رؤيتي لـ القرن العشرين‏ (43)‏ – ‏1948‏

د. مراد وهبة

في القرن العشرين توقفت المؤتمرات الفلسفية الدولية مرتين‏.‏ المرة الأولي من عام‏ 1913‏ إلي عام ‏1924‏ بسبب الحرب العالمية الأولي‏,‏ والمرة الثانية من عام ‏1938‏ إلي عام ‏1947‏ بسبب الحرب العالمية الثانية‏.‏

وفي أغسطس 1948 انعقد المؤتمر الفلسفي الدولي العاشر في أمستردام بهولندا.وفي ذلك المؤتمر تأسس الاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية, وهو العام نفسه الذي تأسس فيه مجلس الكنائس العالمي. والاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية يضم جمعيات فلسفية من مختلف دول العالم ويعقد مؤتمره العالمي كل خمس سنوات. والرأي عندي أن الحرب الفلسفية التي بدأت مع الحرب الباردة لم تكن ساخنة إلا في عام 1973 مع انعقاد المؤتمر العالمي في فارنا ببلغاريا, إذ ضم لأول مرة فلاسفة من العالم الثالث, أي من دول افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وكنت واحدا من هؤلاء.

وقد قيل عن مؤتمر فارنا إنه نسيج وحده, إذ جاء في الخطاب الذي أرسله الأمين العام للاتحاد الدولي ـ الفيلسوف والفيزيائي العالمي السويسري أندريه مرسييه ـ إلي فلاسفة العالم قبل انعقاد المؤتمر: إن هذا اللقاء بين المفكرين من كل أنحاء العالم هو مناسبة فريدة لتبادل الرأي حول مختلف المسائل… وقد بذل رفاقنا البلغاريون كل ما في وسعهم لتأمين الحرية اللازمة لأي حوار فلسفي. ثم استطرد قائلا: إن هذه المناسبة لن تتكرر لعدة سنوات. واختتم خطابه بقوله: إن مؤتمر فارنا حدث في تاريخ الفلسفة العالمية في نهاية القرن العشرين حيث تواجه التيارات الفكرية بعضها البعض في جو من الصداقة والتفاهم المتبادل, وفي مواجهة توتر سياسي عالمي ينبغي أن تكون الفلسفة الحقة قادرة علي المعارضة والمقاومة.
 وبالفعل كان التوتر حادا في ذلك المؤتمر بين الفلسفة البورجوازية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والفلسفة الماركسية بقيادة الاتحاد السوفييتي. فقد حدثت مشادة فلسفية بين الفيلسوف الإنجليزي السير ألفرد إير والفيلسوف البلغاري نيقولا إريباجاكوف إثر قول إير إن ماركس لم يكن فيلسوفا إنما كان عالم اجتماع. ورفض إريباجاكوف بحدة هذا القول مدللا علي أن ماركس, مثله مثل أي فيلسوف, قام بتحليل عدة تصورات مثل المادة والشعور والضرورة والحرية, وتساءل عن معني الانسان والمجتمع والطبيعة. حتي من وجهة نظر الوضعية المنطقية التي يدعو إليها إير فان ماركس ينبغي أن ينظر إليه علي أنه فيلسوف ماركسي. والقول بغير ذلك ليس من الموضوعية في شيء.

وفي جلسة عشاء عمل دعاني إليها كبير فلاسفة بلغاريا سافا جانوفسكي المعتمد بحكم القانون ليكون رئيس المؤتمر العالمي لعام 1978 وكان معي في هذه الجلسة أربعة فلاسفة من دول متباينة. وبعد أن تحاورنا حول قضايا العصر أبدي جانوفسكي رغبة في عدم الموافقة علي انعقاد مؤتمر عام 1978 في أمريكا بسبب حدة التوتر الايديولوجي بين أمريكا والاتحاد السوفييتي. وقد كان, إذ صدر قرار من الجمعية العمومية بأن تكون ألمانيا الغربية هي المضيفة لذلك المؤتمر. والمفارقة هنا أن أمريكا لم تتمكن من أن تكون هي المضيفة إلا في عام 1998 أي بعد موت الاتحاد السوفييتي في عام 1991

وفي هذا الاطار من التوتر الايديولوجي كان عنوان بحثي انسان ـ إية القرن العشرين. وقد صككت مصطلح انسان ـ إية وبالإنجليزية man ـism بديلا عن انسانية و بالإنجليزية humanism ومعني ذلك أن الــ إية هي في صميم كينونة الانسان الفرد بحكم قدرته علي مجاوزة الواقع, وبالتالي قدرته علي تغييره. ومهمة الفلسفة بعد ذلك أن تحيل هذا الانسان الفرد إلي انسان عام يمثل البشرية. واذا تمت هذه الاحالة تكون الـ إية معرضة لأن تكون مطلقة وعندئذ تدخل الـ إية في أزمة تستلزم نفيها من أجل البحث عن إية جديدة. ونحن في زمن الحرب الباردة لدينا إيتان: إية رأسمالية وإية شيوعية, ولدينا صراع بينهما ولن يحسم هذا الصراع سوي تحول إحدي الـ إيتين إلي مطلق ومن ثم تكون نهايتها. ولا أدل علي سلامة هذه النتيجة من قول أندريه مرسييه في نهاية المؤتمر من أننا أمام أحد احتمالين: إما أن يكون هذا المؤتمر هو المؤتمر الأخير للاتحاد الدولي وإماأن ينعقد المؤتمر المقبل علي سطح بارجة حربية.
والسؤال إذن: ماذا حدث بعد ذلك؟
الجواب في المقالات المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. مراد وهبة. Bookmark the permalink.