باروخ اسبينوزا

إعداد: عبدالله كرمون

“أستطيع تحمُّل فكرة أن تنخر الديدان عما قريب جسدي، غير أنني أرتجف وأنا أتخيل أن ينخر فلسفتي معلمو الفلسفة.” مستشعرُ هذه المخاوف هو شوبنهاور، وجوزيف ماسي -سكارون هو من ذكَّرنا بها في افتتاحية لوماغازين ليتيرير بداية هذه السنة الجديدة، دون أن ينوي مواصلة الحديث عن هذا الفيلسوف، الذي شهد أنه نجا مما كان يخشى منه، وإنما ليثير فيلسوفًا آخر أحاط به القراض من كل الجهات، مبرزين أنيابهم ليبعثروا معنى فلسفته. إنه اسبينوزا. أشار جوزيف إلى أن هَمَّ المجلة هو جعل هذا الفيلسوف في متناول عموم القراء، دون إغفال ما يشوب فلسفته من تعقيد. إذ يجب تجنب المعرفة المتأتية من السماع بمعناه السلبي، أي مما يشيع بين الناس دون سند متين، في العلاقة مع نظرية اسبينوزا نفسه حول الواقع والخيال بخصوص المعرفة.

طفق اسبينوزا، كما أورد ماكسيم روفير، يُبعث من تحت ثقل الأساطير التي طالما غلَّفته. إذ توالت، في أيامنا هذه، إصدارات معاصرة لأعماله، ترجمات وشروحات. حيث تألقت من جديد متعة القراءة وشاع زهو التفكير. فما طالب به اسبينوزا الفلسفة، لم يكن بالضرورة هو إيجاد حل للألغاز الميتافيزيقية التي تلفُّ الإنسان والكون، وإنما منهجًا للمعرفة والفعل. أراد أن يحدث ثورة في علاقة الإنسان بالنص – من هنا تفريقه ما بين الفلسفة والدين، إذ يتشكل كلٌّ منهما أيضًا من نصوص أدبية – كطريقة في التفكير وفي القراءة والكتابة، وهما أيضًا طريقا الخلاص. فإذا كان الأول، أي الفلسفة، طريق “العلماء” في استعمالها للعقل، فإن الثاني، الدين، هو طريق “الجهلة” المعد للذين يرضخون للتعاليم بشكل أعمى.

فمن يكن اسبينوزا إذن؟

إنه باروخ اسبينوزا (ويطلق عليه أيضًا بينيديكتوس دو اسبينوزا) المولود يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1632 بمدينة أمستردام الهولندية، من أب برتغالي يهودي يمتهن تصدير واستيراد التوابل والفواكه الجافة. تعلَّم العبرية ولكنه لم يتابع دراساتها العليا، ما فوَّت عليه دراسة التوراة. خلف والده في التكفل بشؤون تجارته لزمن قصير. ثم طرد فيما بعد من الطائفة اليهودية وفرض عليه عدم الاتصال بأفرادها جميعهم. ويروى عنه أنه تعرض لمحاولة اغتيال، واحتفظ بردائه الذي مزقته ضربات الخنجر، مستدلاً به، كلما سنحت له مناسبة معينة، للتأكيد على أن الدين يؤدي إلى الجنون!

اتهم بالإلحاد وبإنكار كل الديانات أثناء إقامته بمدينة فوربورغ. مات سنة 1677 بعدما عانى طويلاً من داء السل الرئوي المتوارث في عائلته. وقد أنجز خلال هذا العمر القصير (45 سنة) ما شكَّل ما سماه هيجل النقطة الحاسمة والمركزية في الفلسفة الحديثة.

يجدر بنا التذكير بأن اسبينوزا، وإن كان هولنديًّا، قد حرَّر كتاباته باللغة اللاتينية، التي تعتبر حينها، كما هو معروف، اللغة العالمية لفطاحل الشأن العلمي. لم يتخرج من أية جامعة لكنه تعلَّم اللاتينية في مدرسة فان دين إيدن الحرة. وقرأ أهم الكتاب اللاتينين، ونجد أثر ذلك بوضوح في كتاباته، على شكل استشهادات متكررة، مع تأثره البالغ بتيرونس على وجه الخصوص.

التقى في تلك المدرسة، على ما يبدو، بصديقيه الأكثر قربًا منه وهما لودفيدج مايير ويوهان بوفميستر، وقد كان الأول هو من عهد له اسبينوزا بمهمة مراجعة كتابه عن ديكارت، كما عمد، بعد رحيل الفيلسوف، إلى نشر مؤلفاته الأخرى بما فيها الأخلاق. أما الثاني فقد كان قليل النشر، ويذكر له أنه ترجم من اللاتينية إلى الهولندية مذ ذاك كتاب حي بن يقظان لصاحبه ابن طفيل الذي لا يجهله أحد منا.

