المسيحية والمحروسة: 6 هيرودس والمعمدان

محمد شومان
ونصل الآن إلى فلسطين فى عصر الميلاد التى كانت فى إنتظار الفادى المخلص على أحر من الجمر، وكان التساؤل المشروع أيامها عن سبب إخلال “يهوه” الإله الجبار بتعهداته لشعبه المختار، وكان من المستحيل طبعا إتهام يهوه بالكذب أو النسيان، وكان البديل المنطقى الذى يحمل فى طياته الراحة للشعب الكسيرهوالإعتقاد بأن السبب هو أن الناس هم الذين قد أخلوا بالتزاماتهم ناحية الإله، وأن الإستعمار والإذلال الذى يتعرض له الشعب ماهو إلا عقاب من الإله للشعب العنيد، ولكن هذا العقاب لن يستمرللأبد إذ أن الخيال الشعبى والدينى لن يستطيع الحياة وهو فى حالة خصام مع الإله، ولابد أن يرجع الشعب لربه كى يرجع الرب لشعبه وهذا هو ماسيحققه المسيح المنتظر ملك اليهود الذى آن له أن يظهر لكى يرحم شعبه من ذل الإستعباد، بل ويجعل الشعوب الأخرى أى”الأمميين” هم العبيد عند السادة اليهود، ويعيد الصلة بين الرب المختار والشعب المختار، وكان الإعتقاد بقرب ظهور المخلص يتناسب تناسبا طرديا مع كم المحن والهزائم والإنكسارات التى يمنى بها الشعب المختار.
وكان عدد سكان فلسطين فى عصر الميلاد حوالى إثنين ونصف مليون نسمة(17)، يعيش منهم فى أورشليم العاصمة حوالى مئة ألف نسمة، وكان معظم السكان يتكلمون الآرامية بينما كان الكهنة فقط يفهمون اللغة العبرية، أما الموظفون والأجانب فكانوا يستعملون اللغة اليونانية لغة النخبة آنئذ، وكان الإعتقاد فى الأرواح والشياطين من الأمور اليقينية عندهم، وكان كثيرين منهم يخرجون الشياطين من أجساد بنى البشر، ويؤكد يوسيفوس أن هذه القوة كانت من بقايا عصر النبى سليمان الذى عرف بحكمته الأعشاب التى بعد أن يتلو عليها بعض التعاويذ تقوم بطرد الشياطين .
وكان حاكم فلسطين آنئذ هو ” هيرود الأكبر” الذى كان حاكما قويا يحكم شعبا عنيدا صعب القياد، ولكن هيرود كان من الرجال الجسورين الذين لايقفون عند حد فى خصوماتهم، ومع ذلك كان إداريا حازما إستطاع أن يحكم الشعب بالحديد والنار، وقام ببعض الإصلاحات فيما نسميه اليوم البنية التحتية للمملكة- هذا إذا سايرنا الكتاب المقدس الذى يطلق على جزء من أرض فلسطين مملكة فى حين أنها لم تكن أكثر من ولاية رومانية صغيرة- ، وصمم على هدم الهيكل المقدس رغم أنف الكهنة ليقيم مكانه هيكل أعظم وأضخم منه بناه سنة 21 ق. م من الرخام الأبيض المطعم بالذهب، حتى أنه أصبح من شدة جماله من عجائب العالم الرومانى .
ولكونه كان حاكما غريبا وقاسيا لذا فقد كان مكروها من الشعب، ولم يتردد هيرود فى مبادلة الكراهية بكراهية أعنف منها، وقابل المؤامرات التى كانت تدبر لاغتياله بقتل المتآمرين ومعهم أسرهم أيضا .
