خواطر مسافر

محمد الدويك

ترسخ إيمان داخلي  أن الإفراط  في الثراء والرفاهية  ياتي سلبا على حقوق آخرين يماطلون الحياة من أجل لقمة جدباء وفراش خشن .. وأن الإسلام يسعى لنموذج معتدل من الحياة الطيبة التي قد تميل نحو الزهد أكثر منها ناحية البذخ . تلك عقيدة إيمانية تنعكس بإيجاب على المجتمع وعلى نفوس الناس وتقلل من فرص التطاحن والأحقاد وتعطي مساحة للتكافل ولوجود الآخر على خريطة اهتماماتك .

القطار الإسباني بدرجته الأولى قد حطم قدرتي على الصمود .. ذاهب الى الاسكندرية  وأنتوي شراء تذكرة بالدرجة الثانية لأعلم نفسي بعض قيم الزهد , وأنا بطبعي رجل مترف , بضع دقائق مضت بين شد وجذب بين النظرية وبين التطبيق , وبين القيم وعلوها والنفس البشرية وضعفها .. وتغلب الضعف البشري بفرق نقاط قليلة , قلت لنفسي أني مصاب بوجع مزمن في فقراتي القطنية وأن الكرسي الوثير لم يعد رفاهية بل هو فرض عين .. هكذا اقتنعت .

عرفت مصر السكك الحديدية في وقت مبكر جدا من تاريخ البشرية ؛ حيث كانت البلد الثاني الذي يجري عليه عجلات قطر , آتية في الترتيب بعد المملكة المتحدة . لقد قام المهندس الانجليزي – رحمه الله , وخلي أي جزمة  يفتح بقه –  روبرت ستيفنسون باختراع أول قاطرة تمشي بالبخار وتنقل البضائع , وصار الأمر مجربا ومعتمدا في انجلترا عام 1825 ثم انتقل الاختراع الى مصر قبل مضي ثلاثة عقود , فكان عام 1854 هو العام الذي افتتح فيه الخديوي اسماعيل أول محطة قطارات في مصر إبان الاحتفالات بافتتاح قناة السويس .. روبرت ستيفنسون نفسه هو الذي جاء وقام على تركيب وتسيير أول قطار في مصر .

أحد أصدقائي الاطباء المختصين بالاورام يقول لي إن السرطان ينتقي مرضاه .. إنه يختار الاكثر فقرا وبؤسا بينما الاغنياء يجدون الطريق الى أوروبا للعلاج .. كذلك ألسنة اللهب لا تشتعل إلا في الدرجات المتأخرة من القطارات حيث المصريين المطحونين الذين يتكدسون في علبة صفيح غير انسانية من أجل توفير بضعة جنيهات .. الزهرة البرتقالية لا تأكل جسد سوى من ليس له مال , في الدنيا على الاقل .

تذكرون قطار العياط عام 2002 الذي شبت فيه النيران في العربات الأخيرة والتهمت أجساد فقراء كانو متوجهين لقراهم في الصعيد لقضاء عطلة عيد الاضحى , كان عاطف عبيد هو رئيس الوزراء وكان حسني مبارك هو الرئيس وابراهيم الدميري كان وزيرا للنقل .. فذهب رئيس الوزراء الى مكتبه لمتابعة الحدث واستقال وزير النقل وذهب الى بيته الساحلي , وأما الرئيس فكان يستمتع بلعبة الاسكواش المحببة الى نفسه , طاقم رياضي أبيض وحذاء ماركة عالمية ومضرب شبكي وعصير برتقال وضحكات مدوية في الأفق . ومات 350 مصري لا ذنب لهم سوى أنهم فقراء !

الغريب أنه لو لم يكن لدينا قطارا أسبانيا وسيارات كورية وطائرات شركة  بوينج الأمريكية لظللنا نركب الخيل والبغال والحمير .. أمة في خطر .. والبعض يتحدث عن لحية ضباط الشرطة وأزياء النساء .. غضب الله عليكم .

