التزوير الديني

فاخر سلطان 

اعتاد الكثير من رجال الدين الكويتيين المناهضين للعلمانية والتنوير الليبرالي أن يزوّروا الحقائق ويصنعوا الدسائس من أجل عرقلة الحراك الثقافي الفكري التنويري في المجتمع الكويتي، فبدلا من مواجهة الفكر بالفكر والنقاش بالنقاش

والمشاركة في وضع أسس للحوار الثقافي في البلاد، لبث هؤلاء على استخدام الكذب تارة والبهتان تارة ومارسوا التهديد والوعيد، كل ذلك من أجل ضرب هذا الحراك الذي بات يستحوذ على شريحة كبيرة من الشباب والشابات بصورة جميلة يعجز اللسان عن وصفها. فلم يسعف ظاهر رجال الدين المتواضع ولا ابتساماتهم البريئة ولا لحاهم الطويلة ولا جباههم المسودة من أثر السجود، في التغطية على ما يملأ قلوبهم ويسيطر على مشاعرهم من حقد وضغينة تجاه حراك التنوير، ومن خوف على مستقبلهم الظلامي، حيث لا همّ لهم سوى الوصاية على المجتمع ومنعه من التفكير، والعمل على تهديده دنيويا وأخرويا إن هو اختار تفسيرا مغايرا لتفسيرهم للحقائق ومن ضمنها حقائق الدين.
فهم اتهموا الليبراليين التنويريين بأنهم إباحيون ويسعون لنشر الرذيلة في المجتمع، وحينما فشلت مساعيهم فكريا واجتماعيا، استعانوا بالكذب وزعموا بأن التنويريين يهاجمون الله ويستبيحون نبيه وزوجاته والصحابة. في حين يعلم الجميع بأن من أظهر ما يسمى بوصف “الإساءة” إلى الله ونبيه واستخدم عبارة “ناقل الكفر ليس بكافر” – وهو في المناسبة وصف يدخل في إطار العرض الفلسفي الهادف إلى المحاورة والنقاش – والذي أشير إليه مؤخرا في مقال، قد جاء من خلال رجل الدين الذي تتبع موارد بعض الموضوعات المنشورة على الانتنرنت والتي لا تخص المجتمع الكويتي، وتم نشرها عامدا ومقصودا في الإعلام الكويتي من أجل الإساءة إلى التنويريين وتهييج الرأي العام ضدهم، في حين لا يرضى التنويريون أن يستخدموا مثل هذا الأسلوب الرخيص في عرض بضاعتهم الفكرية، ولم يختاروا يوما ضمن الترويج لمختلف أنشطتهم أسلوب الإساءة إلى المشاعر الدينية لأصحاب جميع الديانات فما بالهم وهم جزء من المجتمع الكويتي المسلم.
إن هذا الطرح الرخيص المستند إلى الكذب والبهتان، وهما صفتان يجب ألا يتصف بهما أي إنسان يدّعي الأخلاق فما بالنا برجل الدين، أصبح أسلوبا شائعا داخل التيار الديني ضد كل من يخالف فهمهم التاريخي وغير الإنساني للدين والحياة والأخلاق. فالغاية تبرر الوسيلة، على سبيل المثال، والتي تعتبر وسيلة غير أخلاقية، أصبحت أسلوبا شائعا عندهم، حيث يستخدمونها في أبشع الحالات غير الإنسانية استنادا إلى مبرر الدفاع عن الدين، كالقتل والترويع في العراق وأفغانستان وإيران، وصولا إلى حالاته الأخف، كالإشارة إلى أن التنويريين الليبراليين إباحيون أو يهدفون إلى الإساءة إلى الله ونبيه. فهم فقدوا بوصلة الأخلاق، لأنهم استندوا في الترويج لتعاليمهم ومواجهة مخالفيهم إلى اللاأخلاق.
إن هؤلاء يرفضون أي دور للثقافة والفكر التنويري ومسؤولياته الإبداعية في ممارسة دور حداثي في المجتمع من أجل إحداث تغيير فكري يساهم في ترسيخ هذا الدور، حيث يؤكدون باستمرار على أن أي ثقافة غير الثقافة الدينية الفقهية التاريخية، والتي هي ثقافة غير صالحة لهذا الزمان، هي ثقافة فاسدة مخربة لابد من استئصالها ولو بالوسائل غير الأخلاقية التي ترفضها الأديان والعقل والفطرة الإنسانية. فعلى الرغم من الرسالة السامية للثقافة والمثقفين التنويريين لتحريك مياه الحياة الدينية التاريخية والحياة التقليدية الراكدة في المجتمع وإحداث حراك ثقافي فكري تشترطه عملية التنمية بجميع مكوناتها، إلا