دستور وطنى دائم أم شخص الرئيس

طلعت رضوان

انزعج الأحرار(ومعهم الحق) من ترشح غلاة الأصوليين الإسلاميين لمنصب رئيس الدولة ، أمثال الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل إلخ وتضاعف الانزعاح إلى حد الرعب بعد الإعلان عن ترشح خيرت الشاطر، ليس فقط لشركاته العملاقة ، وعودة زواج المال بالسلطة كسمة من سمات حكم مبارك ، وليس فقط لارتباط (الرأسمال الإسلامى) بالرأسمالية العالمية المتوحشة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما – فوق كل ذلك – فإنّ العقل الحرلم ينس موقف الشاطرعندما أعلن فى عام 2005عن خطة الإخوان المسلمين (لفتح مصر) أى أنه يؤمن بأنّ مصرعبارة عن شقة مغلقة (ليس لها صاحب) وفى حاجة لمن يفتحها ، مثله مثل الغزاة الذين احتلوا مصر، إذْ أنّ الثقافة السائدة تستخدم تعبير(الفتح) رغم أنّ كتب التراث العربى الإسلامى تستخدم تعبير(الغزو) وإذا كانت مصرنا المحبوبة / المنكوبة تم غزوها أوفتحها أكثرمن مرة كان آخرها على أيدى الأتراك عام 1517وكتبوا على الرايات المرفوعة (إنـّا فتحنا لك فتحًا مبينًا) و(نصرمن الله وفتح قريب) كما ذكرابن زنبل (تاريخ البطاركة- تحقيق عبد العزيزجمال- هيئة قصورالثقافة- ج8 ص 66) وهاتان الآيتان هما شعارالخلافة العثمانية. وإذا كان الغزاة أوالفاتحون مؤمنين موحدين ، فما معنى (فتح مصر) مرة أخرى بمعرفة الإخوان المسلمين فى وثيقة كتبها الأصولى خيرت الشاطرعلى أوراق الجماعة بشعارها المعروف (مصحف وسيفين) السيف الذى على اليمين لأتباعهم المنشقين عنهم والآخرلغيرالمسلمين (خليل عبدالكريم- الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية- سينا للنشر- ص39) وتضمّنتْ هذه الوثيقة تصفية كل التيارات الإسلامية ((بالضم أو التفريغ أوالاحتواء)) أى أنّ الإخوان يُصبحون هم الإسلام كما ذكر(المرشد) لأتباعه ((إذا عرفكم الناس عرفوا الإسلام. وإذا جهلوكم جهلوا الإسلام)) وتضمّنتْ الوثيقة أنّ جماعة الإخوان قرّرتْ إقامة قنوات إتصال بالحزب الحاكم. وأكد المرشد أنّ هذا تم بالفعل. مع أهمية العمل على دخول البرلمان (التفاصيل- مجلة المصور2/12/2005) والإخوان المسلمون الذين سطوا على دماء الأحراربعد ثورة شعبنا فى شهرطوبة / يناير2011وإدّعوا أنهم مع الثورة وضد النظام البائد، يُكذبهم تصريح (المرشد) مهدى عاكف الذى أيّد فيه ترشيح مبارك لرئاسة الدولة عام 2005 وأنّ أمنيته هى أنْ يجلس بجوارمبارك، وفى المقابل فإنّ المرشد (كرّم الله وجهه) قدّم الثمن عندما قال ((طظ فى مصر.. وأبومصر.. واللى فى مصر)) (التفاصيل مجلة آخرساعة 20 يوليو2005) كما أنّ العقل الحريتذكرالعلاقة الوطيدة والمُلتبسة بين ضباط يوليو 52 والإخوان، بل إنّ سيد قطب أحد المكفراتية الكباركان على صلة بالكثيرمن الضباط ، وعندما قطع الضباط شهورالعسل دخل الإخوان المعتقلات مع إعدام ستة. لعلّ هذا المثال أنْ يرد على أكذوبة أنّ الإخوان المسلمين كانت (جماعة محظورة) ومُضطهدة أيام مبارك ، فالاعتقالات أيام مبارك كانت للأشخاص الذين نفذوا عمليات قتل وترويع ضد شعبنا (مسلمين ومسيحيين) وضد السياح (معبد حتشبثوت فى شهرهاتور/ نوفمبر97نموذجًا) كما أنّ الصراع كان على كرسى الحكم وليس ضد توجهات الإخوان المعادية للحداثة. يتأكد تحليلى من ذكربعض الأمثلة : فهل هناك فرق بين الإخوان وبين الجبهة التى أطلقتْ على نفسها (جبهة علماء الأزهر) وأفتتْ بأنّ فوائد بنوك الدولة المصرية ربا وبالتالى فهى حرام شرعًا ؟ بل إنهم إتهموا شيخ الأزهر(عام 2007) أنه عندما كان يشغل وظيفة المفتى أفتى أنّ فوائد البنوك حرام، ولكنه عدل عن رأيه بعد أنْ تولى شياخة الأزهر. وإذا كان الأصوليون يُحرّمون فن النحت ويُطالبون بتكسيرالتماثيل، فهذا هوما نادى به د. على جمعة عام 2006وهويشغل وظيفة المفتى الرسمى. وكان أكثرقسوة من الأصوليين أمثاله عندما وصف غرقى العبارة ب ((الطماعين)) وعندما قتل سائق شرطة امرأة وقفتْ أمام السيارة لمنع اعتقال زوجة أخيها ، قال المفتى بعدها ((لا تلوم السائقين عن قتل الناس بسياراتهم)) فكتب أ. عاصم حنفى ((مفتى الديار مُتشدد لو تعلق الأمر  بالناس العاديين، متساهل فى الأمورالتى تمس الحكومة)) (صحيفة القاهرة 13/11/2007) ود. على جمعة (المفتى الرسمى) هاجم أ. جمال البنا وشبّه اجتهاداته بأنها خرافات ((لم نسمع بها فى عصرالمُجتهدين أوالمُقلدين)) أما وكيل الأزهرفقال عن جمال البنا أنه (مريض يحب الشهرة) (صحيفة المساء 22/5/2009) وكيف تكون الجماعة (محظورة) وفى قبضتها مئات الألوف من المساجد فى كل ربوع مصر؟ وآلاف المدارس التى تم حظرتحية العلم فيها أوأية أناشيد وطنية بمعرفة النظارالمنتمين للإخوان (لأنّ تحية العلم وثنية) وكيف تكون محظورة وقد دافع عنهم المذيع تامرأمين بسيونى فى التليفزيون عندما قال ((إنّ مرشد الإخوان المسلمين لم يقل إنّ المعارضين سوف يتم ضربهم بالجزمة إذا وصل الإخوان المسلمون للحكم، بل سيتم ضربهم بالحذاء. وأكد الواقعة بتصريح للمرشد. ثم حدثت مداخلة تليفونية من مذيع آخرهوعمروالليثى أكد فيها أنّ الديمقراطية فى أولها يظهرفيها تجاوزات)) (نقلا عن المرحوم جلال عامر- القاهرة- عدد 320) وكيف تكون محظورة وقد اخترقوا التعليم ؟
الخطر: كتابة دستورإسلامى وليس رئيس إسلامى :
رغم الأمثلة المذكورة عاليه عن خطورة الأصولية الإسلامية على مستقبل مصر، فإننى غير مشغول بشخص الرئيس ، فمنصبه مؤقت ومُتغيربينما الدستورله الديمومة لعدة عقود. والرئيس القادم حتى لوكان أصوليًا عتيدًا ، فهولابد سيضع أصوليته الإسلامية مع العروبة والناصرية فى الخلاط لمغازلة الثقافة السائدة البائسة التى تكن كراهية ضد الحداثة والعصرنة وضد الحضارة المصرية التى رسّختْ التعددية. لذلك أرى أنْ ينحصرجهد المُخلصين فى مشروع الدستورالمُزمع كتابته. فإذا كانتْ الثقافة السائدة تتحرج من مجرد مناقشة النص على أنّ الشريعة الإسلامية المصدرالرئيسى للتشريع، فليكن بإضافة (بما لايتعارض مع مواثيق حقوق الإنسان العالمية)) مع التمسك بمادة (المواطنة) بمعناها وفق التعريف العلمى الذى ينص على أنه لافرق بين مواطن وآخرإلاّبعمله وليس بديانته أومذهبه أوموقعه الطبقى أوالوظيفى. وهوالضامن الفعّال لحقوق الأقليات العددية (شيعة. بهائيين. مسيحيين. نوبيين. أمازيج. سيويين إلخ)
