الشريعة بين التاريخ والقرآن

د. علي مبروك

يئول عدم الإنضباط المعرفي للمفاهيم إلي إلتباسها وتشوشها‏,‏ علي النحو الذي يجعل منها موضوعا للتلاعب‏,‏ وليس الفهم‏.‏

وغني عن البيان أن المفاهيم تتحول, حين تصبح موضوعاللتلاعب وليس الفهم, إلي أدوات يتحارب بها الناس ويتناحرون, بدل أن تكون ساحات يتواصلون عبرها ويتحاورون. ولسوء الحظ, فإنه إذا كان الفضاء المصري الراهن يزدحم بما يجري تداوله فيه من مفاهيم متناحرة, فإن ما يغلب عليها من التشوش وعدم الانضباط المعرفي, قد أحالها إلي أدوات تتبادل بها النخبة الإحتراب والقصف. ومن بين هذه المفاهيم تتجلي, لافتة, القيمة القصوي لمفهوم الشريعة, الذي تشهد اللحظة الراهنة إستخداما متزيدا له من جانب جماعات الإسلام السياسي التي تستثمره في صعودها المتسارع نحو السلطة في العالم العربي علي العموم, وذلك فضلا عن شحذها الجاري له لتحسم به الجدل المرتقب حول الدستور في مصر. ولعله يمكن القول أن الاستخدام الراهن للمفهوم كأحد أسلحة هذه الايديولوجيا الزاحفة نحو السلطة قد جعل منه أداة إقصاء, أو حتي سحق, للخصوم بالكلية, وذلك- وللمفارقة- علي حساب ما أراده القرآن من أن يكون المفهوم ساحة يتواصل عبرها البشر, علي اختلاف الأقوام والأزمان. وهنا يلزم التنويه بما يبدو من أن التلاعب الايديولوجي بالمفهوم إنما يتأسس علي التشوش الناتج عن الخلط بين الشريعة وبين الفقه; وهو الخلط الذي لا يكتفي بتجاهل التمييز القرآني الحاسم بينهما, بل ويلح- إبتداء من ذلك- علي تصور بالغ الضيق والتحيز والانغلاق للشريعة; وعلي النحو الذي يناقض- وللمفارقة- الطرح القرآني لها.
ولعل ذلك يكشف عن أن إمكانية قول جديد في الشريعة لابد أن تؤسس نفسها علي استعادة الفهم القرآني( المنفتح) لها, وذلك في مواجهة ما يبدو أنه تاريخ من الفهم( المنغلق) الضيق الذي تتحكم فيه مفاهيما صنعتها عصور الجمود والركود الطويل التي عاشتها المجتمعات الإسلامية. ولسوء الحظ, فإن الأمر لا يقف عند مجرد ركود المفاهيم وجمودها, بل يتجاوز إلي الإنحراف بها عن المجال التداولي لها في القرآن. وبالرغم من ذلك, فإن منتجي هذا الفهم وحراسه لا يكفون عن الإدعاء بأن القرآن هو مصدر تلك المفاهيم, لكي يهبوها حصانته وقداسته;
وعلي العموم, فإن الاستخدام الراهن للعديد من المفاهيم- التي يقال إنها إسلامية- يرتبط بذلك التاريخ الطويل من الفهم الذي وجهته حاجات وإكراهات الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاشه المسلمون, بأكثر من إرتباطه بما يمكن أن يكون التوجيه القرآني لها. ولسوء الحظ, فإن التاريخ قد إتجه بالمفاهيم إلي أفق أكثر ضيقا مما أراده لها القرآن. وكمثال, فإنه إذا كان ما يغلب علي الاستخدام الراهن لمفهوم الشريعة هو ربطه بالأحكام والحدود, فإن هذا الربط يجد ما يؤسسه في التاريخ, وليس في القرآن الذي يربط الشريعة بما يقوم فوق الأحكام والحدود. وإذا كان المتصور أن ربط المفهوم( أي مفهوم) بالتاريخ يجعله أكثر اتساعا, فإن الأمر يبدو علي العكس تماما من ذلك, فيما يخص مفهوم الشريعة الذي يبدو أن ربطه بالقرآن- وليس التاريخ- هو الذي يجعله أكثر اتساعا ورحابة. وبالطبع فإنه حين يراوغ البعض فيخفي هذا المفهوم الضيق للشريعة, الذي أنتجه التاريخ, وراء القرآن, فإنه لا سبيل إلي فضح تلك المراوغة إلا عبر استعادة مقاربته القرآنية الأرحب.
