هل سيطلق العسكر لحاهم؟

عبد المجيد الشهاوي

الدولة الدينية هي هذه التي يكون فيها لرجال الدين الغلبة، الغلبة الحاسمة بالذات، ليس على الاقتصاد أو الصحة أو التعليم أو الترفيه أو الآداب، أو حتى على عقول العامة والبسطاء…الخ فقط، إنما أيضاً، وهو الأهم كثيراً، على منظومة الحكم وآليات احتكار القوة. هذه الأخيرة بالتحديد ظلت طوال التاريخ المصري، قديمه وحديثه، بيد رجال وحكومات لم يكونوا، وليسوا، أبداً رجال دين أو مؤسسات دينية. مؤسس مصر الحديثة، محمد علي، وحكوماته، وخلفائه من بعده وحكوماتهم، وصولاً إلى جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وحكوماتهم، جميعهم رجال حكم غير دينيين، أو، بالتعبير الشائع، علمانيين- حتى لو كان منهم من لا تفوته فريضة ولا سنة. الدولة المصرية، طوال عهودهم وحتى قبلها، ظلت على الدوام دولة علمانية، معارضة بالدولة الدينية كما في أوروبا العصور الوسطي أو في إيران المعاصرة.

الدولة العلمانية ليست ديمقراطية بالضرورة؛ قد تكون ملكية وراثية أو عسكرية أو مدنية، شمولية أو فاسدة أو استبدادية، ناجحة أو فاشلة؛ لكنها في جميع الأحوال دولة غير دينية، بمعنى أن رجال الدين فيها بعيدين عن الحكم، وبخاصة آليات احتكار وممارسة القوة: الداخلية والجيش والأجهزة الأمنية والخارجية ومؤسسة الرئاسة ورئيس الحكومة. على سبيل التوضيح فقط، الدولة السعودية، لدهشة الكثيرين، دولة علمانية، نظام الحكم فيها ملكي وراثي. كيف عرفت؟ ببساطة، رجال الدين، بمؤسساتهم، هناك يأتمرون بأمر الملك وينتهون بنهيه، ليس العكس أبداً، حتى لو كان الملك يعطي لهم أذناً أكبر من غيرهم. في السعودية، لا شك أبداً أن رجالات الداخلية والجيش والأجهزة الأمنية والخارجية والحكومة وكل شيء، حتى رجال الدين أنفسهم، يخضعون خضوعاً مطلقاً للملك، ويأخذون أوامرهم مباشرة منه، ليس من أي أحد سواه، مهما علا مقامه وشأنه الديني.

 

إيران هي الدولة الوحيدة بجوارنا التي يمكن القول إنها دولة دينية، بعد الثورة الإسلامية في 1979 فقط. هناك أعلى منصب ديني، المرشد الأعلى الخميني ومن بعده خامنئي، هو من يرسم السياسات العامة للبلاد، وتحت إمرته القيادة العامة للقوات المسلحة، وبيده إعلان الحرب والسلام، وحتى عزل رئيس الجمهورية نفسه. هذه الدولة دينية بوضوح، لأن صاحب الأمر والنهي الأول، والحاسم، فيها هو المرشد الأعلى ورجال الدين بمؤسساتهم المختلفة، حتى وإن شاركهم في الحكم مدنيون من غير أصحاب المناصب الدينية، مثل الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد وأعضاء من حكومته.

ما يحدد أن نظام الحكم لدولة ما ديني من عدمه ليس أنها من حين لآخر تجلد بالسياط بعض من أبنائها وبناتها، أو ترجمهم بالحجارة حتى الموت، أو تقطع أيديهم من خلاف أو رقابهم بالسيوف، أو ترسل ورائهم هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لردهم عن المعاصي، أو تبعث إليهم الدعاة التقاة لهدايتهم من ضلالهم والعودة بهم إلى الإيمان، أو تنص في دساتيرها على أن الإسلام دنياها وآخرتها، مثلما حدث ويحدث بشكل واضح في أفغانستان وباكستان والسودان والصومال والسعودية ودول أخرى. كل تلك قشور سطحية لا تؤثر بكثير في جوهر نظام الحكم. المحدد الحاسم لطبيعة الدولة الفعلية هو: أين تكمن مقاليد الحكم والقوة، بيد من؟

حتى اللحظة، الأصوات الدينية في مصر كثيرة، منها الشيخ يوسف القرضاي، والشيخ محمد حسان، وشيخ الأزهر أحمد الطيب، ومشايخ الحرية والعدالة والنور السلفي وغيرهم كثيرين. رغم ذلك، أي منهم لا يملك شيئاً على الإطلاق من آليات الحكم وممارسة القوة الفعلية في النظام السياسي المصري؛ المجلس العسكري، من خلال حكومته المعينة، هو صاحب الأمر والنهي المطلق والوحيد. طبعاً، المجلس العسكري ليس مؤسسة دينية.

هل يأتي على مصر اليوم الذي تأخذ فيه مؤسسات الحكم وممارسة القوة والسيادة أوامرها من رجل دين، أو مؤسسة دينية، مثل الحال في إيران اليوم؟ هل سيطلق العسكر لحاهم؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد المجيد الشهاوى. Bookmark the permalink.