التَّنَبُّؤَاتُ الحَصْرِيَّةُ للشَّيْخِ المَخْلُوْعِ

د. بليغ حمدي إسماعيلبليغ

يبدو أن بركات الشيخ المخلوع حسني مبارك قد حلت على المحروسة فعلاً ، فهو منذ سنوات قليلة جداً أعلن تنبؤاته الحصرية ، مرة حينما قال إن البديل عنه هو الإخوان و الفوضى والحمد لله في السراء والضراء مصر أصبحت بلداً تحترف صناعة الفوضى ، أما الإخوان فاستطاعوا بحق أن يحققوا نبوءته باعتلاء سدة البرلمان واقتناص مقعد الأغلبية ببرلمان الوطن .

 ومرة حينما قال عبارته التهكمية عن قوى المعارضة وقت نفوذه وسطوته وعز تزويره البرلماني : خليهم يتسلوا ، وفعلاً أصبحنا نتسلى بمقدراتنا البشرية والمادية وكأن مصر بات من قدرها ألا تستفيق أبدا .

وخير دليل على تنبؤاته الحصرية ما حدث بمصر يوم الأربعاء الأسود ؛ ذلك اليوم الذي سطرت فيه الفوضى المخططة والمنظمة والمشبوهة أيضاً صفحة جديدة في مؤامرة تخريب البلاد ونشر الخوف والفزع في كل أرجاء مصر ، وللأسف أن الطرف الثالث الذي اتفق على تسميته ويعلم ويفطن جميع أهل المحروسة أنه النظام السابق المقيم حالياً في بورتو طرة لا يزال يستخدم أسلحته البائدة والرخيصة التي كان قد استخدمها من قبل في موقعة الجمل العام الماضي .

فالنظام السابق الذي ترفض كل وسائل الإعلام اتهامه بأنه هو الطرف الثالث أو اللهو الخفي يمارس اقتناصه المستباح لجسد مصر وعرضها دونما استحياء أو إعلان خفي مستتر ، والدليل أن محاولاته المستميتة لإغراق البلاد في مسلسلات الفوضى المستدامة من أجل أن نترحم على أيام الرئيس المخلوع مبارك والأمن والأمان الذين كنا ننعم بهما في ظل عقود الخلافة المباركية الراشدة ونظام أمنه المستتب.

وككل العقليات السياسية البائدة على المستوى النظري والتطبيقي لم يجد النظام الفائد وفلوله الباكين على أطلال الثلاثين عاماً المنصرمة ، كان المخطط هو إحداث عمليات فوضى وتخريب عشوائية تسفر عن قتلى وجرحى لإحراج المجلس العسكري وحكومة الإنقاظ وداخلية مصر وبرلمان الصناديق الدينية ، وكان مكان العملية مدينة بورسعيد الرشيقة الجميلة التي ظلت تعاني التهميش والإلغاء وربما الاستبعاد السياسي والاجتماعي منذ حادث الاعتداء المزعوم على المخلوع مبارك في بورسعيد منذ سنين .

وكان التخطيط الجهنمي هو صيد عصفورين بحجر واحد ، العصفور الأول هو إفساد فرحة عروس القناة من جهة التي كانت تعد استضافة قطبي الكرة في مصر الأهلي والزمالك عرساً رياضياً جماهيرياً، والعصفور الثاني وإحداث الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب الواحد ، وبالفعل استطاع الطرف الثالث الذي لم يعد خفياً أن يفسد الفرحة ويعيث في الأرض فساداً بل وجعل الوطن كله مكلوماً وحزيناً ومضطرباً ، ونجح بالفعل في إبعاد مجلس الشعب الذي لا يزال يحبو بأولى خطواته باتجاه الإصلاح السياسي والرقابي .

ولابد أن نعترف بصدق ولو مرة واحدة أمام أنفسنا أنه نجح الطرف الثالث في أن يتحدى النظام والاستقرار ويعلن الفوضى بديلاً لنظام مبارك الأمني ورجال العادلي القابعين حتى وقت الكتابة بديوان الوزارة ولا تزال أنيابهم ومخالبهم أقوى من إصرار هذا الشعب العظيم الذي يأبى أن يسقط مجدداً .وكفانا الاجترار الرخيص لانتصاراتنا المزعومة لأنها ورقية ومؤقتة ، فمن المخجل أن تعلن جماعة الإخوان المسلمين انتصارها المدوي في انتخابات مجلس الشعب وأنها أغلبية مصر حتى وقتنا هذا في الفضائيات التي أصبحت فارغة من الجوهر والمضمون ، ومن المعيب أن نتصدى الآن لمعارك بالية بين الليبراليين والتيارات الدينية الصاعدة بقوة مخيفة وهذا الوطن يشارف على السقوط .

ورجوعاً لتنبؤات الشيخ مبارك الحصرية فكل ما رأيته من مشاهدات عبر التلفاز حول المباراة وأحداثها وما بعد الأحداث أمام مبنى وزارة الداخلية وأمام محكمة إمبابة هو نمط من الفتنة التي أطلقها الرئيس المخلوع مبارك حينما قال عبارته المسمومة: البديل عني هو الإخوان و الفوضى . أما الإخوان فلم أر منهم حتى الآن ما يدعو للريبة بشأنهم أو بسياساتهم نحو البلاد سوى ما يردده المهندس نجيب ساويرس بشأن تمويلهم الخارجي وهذا لا يعيبهم لأنهم لا ينفذون أجندات أجنبية حتى الآن ، أما الفوضى  فهل نحن بحق قادرون على إخماد فتنتها المضطرمة ؟ .