ولم تكن حياته العائلية بأسعد حالا، فقد عاش كملك شرقى وتزوج من عشرة نسوة وأنجب من الأبناء أربعين، ومع كثرة نسائه إلا أنه لم يعشق سوى زوجته الثانية مريمنى التى يقال أنه كان يعشقها إلى حد الجنون، بينما لم تنس هى أنه قد قتل أخيها وجدها، وربما لهذا السبب أطلقت الإشاعات الفاحشةعلى أمه وأخته لأنهما– من وجهة نظرها- من أصل حقير، فردت لها أخته الجميل بأن أقنعت هيرود بأن زوجته تأتمر لقتله، ويبدو أنه كان تدبير محكم من أخته إلى درجة دفعت الملك إلى محاكمة زوجته وإصدار الحكم عليها بالإعدام، ولكن الملك العاشق جن جنونه بعد قتل حبيبته، ليفيق فجأة من هذا الجنون المؤقت على مؤامرة أخرى تدبرها حماته “أم مريمنى” مع ولديه منها فيأمر بقتلهم جميعا، ولكن القدر كان له بالمرصاد إذ إكتشف مؤامرة أخرى من إبنه من زوجته الأولى فيقطع رقبته هو أيضا قبل وفاته بخمسة أيام، ولكى يؤكد للتاريخ من بعده أنه أسوأ حاكم فى التاريخ يأمر رجاله بقتل كل عظماء المملكة فى يوم وفاته حتى تكون مناحة فى المملكة فى يوم موته ولا يعطى للأعداء الكثر فرصة لأن يفرحوا بالتخلص منه(18)، ولحسن الحظ لم ينفذ أمره، ويموت هيرود قبل الميلاد بأربع سنوات بعد أن قسم مملكته بين ثلاثة من أبنائه هم “أرخيلاوس” و” أنتيباس” و” فيلبس” بينما إكتفى رابعهم ويحمل إسم فيلبس أيضا بلقب أمير والزواج من إمرأة رائعة الجمال ليعيش معها فى روما.
كان عدد الكهنة فى عصر الميلاد حوالى أربعة وعشرين ألف كاهن مقسمين إلى أربعة وعشرين فرقة تخدم كل فرقة أسبوعا مرتين فى السنة (19) – تخيل رعاك الله أربعة وعشرون ألف كاهن ومعهم أسرهم يعيشون من المتاجرة باسم الإله وامتصاص دم المؤمنين–،وكان الشيخ زكريا واحدا من هؤلاء الكهنة، وكانت مشكلته الخاصة أنه لم ينجب حتى بلغ من الكبر عتيا إذ كانت إمرأته “أليصابات” عقيم – مثل كل النساء التوراتيات، أو ربما كان هو نفسه لا يمتلك القدرة الصحية اللازمة للإنجاب– وذات يوم بينما الشيخ زكريا فى المحراب إذ ظهر له “جبرائيل” ملاك الرب وأخبره أن إمرأته ستحبل وتلد له وريثا، وبعد تردد بسيط يخرج زكريا من الهيكل ويذهب إلى بيته ليعتلى زوجته- أو على الأقل يحاول- ويضع فيها بذرة أول وآخر أطفالها (20).
هذا الطفل هو يوحنا المعمدان الذى يعرف عند المسلمين باسم يحى بن زكريا، وإسم يوحنا لم يكن من الأسماء المنتشرة فى فلسطين وهو يعنى “عطية الله” أما المعمدان فنسبة إلى وظيفته التى هى عبارة عن تعميد الناس بالماء فى نهر الأردن، وكبر الطفل يوحنا وورث التقوى عن أبيه وزاد عليه بأن إكتفى من طيبات الحياة بأبسطها، هذا إذا إعتبرنا أكل الجراد والعسل من الطيبات:
“ويوحنا هذا كان لباسه من وبر الإبل ،وعلى حقويه منطقة من جلد وكان طعامه جرادا وعسلا بريا”(متى 3- 4:5 ).
أى أن يوحنا كان يطبق نظرية ديوجين الكلبى القائلة” أنا لاأملك لكى لا أملك” فلم يمتلك يوحنا شيئا يخشى فقدانه وعاش فى الصحراء عيشة خالية تماما من أى مظهر من مظاهر الرفاهية، وبالتالى أصبحت أخلاقياته صارمة مثل حياته، فلم يكن يعرف المهادنة أو السكوت عن الحق وكثيرا ماعنف اليهود:
” فلما رأى كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون إلى معموديته ،قال لهم: يا أولاد الأفاعى من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتى ؟ فاصنعوا أثمارا تليق بالتوبة، ولاتفتكروا أن تقولوا فى أنفسكم لنا إبراهيم أبا، لأنى أقول لكم: إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم، والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجرة، فكل شجرة لاتصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى فى النار”( متى 3- 7:11 ).
هنا يحذر يوحنا اليهود من إعتمادهم على قرابتهم للنبى إبراهيم كحماية لهم من غضب الله، وكانت رسالته الواضحة أن الجزاء إنما يكون على قدر الأعمال، ومن لا يعمل الصالحات حتى لو كان من نسل إبراهيم فإن الإله يهوه قد ينقل رحمته من عند شعبه المختار الذى يمتلك شجرة النبوة إلى شعب آخر جديد سوف يجعله يهوه الوارث لشجرة نبوة جديدة …!
