحين اللذين سيخوضان جولة الإعادة بناء على عدد الشروط أو الضمانات التي سيتعهد بالالتزام بها، وفي المقابل يحصل المرشح الذي سيعلن استعداده لتطبيق “وثيقة العهد” مباشرة وبتعهد واضح أمام الشعب على تأييد ودعم الموقعين من أحزاب وقوى وشخصيات عامة.

هذا في تقديري رهان خاطئ لعدد من الأسباب أولها أن الوضع الراهن في مصر يتسم بدرجة من السيولة الشديدة التي تعذر معها الاتفاق على قواعد لصياغة دستور جديد، مما أدى إلى تعطل عملية وضع دستور جديد في وقت مناسب، فصرنا ننتخب رئيسا لا يوجد دستور يحدد صلاحياته، ولن يفلح ما يقترح من تعديلات تجرى على الإعلان الدستوري في تصحيح هذا الخلل، كما أنها لا تكفي لإزالة الغموض الذي يكتنف المنصب، علاوة على أن منصب الرئيس ووضع البرلمان يكتنفهما غموض شديد ناجم عن عدد من القضايا المنظورة أمام المحكمة الدستورية.

فكيف يمكن لرئيس لا يعرف صلاحياته بعد أن يقدم على تقديم تعهدات لا يعرف إذا كانت تندرج ضمن صلاحياته؟ وهو سؤال لا ينشغل به سوى من يتحرى الصدق فيما يقول وفيما يفعل، وهو أمر يعلم من يتابع الحملات الانتخابية في بلادنا وما يقطع فيها من وعود أنه نادر إن لم يكن غائباً، فالصدق ليس من القيم العليا التي تشكل معياراً رئيسياً لمحاسبة السياسيين وعزلهم، وما أكثر حملات شباب الثورة في الآونة الأخيرة التي رفعت شعار “كاذبون”.

كذلك، تتجاهل هذه المبادرة طبيعة المرحلة الانتقالية وما تطرحه من تحديات، وتتغافل عن الخبرة القريبة والمباشرة، لاسيما فيما يتعلق بالوعود التي قدمتها جماعات سياسية ثم تنكرت لها وقدمت مبررات للتراجع. وكان لهذا، في رأي كثير من المراقبين، تأثير في التصويت العقابي لجماعة الإخوان والمتوقع استمراره في جولة الإعادة، ولن تفلح حملة الكراهية التي تدار ضد المرشح أحمد شفيق، ولن يفلح التركيز على أنه من “فلول” النظام القديم  ولا المزاعم التي لا يمكن أن يصدقها ساذج في أنه سيعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير 2011 وكأن شيئاً لم يحدث، في تغيير هذا الأمر، فسياسات الجماعة أدت إلى نفور قطاعات عريضة من المجتمع منهم ولن تستطيع الأموال التي ينفقونها في تعويض خسارتهم التي تزداد يوماً بعد يوم.   

وفيما يتصل بالوعود يكفي، في سياق المقال، أن نشير إلى ما حدث من تبدل في المواقف في إطار صيغة أحزاب التحالف الديمقراطي التي نشأت كفكرة، في إطار الترتيب للانتخابات البرلمانية وكأساس لصيغة الحكومة الائتلافية التي ستقود البلاد خلال المرحلة الانتقالية. نشأت الفكرة بين جماعة الإخوان المسلمين وحزب الوفد وانضم إليها عدد من الأحزاب الإسلامية والأحزاب المدنية. وانهارت هذه المحاولة سريعاً بانسحاب حزب الوفد أولاً ثم بانسحاب الأحزاب السلفية والإسلامية، واقتصر الأمر في النهاية على حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للإخوان وعلى عدد من الأحزاب الصغيرة، مثل حزب غد الثورة وحزب الكرامة، التي قبلت بأن تخوض الانتخابات تحت راية الإخوان المسلمين وحزبهم، وبما منحته الجماعة وحزبها لهم من مواقع على قوائمها.