ركز بييت ستينباكرس في البدء على خصوصية أسلوب اسبينوزا الفلسفي، مؤكدًا على شعريته وتأثر الكثير من الشعراء والمفكرين وإعجابهم به، وذكر أسماء هامة بدءًا بنوفاليس وانتهاء بمالامود. وأشاد بهاينريش هاين الذي وصف كتابة الفيلسوف بأنها تشبه ثمرة اللوز، فما يغلف استدلالات اسبينوزا الرياضية وصلابتها يخبئ في الداخل طراوة هائلة. بدءًا بتحريه حول فكرة الإله (الذي يعني الطبيعة هنا) وصولاً إلى الحرية والسعادة الإنسانيتين كهدف. ما يطالعنا كثيرًا في تسلسلاته المنطقية المعروفة. فهو ينتهج النسق الهندسي الأقليدي في مجمل براهينه، ليس فقط لأنه لا يحتمل الدحض، إذ استعمله أيضًا في خلافه مع فلسفة ديكارت وهو يعرض بشكل هندسي مبادئ فلسفة هذا الأخير، وإنما لأن النسق الفلسفي، كما كتب، لا يمكن إلا أن يعيد تخطيط نظام الطبيعة الذي تزعم الفلسفة الإحاطة به.

تُظهر لنا استنتاجات الاستدلالات كيف أن كل شيء يصدر بشكل منتظم وضروري عن قوانين الطبيعة. يبدأ التعريف الأقليدي بعرض بعض المبادئ؛ من تعريفات ومسلمات، والتي يرتكز عليها البنيان كله ولا يمكن الاستغناء عن أية فقرة مشكلة للسلسلة بأكملها. إضافة إلى ما تشكله الحواشي، التي وضعها بنفسه، من تسلسل منطقي آخر مواز، – في حين كان رياضيون آخرون هم من وضعوا حواشي “عناصر” أقليدس – إلى درجة أن جيل دولوز – الذي يسمي اسبينوزا أمير الفلسفة – اعتبر أن كتاب الأخلاق لسبينوزا هو، في الحقيقة، كتابان: الأول يشكله الاستدلال الخطي المركزي والثاني تؤسسه الحواشي في برهنتها المتقطعة.

بغض النظر عن كتاب الأخلاق فقد نشر اسبينوزا أيضًا، ضمن كتب أخرى، كتابا سماه المبحث الديني-السياسي والذي سعى فيه إلى الدفاع أكثر عن حرية التفلسف. وإن انشغل فيه بدراسة الكتاب المقدس وكشف أسرار رسالته، ليخلص في الأخير إلى التفرقة الراديكالية ما بين علاقات السياسي والديني. وبفضل هذا لقي الكتاب حينها صدى طيبًا في فرنسا، على عكس كتابه الأول. وكان، نظرًا لإشادته فيه بحرية التفكير، أكثر كتبه حظوة لدى فولتير.

ظلت فلسفة اسبينوزا فريسة المعلقين عليها والمؤولين لها منذ سنة 1677 تاريخ حدثي وفاته وصدور أعماله الكاملة، كما أتى ماكسيم روفير على ذلك، إذ سيسعى كل واحد منهم إلى تدبر تقريب فلسفته إلى مشروعه الفكري، أو الذي يتبناه. من هنا كان من الأَوْلَى أن تنسب إليه عبارة شوبنهاور التي استهللنا بها هذا التركيب. وإن لم يكن هناك من سوء في أغلب تلك المقاربات.

تمكَّن مفكرون من أمثال جيل دولوز (المعروف بمحاضراته حول الفيلسوف في جامعة فانسان الباريسية بداية الثمانينيات)، أليكساندر ماثورون، وبعض تلاميذة ألتوسير مثل بيير ماشوري، بفضل تعاليقهم، من إدخال سبينوزا إلى حلقة الفلاسفة الكبار. وكان ما يشغلهم حينئذ هو فهم كيفية تغيير المجتمع، مع تحديد، استنادًا إلى اسبينوزا، دور الفكر بشكل عام، والفلسفة بشكل خاص، في التاريخ. في حين ظلت مقاربته اليوم شخصية ومحلية.

يقترح روفير قراءة اسبينوزا عبر مقاربةٍ لا تعتبر فكرةً معينة حقيقية إلا إذا كانت تُحدث حقًا الأثر الذي ننتظره منها. كتب: “لا تكمن قوةكتاب الأخلاق إذن في بسط الحقائق حول الطبيعة والانفعالات الإنسانية، وإنما في تتبع آلياتها الذاتية سعيا إلى تغيير ذهنية القارئ بشكل تدريجي. لأنه إذا ما بدأنا نفهم كيف يشتغل انفعال ما فإنه سيتحول إلى فعل”. ذلك أن اسبينوزا لم يحاول أن يصف في الأخلاق الواقع، بشكل موضوعي، نهائيًا.