ولسوء حظ يوحنا المعمدان يسافر الملك هيرودس أنتيباس إلى روما فى زيارة أخوية لأخيه غير الشقيق ” فيلبس” وهناك يفاجأ الملك أنتيباس بجمال زوجة أخيه الساحق، وعندما تنهار حصون الملك الأخلاقية أمام جمال هيروديا الفاتن فإنه لايجد بدا من حملها معه إلى مملكته– برضاها وربما بتحريض منها– وهناك يطلق زوجته ويتزوج زوجة أخيه وهى مازالت فى عصمته، ولأن النبى يوحنا لايعرف المهادنة ولا الحلول الوسط لذا فقد قام يندد بفعلة أنتيباس ويصف علاقته بزوجة أخيه بأنها زنا، ومتهما هيروديا بالعهر لأنها لاتحل للملك إلا بعد وفاة أخيه وهو مالم يحدث فى حالتنا هذه، وعندما فشل الملك فى إسكات صوت نبى الحق قام بوضعه فى السجن فى قلعة مكاريوس لحين البت فى أمره .
” ثم لما صار مولد هيرودس رقصت إبنة هيروديا فى الوسط فسرت هيرودس، من ثم وعد بقسم أنه مهما طلبت يعطيها، فهى إذ كانت قد تلقنت من أمها قالت: أعطنى هاهنا على طبق رأس يوحنا المعمدان، فاغتم الملك، ولكن من أجل الأقسام والمتكئين معه أمر أن يعطى، فأرسل وقطع رأس يوحنا فى السجن، فأحضر رأسه على طبق ودفع إلى الصبية، فجاءت به إلى أمها” ( متى 14- 6: 12 ).
أى أنه فى ذات ليلة أقام الملك حفلة عيد ميلاده وبالطبع كان فيها أعيان اليهود، وهنا قامت سالومى إبنة زوجته بالرقص فى وسط الحضور،- مع ملاحظة أن الرقص كان مهنة تمارسها البغايا والعاهرات فقط، وهو مايلقى بظلال من الشك حول هذه القصة- ويبدو أن رقصتها قد أثارت الملك إلى درجة أنه أقسم أن يعطيها كل ماتطلبه أيا كان فى مقابل هذه الرقصة حتى لو طلبت نصف المملكة، ولكن الراقصة القنوعة إكتفت بطلب رأس يوحنا المعمدان فقط، ولأن الملك لايستطيع أن يخلف وعده أمام الحضور فماكان منه إلا أن قطع رأس يوحنا وقدمها لسالومى على طبق من فضة لتقدمها بدورها هدية لأمها التى يقال أنها أخذت سكينا وظلت تنغزه فى لسان صوت الحق القتيل إنتقاما لما قاله هذا اللسان عليها، أو ربما لتؤكد صدق كلماته عنها، وهكذا إنتصرت البغى على النبى، وذبح يوحنا المسكين برقصة من عاهرة إبنة عاهرة أمام ملك شهوانى متعطش للجنس .
كانت هذه هى قصة يوحنا المعمدان فى الكتاب المقدس المسيحى، وإن كان هذا لايمنع من أن هناك وجهة نظر أخرى لنفس الحادثة عند يوسيفوس المؤرخ اليهودى فى عصر الميلاد، إذ يؤكد يوسيفوس أن قتل يوحنا كان وراءه دوافع سياسية تتمثل فى خوف الملك من تزايد شعبية النبى وانضواء الجماهير تحت لوائه مما قد يؤدى إلى فتنة سياسية، وحدوث قلاقل هو فى غنى عنها(21)، وتذكرنا رواية يوسيفوس المخالفة للنص المقدس بمقولة معاصرة لكارل ماركس: “إن الدين هو تفسير زائف لوقائع حقيقية” ..! أى أن قتل يوحنا كان واقعة حقيقية تاريخية، بينما مبرر القتل هو الذى قد يكون زائف أو غير واقعى، أما نحن فلايهمنا فى هذا الموضوع سوى أن يوحنا قد قتل على يد هيرودس أنتيباس لقوله كلمة حق عند سلطان جائر .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد شومان. Bookmark the permalink.