عنصرية المجتمع المصري

أيا الجوهري

 منذ شهر قرأت مقالة بعنوان “يوميات مصرية سوداء” كتبتها إمرأة مصرية إسمها “فاطمة إمام”
لم تثِر دهشتي هذه المقالة نظراً لواقعيتها فالثقافة الغالبة في المجتمع هي فعلاً عنصرية

دعوني أفند ذلك في هذه السطور القليلة
لأن مصر هي أم الدنيا فنجد فيها كل الأشياء وكل النقائض فهي ام الدنيا لذا تستأثر بأشكال عدة من العنصرية
لعلها كل أشكال العنصرية التي أعرفها

أولاً عنصرية اللون..
فالشعب المصري لديه هذا النوع من العنصرية تجاه اصحاب البشرة السوداء
رغم أن المصريين ليسوا أصحاب بشرة بيضاء فهي في الغالب تميل للون القمحي كما يقولون أو الخمري
ومع ذلك يميلون للعنصرية والتفرقة على اساس لون البشرة
ونجد عنصرية وتمهميش للمصريون في الجنوب وبالأخص القبائل النوبية
الذين أراهم أنهم أصل مصر الفرعونية
فنجد أصحاب البشرة السوداء يعاملون بإحتقار وكأنهم عرق أقل
لا أفهم فعلاً سبب هذا الأسلوب في التعامل وأن تكون لفظة “أسود” هي سبة
ولماذا الجميع يتغاضى عن هذا النوع من العنصرية والذي هو موروث ثقافي لايزال قائم في ذهن الجميع
والأمر يصل إلى أن البعض يضع “اللون الأبيض” شرط من الشروط الواجب توافرها في شريك حياتهم
ما روته السيدة “فاطمة إمام” هو حقيقي مائة بالمائة
فعندما تمر فتاة سوداء الجميع يتهامسون “شكلها من جنوب إفريقيا، أكيد مش مصرية….إلخ ” رأيت مواقف عدة على هذه الوتيرة والأمر يزداد إذا كانت فتاة
وعندما كنتُ بالمدرسة إذا كان في الفصل زميل لهم أسود ينعتوه بـ “فلان/ة الاسود/السودة” لإهانته لم أفهم سبب هذا الأسلوب ولكني أرى أنه موروث ثقافي ورثه الأطفال من المجتمع الذي نشأو فيه
هل الجنسية المصرية قاصرة على اصحاب البشرة القمحية او البيضاء؟ أم ماذا ولماذا هذه النظرة العنصرية
صدقت فاطمة عندما قالت “عليك ان تكون رجُل، مسلم، أبيض لكي تعيش في القاهرة” وهنا هي أدخلت نوعان آخرين من العنصرية سوف أتحدث عنها فيما يلي
ثانياً العنصرية الدينية..
الجميع يعلم بأن غالبية الشعب المصري مسلمي الديانة وهنا نجد نوع آخر من العنصرية هو في الثقافة العامة لدى الناس أيضاً
هُناك عداء بين طائفتي المجتمع لا أعرف سببه فمنذ أن كنت بالمدرسة قالت لي زميلة لا أذكر اسم المدرسة ولكنها قالت لي “إخيييه المدرسة دي مسيحية شوفتي الصليب اللي لابساه؟!!” نظرت إليها وسألتها “يعني إيه صليب وإيه المشكلة في كدا!!” وقتها لم أكن أعرف شئ عن مقدسات الأخرين ولذا لم أكن أعرف ما هو الصليب
ولكني لم أفهم سبب إستياء هذه الفتاة من المُدرّسة
وكنت أجد عبارات يتم تداولها دائما مثل “المسيحيين دول ريحتهم وحشة، ماينفعش حد ياكل عند مسيحيين أو يشتري أكل منهم” هذا بجانب الفصل في حصص الدين والتهامس العيال دول مسيحيين
ووجدت أن الغالبية من المسيحيين لا يصادقون إلا من بعضهم ومنغلقين على أنفسهم
لدرجة أنني في وقت من الأوقات وصلني شعور بأن عقيدتهم سرية غير مسموح بإعلان تعاليمها أو الحديث عنها أو الجهر بها وأنهم ينزعجون إذا حاول أحد أن يسألهم في أي شئ يخص عقيدتهم
إن الشكل العام للوحدة الوطنية الذي يدعيه المصريون هو شكل ظاهري فالجار الذي يبتسم في وجه جاره المختلف عنه في الديانة هو يكرهه من ورائه
