نهضة الشاطر…الخائبة

عبد المجيد الشهاوي

منذ خلع الخلافة الإسلامية بعد الحرب العالمية الأولى وأثناء حقبة الاستعمار الأوربي لتركة تلك الخلافة المخلوعة وحتى الآن، تشعر العقلية المسلمة- التي تتخذ من الأفكار والممارسات الإسلامية مرجعية صريحة وواعية لها، بصرف النظر عن الدرجة- بألم وغبن كبير أفقدها توازنها وتكيفها مع واقعها وجعلها تعيش في فصام واضح، عن نفسها وعن ما حولها. المشكلة الحقيقية، عكس ما يدعى، لم تكن في زوال الخلافة، ولا في الغرب المستعمر. المشكلة الحقيقية كانت، ولا تزال، في العقلية المسلمة، لما رفع عنها فجأة ستر الخلافة وانفضح مدى تخلفها الحضاري أمام المحتل الأجنبي الغربي. منذ ذلك الوقت حتى الآن، العقلية الإسلامية تعاني من عقدة نقص ودونية وعدوانية تجاه الغرب، بينما في الوقت نفسه تحسده أشد ما يكون الحسد وتكتوي غيظاً لتنهض نهضته وتتقدم تقدمه، ولو من الناحية العلمية المادية فقط واستبعاد الحقوقية والأخلاقية والروحانية.

 مهما كانت العقلية المسلمة التي تخاطبها بسيطة أو مركبة وناضجة، كلهم يدفنون رؤوسهم في فكرة مبتسرة ومشوهة وغير مدققة أصبحت من كثرة تكرارها حقيقة بديهية ومسلمة بالنسبة لهم: الإسلام الأول أسس، أو المسلمون الأوائل أسسوا، ذات يوم أعظم حضارة في العالم ونحن- المسلمون الصادقون المعاصرون- قادرون على النهوض مجدداً. هنا سؤال مهم: كيف عرفوا أن المسلمين الأوائل كانوا متقدمين، والمعاصرين متأخرين؟ هم عرفوا من الغرب مدى تخلفهم في العصر الحديث، لكنهم لا يعرفون، ولا يهمهم أن يعرفوا، إذا كانوا هم- المسلمون المعاصرون- أكثر تقدماً أو تخلفاً عن المسلمين الأوائل. المسلمون الأوائل عقيدة وغاية لا يساءلونها أبداً. 

 بالطبع إذا ما درسوا قليلاً فكر وحياة المسلمون الأوائل سيتبين ويتأكد لهم أنهم- المسلمون المعاصرون- رغم بشاعة تخلفهم مقارنة بالغرب، إلا أنهم متقدمون ومتحضرون بمراحل شائعة عن المسلمين الأوائل؛ على الأقل المعاصرون الآن يركبون طائرة بدلاً من ناقة، ولم يعودوا يبيعون ويشترون النساء جواري. أليس الفكر، أي فكر، ابن لبيئته وزمانه؟ البيئة البسيطة تنتج فكراً بسيطاً، والزمان القديم فكره قديم أيضاً. كيف، إذن، تتحقق المعجزة: نتقدم على هؤلاء المتقدمون علينا في الحاضر، بفكر أسلافنا القديم في الماضي؟

 تلك هي نهضة الشاطر، المعجزة. في الوقت الذي يريد أن يدير دفتنا جهة الماضي المغبر، يعدنا بنهضة حديثة وعظيمة. الشاطر يؤكد أن الشريعة القديمة غايته ورسالته، وفي الوقت نفسه يبشرنا بنهضة اقتصادية وعلمية وثقافية وحضارية إذا ما دققت فيها النظر ستجدها كلها منتجات مادية غربية مستوردة. نفس فصام العقلية المسلمة الذي يلازمنا منذ انهيار الخلافة وتحت الاستعمار الغربي وحتى الآن: مخ قديم في جسم حديث مترهل، لا المخ قادر على أن يبدع، ولا الجسم قادر على أن يتقدم؛ المخ بال وعقيم، والجسم جائع وهزيل، عين شاخصة على ماضي بعيد، والأخرى تحسد عدو قريب. في كل هذا الغبار الخانق، لا تستغرب صيحات إحياء الخلافة وتطبيق الشريعة، من جديد.

 الشاطر وأشباهه الشطار الكثيرون يريدون لنا التقدم والنهضة، لكن عبر سكة الماضي. هم على الدوام الغرب العدو لا يفارق مخيلتهم ويتمنون لو أن الأرض تنشق وتبتلعه، حتى يستريحوا من ألم ومشقة وعذاب وهوان تذكيرهم بمدى تخلفهم وضعفهم طوال الوقت؛ هم في الوقت نفسه على استعداد للتضحية بالغالي والنفيس مقابل الحصول على ما لدى الغرب من قوة وتقدم وحضارة مادية، بشرط ألا يراهم ولا يشهد عليهم أحد، حتى لا تجرح كرامتهم وعزة نفسهم. إذا ما نجحوا، يوارون بسرعة على سرقتهم تحت جنح الظلام بصفة الإسلامية: الديمقراطية الإسلامية، البنوك الإسلامية، البرلمانات الإسلامية، الاقتصادات الإسلامية، الجامعات الإسلامية، الحرية الإسلامية، حقوق المرأة الإسلامية، وحتى الترفيهيات الإسلامية. هم، ببساطة شديدة، مرضى حضاريين، يعيشون في الحاضر بذهنية الماضي.

 عالجوا أنفسكم، وتصالحوا مع عالمكم وزمانكم وأهاليكم، أولاً.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد المجيد الشهاوى. Bookmark the permalink.