فقد أورد القرآن الجذر شرع ومشتقاته أربع مرات; كان في ثلاث منها منسوبا إلي الله وحده, وفي المرة الوحيدة التي نسب فيها القرآن الفعل شرعوا إلي البشر, فإن ذلك كان علي سبيل الاستنكار والتعريض; وبما يعنيه ذلك من عدم تصور إمكانية نسبة هذا الفعل إلي غير الله. وحين يضاف إلي ذلك أن القرآن قد أورد مشتقات الجذر فقه عشرين مرة كان فيها جميعا في صيغة الفعل المنسوب إلي البشر فقط, فإن الدلالة القصوي لذلك تتمثل في إلهية ما يربطه القرآن بالفعل شرع, في مقابل بشرية ما يربطه بالفعل فقه. ولعل قراءة لما أضافه القرآن إلي الله من أنه: شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا, والذي أوحينا إليك, وما وصينا به إبراهيم وموسي وعيسي أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه, لتكشف عن صرف القرآن لدلالة الفعل شرع إلي ما قال القرطبي أنه توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وكتبه وبيوم الجزاء, وما قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير, أنه ما يكون واجب البقاء في جميع الشرائع والأديان, كالقول بحسن الصدق والعدل والإحسان, والقول بقبح الكذب والظلم والإيذاء. إن ذلك يعني أن الفعل شرع الذي إختص به القرآن الله وحده, ينصرف إلي المشترك بين بني البشر مما ينضوي تحت كليات الدين وأمهات الفضائل; أو هو الدين الذي تطابقت الأنبياء علي صحته, والذي يجب أن يكون المراد منه- علي قول الرازي- شيئا مغايرا للتكاليف والأحكام, لأنها مختلفة متفاوتة. وهكذا يتبلور القول صريحا بأن دلالة الفعل شرع لا تنصرف إلي التكاليف والأحكام, بل إلي ما يقوم فوقها من الكليات التي يتشارك فيها بنو البشر جميعا, والتي تنتصب كمسلمات تتعدي التفكير والمساءلة, وذلك علي عكس التكاليف والأحكام والحدود التي هي موضوع للتفكير; وذلك بحسب ما يبدو من إنشغال المصريين الراهن بالتفكير في حد الحرابة.
وبالطبع فإن كون التكاليف والأحكام والحدود موضوعا للتفكير( إكتناها لحكمتها ووعيا بعللها, وشروط إنفاذها, والموانع التي تحول دون هذا الإنفاذ) لمما يجعلها من قبيل ما يندرج تحت مظلة الفقه الذي أضاف القرآن فعله إلي البشر, بحسب ما تشير الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين. ولعل هذا التمييز القرآني بين كلي ثابت مشترك مردود إلي الله بالفعل شرع, وبين جزئي متغير خاص مردود إلي البشر بالفعل يتفقهوا, يؤسس لقراءة للآية: لكل منكم جعلنا شرعة ومنهاجا علي أساس تباين لفظتي الشرعة والمنهاج, وليس ترادفهما; وبحيث ينصرف مدلول الشرعة إلي الكلي المشترك, فيما ينصرف مدلول المنهاج إلي الجزئي المتغير. وحين يدرك المرء أن الأمر لا يقف عند مجرد تأكيد هذا التمييز, بل يتجاوز إلي ما أدركه البعض( وأعني الرازي) من أن سعي الشرع في تقرير النوع الأول( الكلي المشترك) أقوي من سعيه في تقرير النوع الثاني( الجزئي المتغير), فإن له أن يهيب بأولئك الساعين إلي حسم معركة الدستور بسلاح الشريعة إلي الإنصات إلي صوت القرآن الذي يلح علي الكلي المشترك, بدلا من التاريخ الذي يلح, في المقابل, علي الجزئي المتغير.

This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات. Bookmark the permalink.