فإذا كان فكر اسبينوزا في الأخلاق يلوح على أنه نسق صارم مثل استدلال رياضي، فهو ليس، في واقع الأمر، من ذلك في شيء، لأنه “كتاب بلا مذهب”.

وتناول أنطونيو نيغري في مقال سبق أن نشر منذ أكثر من عقد على صفحات المجلة نفسها، المراجعات التي أُلحقت في نهاية الستينيات بتأويل السبينوزية القديم والذي بُني على القراءة التي قامت بها الرومانسية الألمانية من جهة وتلك التي أدلى بها الفيلسوف هيجل من جهة أخرى. مراجعة الفكر وتحديدًا تجربة الملازمة، ما يفضي إلى إمكان التقاء الضرورة والحرية. ثانيًا: تصور الغائية، بتحرير الغاية المنطقية من كل افتراض ميتافيزيقي. أما المراجعة الثالثة فهي سياسية، تؤسس لحكم ديمقراطي. وكانت الرابعة ميتافيزيقية ودينية والتي فسحت المجال لاستخلاص الخامسة والأخيرة التي انصبت على تناول فكرة المادية.

أثار فيليبو منيهو قضية الإله في فلسفة اسبينوزا، مؤكدًا على اعتراف هذا الأخير بوجوده، غير أن طبيعته مخالفة للكيفية التي يقدمه بها الدين. إذ تسعى فلسفته في هدفها الأسمى إلى تبيان شروط حياة إنسانية كريمة، مطمئنة وحرة قدر الإمكان، خليقٌ بها أن تُعاش.

لم يوظف اسبينوزا مفردة “الرب” إلا لكي يتفاهم ويتواصل مع قرائه، حيث أن المعنى الذي يمنح لها مغايرٌ تمامًا لما هو متعارف عليه في سياق الدين المسيحي الغربي. وكان يدل به لدى استعماله لهذا المصطلح أول الأمر على مبدأ كل شيء أي اللانهاية المطلقة، ما أراد به فيما بعد الجوهر الحقيقي أي المادة المطلقة.

انكفأ لييبنز، ربما في العلاقة مع هذه الأفكار نفسها، على أعقابه، وصار يهاجم فلسفة اسبينوزا التي سبق أن كان من حملة مشعلها، قبل أن يتعمق فيها جيدًا. مع أن اسبينوزا كان استضافه في بيته، وتداولا طويلاً حول برهنة وجود الله معًا وحول قوانين الحركة ومجمل الإشكاليات التي تطرحها الفيزياء الديكارتية، ودارت بينهما مراسلات عديدة، نذكر منها رسالته إلى اسبينوزا حول البصريات.

أورد موغينس لارك، كون لييبنز قد وصف اسبينوزا بأنه خطير وأن أفكاره غامضة وعقله أخرق. وضرب على ما قاله مثالاً بالمقطع التالي: “يفكر الرب لكنه لا يملك إرادة ولا إدراكًا. فالأشياء تحدث حسب ضرورة قدرية معينة. ولا يتصرف الرب وفق غاية معينة ولكن حسب ضرورة من ضرورات الطبيعة”.

يلزم التذكير، في الأخير، بما ذهب إليه بيير فرونسوا مورو، بشأن المشاكل التي أحاطت بترجمة اسبينوزا، خاصة فيما يتعلق باللغة اللاتينية التي دبج فيها مباحثه الفلسفية، والتي تختلف تمامًا حسب علماء فقه اللغة، عن لاتينية القرن العشرين التي تستعيد اللغة القديمة. كل هذا سبَّب في جر المترجم إلى اقتراف تحريفات في المضامين خاصة عندما يختلق مصاعب متخيلة. أما كارل جيباردت فقد انساق، أكثر من ذلك، في ترجمته إلى تعديل وتصحيح وإتمام النص. لذلك ليس هناك ما هو أفضل من العودة إلى النص الأصلي منه إلى إضفاء تحسينات لدن ترجمة متسرعة ساعية إلى إعادة البناء عوض النظر، بكل بساطة، في المتن المكتوب. وقد قدم مورو عدة أمثلة مقنعة على ما ذهب إليه.

كانت مداخلات الملف مع ذلك مبعثرة ولم توفق في تقديم أهم الخطوط العريضة لفلسفة اسبينوزا، مخلفة بذلك وعد المجلة، إذ تفرع أغلبها، كل منها في جدال متعلق بجانب من جوانب عالم اسبينوزا. حاولت، وفي ابتسار، غالبًا، تقريب القارئ ولو من شبح اسبينوزا. دون إغفال كون فلسفة الرجل صعبة وما يزال يكتنفها غموض مدلهم. ألم يكن هو من استشهد مرارًا بعبارة أوفيد التي مفادها: “أرى الأمثل وأستحسنه، فأقوم بالأسوأ!”.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان. Bookmark the permalink.