ونشير أيضا إلى الوعود التي قدمها الإخوان المسلمون بعدم خوض انتخابات الرئاسة، بل وإقدامهم على تجميد عضوية عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي في الجماعة لخروجه على قرارها بإعلان نيته الترشح للرئاسة ثم عودتهم لطرح خيرت الشاطر كاختيار أول ومحمد مرسي كاختيار ثانٍ. حينها قدمت الجماعة مبررات لم تقنع حتى قيادات في الإخوان ولا قطاع لا بأس به من جمهور المتعاطفين.

أما عن التزام الجماعة بالأساليب الديمقراطية في التعامل، فلا يصمد أمام تعاملها مع شباب الإخوان الذين كانت لديهم وجهة نظر تختلف مع مكتب الإرشاد، ولا تصديها بالعنف للمظاهرات التي خرجت ضدها عند مجلس الشعب ولا في تعاملها مع الشباب الذين عبروا عن احتجاجهم أثناء مؤتمر انتخابي لمرشحهم الرئاسي في جامعة المنصورة. العنف كان الوسيلة الأساسية في التعامل مع معارضيها.

وبعيداً عن رفض احتمال، مجرد احتمال، تأييد مرشح الإخوان للرئاسة، لا يوجد خلاف حول ما تضمنته الوثيقة من شروط ومبادئ وضمانات بشكل عام، إلا من حيث مدى معقوليتها، وما إذا كانت ستساهم في التخفيف من حدة حالة الاستقطاب التي عمقتها نتائج الجولة الأولى، وهل ستساهم في حل الأزمة السياسية أم أنها ستزيدها تعقيداً. إلا أن الخلاف الرئيسي الذي يمكن إثارته إنما يتصل بالمنطق الذي قامت عليه الوثيقة، ويتصل كذلك بتجاهلها لعددٍ من المبادئ والحقائق الأساسية.

بداية، وضعت الوثيقة عدداً من الشروط في مقدمتها الحفاظ على مدنية الدولة، والتأكيد على رفض كل من الدولة الدينية والعسكرية. وبهذه الصيغة، تحاول أن تؤكد أن الدولة المدنية نقيض لكل من الدولة الدينية والدولة العسكرية، غير أن الصيغة بهذا الشكل غامضة وتنطوي على خلط يتغافل عن عدد من الأمور المهمة في مقدمتها أنه لا يوجد شيء اسمه دولة عسكرية وإنما هناك حكم للعسكر، أما ما تطرحه جماعة الإخوان المسلمين فيتجاوز مسألة حكم الدولة إلى وضع تصورات لشكل الدولة وعلاقتها بالشريعة. فهناك تصور محدد لشكل الدولة التي يتطلع الإخوان إلى إقامتها ولعلاقتها بالمواطنين، أفراداً وجماعات، علاوة على دورها في الداخل والخارج.

فالمسألة عندهم مسألة تتجاوز نظام الحكم إلى شكل الدولة التي يعتقدون أنها تستند إلى أسس شرعية ومفاهيم فقهية مستمدة من الدين وتعاليمه كما يفسرونها. فضلاً عن وجود الجماعة ذاتها بهيكلها القيادي إلى جانب الحزب السياسي وهيكله القيادي وغموض وضعها القانوني إنما يشير إلى صيغة تقوم على مستويين لهياكل السلطة قريب الشبه بالصيغة الإيرانية القائمة على تركيز السلطة في أيدي مجموعة قليلة من رجال الدين الذين يحتلون مناصبهم بالتعيين ويمارسون دوراً رقابياً على المؤسسات المنتخبة. ولعل هذا هو المعنى المحدد والمباشر لما تقصده الجماعة بمسألة المرجعية الإسلامية (الدينية) للدولة المدنية، حسب الصيغة التي طرحوها لفترة  من الوقت.