وجدت ذلك في أغلب العلاقات التي رأيتها بين مختلفي الديانات
أجد أن الإثنان راسخ في ذهنهم العداء للطرف الآخر
ثالثاً التمييز الجنسي..
العنصرية والتمييز ضد المرأة هو اساس تقوم عليه تقاليد المجتمع المصري وعاداته الموروثة
ولا داعي للحديث بإسهاب عن هذا النوع من العنصرية لأن الجميع يدركه جيداً
المرأة في مجتمعنا المصري ليست إنسانة حرة بل هي شئ لا يملك حرية التصرف في حياته وحرية الإرداة والمجتمع يتدخل في أدق التفاصيل التي تخص المرأة بداية من ثقافة الختان وأنتهاءً بثقافة البكارة
والمرأة ماهي إلا شئ لمتعة الرجُل وخدمته وتلبية أوامره هذا الرجُل هو الذي سوف يمتلكها عندما يشتريها من والدها وتنتقب الملكية له ويكن له حرية التصرف بها
وهي حديث المجتمع ليل نهار ماذا تفعل وماذا عن حياتها الجنسية وماذا ترتدي وهل ترتدي ملابسة عارية ومثيرة
وعندما تخرج إلى أين تذهب؟!!
لقد تخطت الـ30 عام ولم تتزوج!!! إذا فهي عانس .. تزوجت وانفصلت إذاً سلوكها غير سوي
مطلقة/أرملة تعيش وحدها!!! وإن تزوجت “يا بجاحتها بتغير ف الرجالة”!! “ليها راجل ولا مالهاش” “يارب ولد” “فتاة لها علاقة سابقة إذن تستحق الموت إما إذا كان رجُل فعليه ان يفخر بذلك” إلخ إلخ
فهي ثقافة فعلا مقززة
رابعاً العنصرية الإقليمية..
لا أجد مسمى لهذا النوع من العنصرية ولكن لعل هذا المسمى هو أقرب ما يكون لهذا النوع
هذه العنصرية ايضاً إكتشفتها منذ أن كنت في المدرسة حينما كان يقول زملاء لي “فلان دا فلاح”اي أنها سبة
بداية ما معنى هذا المسمى
لفظة “فلاح” يطلقها المصريين على سكان القرى ومحافظات الوجه البحري “الغير ساحلية” اي محافظات الدلتا والتي تضم قرى كثيرة ومناطق زراعية
ولفظة “صعيدي” تطلق على سكان صعيد مصر وهم سكان المحافظات التي تقع ايضاً على ضفاف نهر النيل
لفظة “فلاح” تنم عن صفات “الوصولية، البرود، الإتتكالية، الخبث، الخيانة أو عدم الوفاء للأصدقاء في سبيل المصلحة الشخصية وأيضاً تدل على أن الشخص غير محبب التعامل معه وأنه دخيل على المدن الكبرى التي ينزح إاليها لتحقيق آماله الوصولية وليساوي رأسه برأس سكان المدن
ولفظة “صعيدي” هي محببة ولكنها تدل أيضاً على صفات الغباء الشديد فنجد أغلب النكات على “الصعايدة” بإعتبارهم “جحا” مصر وتدل على العند والتمسك بالرأي حتى وإن كان مخطئ والصرامة والتصحر الفكري والغضب السريع والشديد والتعصب الأعمى
أي أن الأثنتان عكس بعضهما البعض فالفلاح شخص بارد لايغضب يقدم كل التنازلات من أجل مصلحته
والصعيدي شخص سريع الغضب يسهل إستفزازه على عكس الفلاح ولا يقدم أية تنازلات بل يريد أن يأخذ كل شئ بالقوة ولديه إيمان بأنه الأفضل بينما الفلاح لا يشعر بهذا الشعور
هذا ما فهمته من مغزى هاتين اللفظتين وعرفت لماذا لاينزعج الصعيدي عندما أحداً يقُل له أنه صعيدي وينزعج الفلاح عندما أحداً يقُل له ذلك
بجانب ذلك أجد نزعة تعالي وعدائية لدى سكان المدن الساحلية وشعور بأنهم الأفضل وأن “الصعايدة والفلاحين” هم دخلاء عليهم ويرون أن سكان “القاهرة” هم أيضاً “فلاحين” وسكان المدن الساحلية مرتبطين جداً بمدنهم وأجدهم يفخرون بأنهم من هذه المدن وليس لهم أية أصول من الفلاحين او الصعايدة