أنه يلاحظ أن رجال الدين اكتشفوا أن مسؤوليتهم تكمن في إبقاء الوضع على ما هو عليه أو إرجاعه إلى الوراء، محاربين عملية التغيير والإبداع وأدواتهما الرئيسية من نقد وانفتاح وعولمة وتعددية واحترام حقوق الإنسان، ومعارضين استخدام أي حَجَر لإلقائه في مياه الحياة الراكدة خوفا من تأثير ذلك على ديمومة مصالحهم الشخصية والفئوية والسلطوية. فما يسمى بالثوابت الدينية والاجتماعية بالنسبة إليهم، هي أهم من مختلف الركائز التي تستند إليها العملية الثقافية الفكرية التغييرية في المجتمع، وأهم تلك الركائز هي حقوق وحريات الإنسان الذي يعيش في كنف حياة يسعى رجال الدين للسيطرة عليها من أجل التأثير في مخرجاتها وتنظّيم الوصاية عليها والقدرة على إلغاء مثقفيها التنويريين. فمواقفهم من المسائل المرتبطة بالحرية والنقد، تعكس انتماءهم إلى ثقافة خاضعة للمصلحة لا إلى الإبداع والتغيير، ثقافة تدوس على الإنسان بكل سهولة إذا ما تجاوز القوانين التاريخية المستبدة وتمرّد على حدود ما يسمى “بالثوابت” الفقهية والاجتماعية. فهم يستندون إلى تفسير خاضع لرؤية أيديولوجية (فقهية شمولية مصلحية) تعتقد أن الحريات في إطار القانون ليست هي الأساس في الحياة، إنما لابد من إخضاع الثقافة لقانون رجال الدين.
إن الفكر المؤدلج والمؤسس لنظام حياة شمولي يعكس أزمة أخلاقية في المجتمع، بمعنى أنه يعرقل الحركة الثقافية الهادفة إلى تغيير الوضع الإنساني إلى وضع أفضل. فالحرية واحترام حقوق الإنسان أصبحا عنوانا رئيسيا في موضوع الأخلاق في العصر الحديث، في حين تعكس مواقف رجال الدين عداء مستحكما تجاهها، وحرصا على المصالح الضيقة ولو أدى ذلك إلى انتهاك حقوق الإنسان وسحق حرياته والسيطرة عليه بمختلف صنوف الاستبداد. فهم يسعون لتغيير مهمة الثقافة، من جعلها مساهما في نشر الحداثة والإبداع والتغيير في المجتمع، إلى مساهم في خلق بيئة خانعة لهم وخاضعة لفقههم.
إن الحياة الراهنة أصبحت تستند إلى رفض العيش في ظل سلطات مسبّقة تتحكم في حياة الإنسان وفي تفكيره وتمنعه من التغيّر والتطوّر والإبداع. فأطر التفكير باتت مفتوحة بحيث لا يمكن تحديدها أو السيطرة عليها، وباب “انتخاب” الأطر التي يجب أن يعيش تحت ظلها الإنسان انفتح بحيث لم يصبح هناك مجال لـ”إجبار” الآخرين على الخضوع لإطار فكري وثقافي معين، وبالذات للإطارين الديني الفقهي والاجتماعي. ففي كل مجال من مجالات الحياة، وفي كل شأن من شؤون الإنسان، انفتح باب الانتخاب وتعددت الاختيارات بعد أن تنوعت طرق التفكير. ففي الماضي كانت مسؤولية الإنسان هي “التبعية” للسلطات المتحكمة في الحياة، ومنها سلطة رجل الدين. وليس أمام الإنسان في الحياة الحديثة سوى السير في نهج التنوع والاختيار والإبداع، لأن جميع الأمور والقضايا باتت تعيش في إطار هذا النهج. فالتعدد ظاهر في مختلف جوانب الحياة، وتنوع الاختيارات لا يمكن أن يخضع للسؤال التالي: هل نريد التنوع أم لا نريده؟ فالحياة قائمة على التنوع ولا حياة من دونه، لكنه يختلف في مؤشر النسبة من مجتمع إلى آخر. فلاتوجد في الحياة الحديثة حدود معينة للتفكير أو أطر لا يستطيع الإنسان أن يتجاوزها، ولا يمكن تكميم فم التفكّر وتكبيل يديه بأغلال غير أخلاقية تمنع عنه الحرية والإبداع، كما لايمكن رميه في سجون اللاتفكير، والتي أخطرها على الأمن والسلم الاجتماعي وأكثرها فتكا بالتفكير الحر، هي السجون التي يصنعها الخطاب الديني الفقهي.
Print Friendly
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية. Bookmark the permalink.