والمقارنة التي يحلو للبعض عقدها بين الحالة التركية والحالة المصرية قد تكون خادعة. فالاختلاف بين الحالتين واضح من حيث التطور التاريخي والترتيبات المؤسسية. كما أن الدولة في مصر في حالة من السيولة والتفكك تسمح للجماعة بمساعدة تحالفات وتفاهمات دولية الاستيلاء على أجهزتها وإخضاعها لإرادتها وتوظيفها لتصفية المراكز المناوئة في المجتمع. وهذا الوضع ليس ناجماً عن ضعف الدولة المركزية في مصر، وإنما ناجم عن الضغوط التي تتعرض لها الهياكل المؤسسية وتآكل مصادر الشرعية، فهياكل الدولة المركزية قوية وراسخة ويمكن استدعاؤها عن الضرورة لإخضاع المجتمع. ولا توجد مراكز ممانعة قوية داخل الدولة رغم محاولة منظري الجماعة الإيهام بأن في مصر دولة عميقة مثل الدولة العميقة في تركيا، وهذا ضرب من ضروب الخداع في إستراتيجية الإخوان للتمكين.

ومن اللافت حقاً أنه بينما تضمنت بنود الوثيقة بنداً واضحاً يتعلق بالتزام مؤسسة الرئاسة بالإبقاء على نص المادة الثانية في دستور 1971 كما هو دون تغيير مع الالتزام في الوقت بالتفسيرات التي أقرتها المحكمة الدستورية العليا في أحكامها المتعاقبة، فإنها لم تبد الحرص نفسه على الالتزام بنص المادة الأولى من الدستور ذاته التي تقر بمبدأ المواطنة، وتلزم مؤسسة الرئاسة بالعمل على تفعيلها تشريعيا ومؤسسياً. أي أن الوثيقة قدمت تنازلاً يرضي الإخوان دون أن تحصل على تنازل مقابل بإلزامهم باحترام المواطنة التي هي أساس من أسس الدولة المدنية الديمقراطية.

كل ما حاولته الوثيقة هي أنها حاولت تمرير بعض الاقتراحات التي تضمنتها وثيقة علي السلمي التي طرحت الصيف الماضي ورفضتها القوى السياسية ذاتها وقدمت لجماعة الإخوان خدمة بتمهيد الأرض لانفرادها بعملية وضع الدستور دون أن تحصل هذه القوى على مقابل.

في تقديري، فإن الموقف الصحيح الذي كان يتعين على هذه المجموعة التي استضافها الحزب المدني الديمقراطي أن تأخذ موقفا واضحاً وحازماً من جماعة الإخوان المسلمين ودفعها إلى الانتقال من الموقع القيادي الذي احتلته عبر سلسلة من الصفقات مع المجلس العسكري وأجهزة الدولة والطعنات للقوى السياسية إلى أن تكون شريكاً لها في النضال من أجل الدولة المدنية الديمقراطية.

ولن يتحقق هذا إلا من خلال الحفاظ على وضع لتوازن فعلي للقوى بالحيلولة دون استحواذ الإخوان المسلمين على منصب الرئاسة، وفي هذا الضمانة الأكيدة لما تتطلع “وثيقة العهد” إلى تحقيقه وعلى نحو لا يمكن للإخوان الارتداد عنه والتنكر له.

لا أعرف سبباً في إصرار القوى المدنية على أن تلدغ من ذات الجحر عشرات المرات سوى افتقارها إلى معايير سليمة للحكم على الأمور، والانسياق وراء المشاعر وتغليبها على العقل، والتركيز على المصالح الصغيرة والحصول على مناصب والانشغال بذلك عن المخاطر المحدقة والتغاضي عما يتردد عن تفاهمات واتفاقات غير معلنة أبرمها الإخوان المسلمون مع قوى إقليمية ودولية على حساب المصالح الوطنية. يُضَاف إلى هذا كله رغبة في تصفية حسابات الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة.

إنها الرغبة في الهروب من مواجهة مع لحظة الحقيقة  التي أسفرت عنها نتائج المرحلة الأولى بالهروب إلى الأمام عبر مثل هذه المبادرات دون تبصر إلى أي هاوية قد تسقط فيها البلاد ونسقط معها لعقود نتيجة مثل هذه المغامرات غير المدروسة.. في مثل هذه اللحظات الدقيقة قد يكون من الضروري من يتقدم لوضع الجرس في رقبة القط، فهل من مستمع وهل من عاقل يتدبر إلى أين تأخذنا هذه المغامرة؟  

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in اشرف راضي. Bookmark the permalink.