وهذه عنصرية عرقية لأن بها تعميم صفات على سكان أماكن معينة لا أعلم مدى صحية هذه الصفات ولكن أعلم أن تعميم صفات على مجموعة من الافراد شئ خاطئ وأن الحكم على أشياء لم تقع تحت تجرتنا الذاتية هو شئ بعيد عن المنطق تماماً
فمن الممكن أن نقول بأن سكان الصعيد لهم ثقافة وعادات وتقاليد ميعنة وسكان المدن لهم تقاليد أخرى وسكان الريف لهم تقاليد وثقافة خاصة بهم لكن أن أقول صفات شخصية وأقوم بتعميمها هذا غير مقبول
ما العيب في كون إنسان “فلاح” أو “صعيدي” غير ان هُناك عداء شامل من أغلب محافظات مصر على محافظة تدعى “المنوفية” بزعم أن كل سكانها سيئون وبهم كل الصفات السيئة وهم أسوأ “الفلاحين” فلا إستثناء من بينهم
بينما من الممكن أن يكون هُناك إستثناءات في المحافظات الريفية الأخرى!!!
فنجد وسيلة للسب “انت فلاح منوفي” أو “أنت منوفي” أشياء من هذا القبيل
خامساً العنصرية ضد الحيوان..
هُناك عبارة أسمعها عندما يتحدث أحد بغير إهتمام على شخص توفى أو بأسلوب للتحقير فيقول “كلب وراح ” ما معنى هذه الجملة
لدى الغالبية من الناس عنصرية تجاه الحيوان وعداء لا أفهم سببه
وكأن الحيوان كائن لاقيمة له ولحياته فيجب التعامل معها بمنتهى الأستهتار والإمتهان
ونجد من أسلوب لعب الأطفال أن يقوموا بأذى حيوان أو قطف الورود
فنجد إنسان يقول : “حستفيد إيه لو ربيت قطة أو كلب وف الأخر مش حاكلهم” !! إنه إنسان لم يتعلم كيف يكون إنسان
منذ فترة قريبة ذهبت إلى عيادة الطبيب البيطري لفحص قط أكفله وهناك وجدت إمرأة عجوز وهيئتها بسيطة ترتدي ملابس بسيطة جدا وكانت تتطعم قطها الذي فقط عينه اليمنى
قالت لي أن أولاد الجيران قذفوه بالطوب وأنه اليوم فقط بدأ يأكل فقد كان مضرب عن الطعام بعد هذا الحادث وكان يتغذى بالمحاليل
ذُهلت عندما وجدت إمرأة بسيطة مثل هذه المرأة ببساطة ثقافاتها وبساطة هيئتها تعرف جيداً كيف تكون إنسانة
وتحترم حقوق الحيوان ولا تستهتر بها
هُناك قصص عدة عن حوادث قتل عمد للحيوانات ولم يتم محاكمة الجاني
وقد روى لي عدد من أصدقائي عن حوادث إنتهاك عديدة لحقوق الحيوانات وإستهتار بحياتهم وآلامهم وأنا رأيت الكثير من هذه الحوادث بعيني!
كل ماسبق يمكن أن نضيف عليه..
العنصرية ضد أي شخص ليس وسيم مثلا أو شخص يعمل بمهنة بسيطة فهناك ثقافة إزدراء المهن وعدم إحترام أهمية كل مهنة لتكامل بناء المجتمع
والإزدواجية في المعايير والتي تتفشى في كل شئ ومن الصعب إلقاء الضوء على كل أنواع هذه الإزدواجية
إزدراء الجنس رُغم أنه المحور الأساسي الذي يشكل عقليتهم!!
العنصرية تجاه اي شخص رأيه يخالف رأي الأغلبية
أو شخص ينادي بالمساواة والحريات وإحترام حقوق الإنسان والحيوان
العنصرية ضدي عندما أقول أنني علمانية!!

المجتمع مريض بأمراض تشبه السرطان علاجها شبه مستحيل
نحتاج إلى مستشفى ضخم من العقلاء يعمل على إستئصال هذه الأمراض السرطانية من جذورها
أو لصاعق كهربائي ضخم بصعقة واحدة منه يفيق المجتمع بمجرد إدراكه خطورة الوضع الذي وصل إليه..

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in آيا الجوهرى and tagged , . Bookmark the permalink.