حتى مبارك وسياساته الرياضية التي نفذها مهندسو الجبلاية نجحوا جميعاً في تحويل العبارة الأثيرة التي كانت تكسو جدران مدارسنا ونحن صغار : الرياضة أخلاق إلى عبارة : بلد البالة مجبتش رجالة ، وبالتأكيد أن الذين رفعوا هذه اللافتة هم أجهل وأصغر بل وأتفه من بعوضة مسكينة لا قدرة لها سوى أن يقهرها ابني الصغير بإصبعه الصغير.

وأنا على يقين أن هؤلاء والمخربين من مشجعي النادي المصري الذين هم أيضاً ليسوا منهم ولا ينتمون إلى هذه الأرض السخية برجالها الأوفياء الشهداء  لا يعرفون شيئاً واحداً يذكر عن هذه المدينة الباسلة الجميلة التي عانت في عهد مبارك المخلوع أكثر مما عانت أيام العدوان الثلاثي وحرب أكتوبر المجيدة .  وكلنا نعلم قدر أهلها الذين وقفوا يوماً أمام بطش وطغيان المخلوع مبارك فكان جزاؤهم النسيان وشطب اسمها من ذاكرة الدولة النفعية .

وليت أولئك المأجورين لعنوا عقود مبارك التي دفعتهم لأن يبيعوا كرامتهم وآدميتهم مقابل حفنة من الجنيهات التي لا قيمة لها بأسواق التداول المالية العالمية بدلاً من أن يقيموا في كل بيت عزاء ، وفي كل شارع سرادقاً . ولكن سيذكر التاريخ أن من أولى المدن المصرية التي دخلتها الكهرباء كانت بورسعيد في 1891م ، وهي أيضاً أول مدينة بعد العاصمة تدخلها الفوضى في فبراير 2012م . وليت هؤلاء الأجورين التفتوا إلى عبارة المفكر روديارد كبلينجحينما قال في مذكراته :  إذا أردتم ملاقاة شخص ما عرفتموه وهو دائم السفر، فهناك مكانين على الكرة الأرضية يتيحا لكم ذلك، حيث عليكم الجلوس وانتظار وصوله إن عاجلا أو اّجلا وهما: موانيء لندن وبورسعيد.

ولكن كيف يدركون هذه الحقيقة وهم الذين حرقوا ودمروا من قبل ذاكرة الأمة حينما أحرقوا المجمع العلمي ، وكيف سنعيدهم إلى حظيرة العقلاء بعد ثلاثين عاماً من أنظمة تعليمية كرست أن مبارك هو صاحب نصر أكتوبر وأنه أمين الأرض وأنه قائد الأمة العربية وأنه القوي الأمين وكيف سنجعلهم على الطريق القويم في ظل إعلام ظل يصور رجال الأزهر والدين الإسلامي على أنهم مجرد أرجوزات الأفلام والمسلسلات المصرية ، ومن نجا منهم من السخرية صورته بقية الأفلام على أنهم متزمتون ومعقدون ويحتاجون إلى إعادة تأهيل وتربية وإعداد مجتمعي جديد.

المهمة أصبحت جد خطيرة ، والأمر لم يعد يحتمل الآن مزايدات وطنية بين البرلمانيين من جهة ، وبين الإخوان والليبراليين  و6 أبريل وكفاية والتيارات الإسلامية وأقباط ماسبيرو وكاذبون والمجلس الاستشاري وحكومة إنقاذ الوطن من جهة أخرى، فليس المجال يسمح الآن بصراعات وهمية أثبتت بالأدلة والبراهين أن كافة القوى السياسية في مصر الرسمية وغير الرسمية عاجزة وغير قادرة على صد غزو الفوضى القادم من وراء السجون الفارهة .

القضية أخطر من إقالة وزير أو محافظ أو التحقيق مع مدير الأمن ومعاقبة صغار الضباط الذين لا يزالوا يحاولون جاهدين استرداد هيبتهم الضائعة ومنهم الشرفاء والمحترمين فلسنا يا عزيزي كلنا فلول ولصوص وخونة ومرتزقة . القضية هي أنه لابد أن يعي هذا الشعب العظيم الذي أسقط نظاماً سرطانياً فاسداً يقبع خلف القضبان بتهم فساد وإهدار وقتل وتزوير وسرقة بحقيقة المخططات التي تريد أن تنال من استقراره وأمنه، أفيقوا قبل أن تغرق مصر في طوفان الفوضى ، وإلى الذين استشهدوا دونما موعد وهم بالفعل كانوا ضحايا هذا ما جناه الفاسدون بكم وبنا .

وكم أتمنى أن يمد الله في عمري لأرى حينما يقوم المجلس العسكري بتسليم السلطة للمدنيين ، وكأن المدنيين هؤلاء من جنس آري مغاير لطبيعة المصريين ، وأرى هذا المصري المدني الذي يحلم به المصريون كيف سينهض بالبلاد بدلاً من إدارة شئونها ، لأنه والله أعلى وأعلم شؤونها لا تسر ..

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل. Bookmark the permalink.