وإذا كان الدستورهوتعبيرعن جموع الأمة، لذا لايجوزأنْ يحتكرأى تيارحق إعداده مُنفردًا. كما أنّ الدستورهوالذى يُُحدّد اختصاصات مجلس الشعب، فكيف يُشارك أعضاؤه فى كتابته ؟ المجلس الحالى به نسبة 50% عمال وفلاحين، فى حين أنّ كافة القوى الوطنية أجمعتْ على رفض هذه النسبة لأنها تكريس للتمييز. وإذا كان مُبررالمجلس العسكرى هوالاحتفاظ بمُكتسبات ((يوليو52)) فإنّ عبدالناصرأقرّبخطأ هذا القرار، وتمنى إلغاءه فى اجتماع لمجلس الوزراء بعد كارثة بؤونة / يونيو67(ثروت عكاشة- مذكراتى فى السياسة والثقافة- دارالهلال- عام 90ج 2 ص 404) خاصة وقد ثبت أنه بقدرة هذا القرارالخارقة تحوّل الضباط إلى عمال وفلاحين. وإذا كانت القوى الوطنية أجمعتْ على رفض مجلس الشورى، المنزوع الصلاحية والذى يُكبّد خزانة الدولة نصف مليارجنيه سنويًا ، فإنّ أعضاء مجلس الشورى المُشاركين فى كتابة الدستورسوف يُدافعون عن بقائهم، رغم أنّ انتخابات مجلس الشورى جاءتْ مؤيدة لرؤية القوى الوطنية. ولعلها مناسبة أنْ أسأل فقهاء الدساتير، هل نسبة المُصوتين المُتراوحة بين 5% ، 7% تصلح لشرعية هذا المجلس؟ وإذا كان الإسلاميون سيضعون رئيس الدولة القادم على كرسى الحكم ، وهم المشاركون فى كتابة الدستور، ومع النظام الشمولى ، فمن البديهى أنهم سيحرصون على المواد الداعمة للسلطة المُطلقة فى قبضة الرئيس المُمثل لتوجهاتهم الأيديولوجية، نظرًا للعلاقة العضوية بين الرئيس (المُختار) وجماعته الداعمة له. وفى ظل هذه العلاقة ستستمرمنظومة الاقتصاد الطفيلى توأم الاستبداد باسم الدين، ولن يدفع الثمن إلاّ الشرائح الاجتماعية من الفلاحين والعمال والطبقة الوسطى وكل المُنتجين الشرفاء. وبالتالى لن يحدث دعم للفلاح وللزراعة كما يحدث فى الدول المُحترمة. ولن تحدث التنمية الحقيقية فى مجال الصناعة (الانتقال من الصناعة التجميعية إلى الصناعة الثقيلة) ولن تحدث النقلة الحضارية فى مجال الأبحاث العلمية المؤسسة على قاعدة أنه ليس لها سقف ولامحظور(قاومتْ الأصولية الدينية أطفال الأنابيب فى الستينات ثم أصحبتْ شائعة بحكم قانون الواقع : نموذجًا) وبجانب الاقتصاد الطفيلى سيكون بجواره توأمه الاقتصاد الريعى (الاتجارفى الأرض والبنوك المُسماة إسلامية- نموذجًا) وسيتم وأد كل الأفكارالتنويرية، سواء فى الأدب أو الفن، فى رغبة محمومة للعودة لعصرالكهوف. والمؤلم أنّ هذه العودة ستنطبق على الكادحين الشرفاء، بينما أصحاب الدعوة (فى تناقض صارخ) يركبون أحدث الطائرات والسيارات ويعيشون فى القصور، وليس فى مقابرالفقراء، لذلك أعتقد أنّ استبعاد فقهاء الدستورالمُحترمين أمثال د. إبراهيم درويش وثروت بدوى إلخ هوالمؤشرعلى خطورة الوضع الحالى ، أى اكتمال دائرة السيناريوالمُحكم لاستمرارمصرعند محطة القرون الوسطى.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان. Bookmark the permalink.