قبيل صعودي بدقائق رأيت مسيرة صغيرة الحجم هادرة الهتاف تجوب المحطة وترفع شعارات منددة بمؤامرة تحاك ضد ” أبو اسماعيل ” وتدعو الى بقاءه في سباق الرئاسة وتهدد بالويل لو تم إقصاءه .. مشهد عبثي .

 تذكرون أن المادة 76 من التعديلات الدستورية التي تحدد شروط الترشح لمنصب الرئاسة تقرر عدم جواز ازدواج الجنسية للمرشح أو لأبويه أو لزوجته .. تلك المادة قد اشرفت على وضعها لجنة طارق البشري , وطرحت للاستفتاء في 19 مارس المنصرم ومرت التعديلات بنسبة كبيرة وصلت الى77 % وحشد التيار الاسلامي لدعمها .. إذن هم من اختار تلك المادة .

 ونذكر أنه حينما تم اقرار التعديلات صار اسما كبيرا مثل ” الدكتور زويل ” بعيدا عن مضمار السباق الرئاسي .. ورغم جماهيريته الا أنه لم تخرج مظاهرات تقفز فوق القانون وتدعو بوضع استثنائي له .. ولكن حينما صار القانون ضد السلفيين واتباع ابو اسماعيل خرجوا بشراسة يهددوا ويتوعدوا ويفرضوا بقاء حتى لو كان بقاءه مخالفا للدستور .

 أذكر أن الشيخ حازم كان ضيفا على إحدى البرامج المسائية في إحدى الفضائيات وسأله المحاور عن أن قانون الانتخابات يحظر استخدام دور العبادة في الدعاية  , وأنه يخالف القانون لأنه يدعو لنفسه في خطبه ودروسه داخل المساجد , وأنه رجل قانون ويجب أن يحرص على احترامه , وأن المرشح المحتمل للرئاسة يجب أن يكون نموذجا في الالتزام .. ولكن ابو اسماعيل هزأ بالقانون وقال أنه قانون معيب ومشوه ويجب الغاءه وأنه لن يلتزم به .

 أولا : عليك الالتزام بالقانون طالما أنه داخل حيز النفاذ والى حين إلغاءه .

ثانيا : في عهد الرسول حينما دخل رجل وكان يبحث عن متاعه الضائع نهره النبي ونهاه عن ذلك ودعاه للخروج للبحث عنها في السوق أو في الشارع لأن بيت الله له احترام معنوي يفوق الماديات .

 كتب جلال أمين في إحدى كتبه عن مصطلح ” الدولة الرخوة ” وصك هذا المصطلح عالم اقتصاد / اجتماع كبير اسمه ” جولنار مايردال ” , وهي الدولة التي لا يحترم فيها أحد القانون , ويكتسب الانسان قيمة اجتماعية كلما خرق القانون , وتزداد تلك المكانة الاجتماعية كلما خرق معدلات أكبر من القانون , وأن مصر في ستينات القرن الماضي كانت تحترم المنظومة القانونية وأن الانهيار بدأ مع الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات وتضخم في عهد مبارك ؛ حيث الفساد الاقتصادي والاداري والتزييف الديني والاخلاقي .

 هل يقدم لنا ابو اسماعيل نموذجا مشوها آخر لاحتقار الدولة والقانون واللجوء للترهيب والبلطجة وفرض نفسه واتباعه علينا حتى ولو كان هذا مخالفا للإعلان الدستوري – المعيب – الذي يحكمنا كلنا والذي ذهبوا وصوتوا عليه أن نعم !!

على أي حال من سيصنع لي قطارا مثل هذا الذي أركبه الآن سأثق أنه سيطبق الشريعة , ومن لم يستطع فليركب الحمير بالمقلوب ليصير مسخة في تاريخ الانسانية .

محمد الدويك 6/4/2012

من فوق كرسي وثير بقطر اسباني , وعن يمينه إحدى فاتنات كوريا الجنوبية , موتو بغيظكم

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد الدويك. Bookmark the permalink.