سقوط التنوير الحكومي

د. نصر حامد أبو زيد

بدأت الهيئة المصرية العامة للكتاب في إعادة إصدار بعض الكتب الهامة في تاريخنا الثقافي الحديث مثل ‘الإسلام وأصول الحكم’ لعلي عبد الرازق، و’مستقبل الثقافة في مصر’ لطه حسين إلي جانب بعض كتب الشيخ ‘محمد عبده’ و’سلامة موسي’ وغيرهما من أعلام النهضة وضحاياها أصبح شعار ‘التنوير’ هو شعار المرحلة وصنمها المعبود. كانت سلسلة ‘كتب التنوير’ الاسم الذي حملته الإصدارات المذكورة جزءا من المواجهة الثقافية/ الأمنية ضد ‘الإرهاب’ الذي كانت يده قد طالت قلب القاهرة مكانيا، وكانت قد تمكنت من اغتيال رئيس مجلس الشعب الدكتور ‘رفعت المحجوب‘ وكادت تودي بحياة وزيري الإعلام والداخلية من رجال السلطة السياسية، كما تمكنت من اغتيال الكاتب ‘فرج فودة’.

 لم يكن ممكنا الاكتفاء بالمواجهة الأمنية وحدها، لأنها كانت قد فشلت فشلا مروعا في مواجهة جماعات الإرهاب منذ اغتيال رئيس الجمهورية السابق وهو علي منصة الاحتفال بالذكري الثامنة لانتصار السادس من أكتوبر1973 كان وصول يد ‘الإرهاب المسلح’ إلي قلب القاهرة، وتهديده لرموز السلطة وقتل بعض رجالها علامة فارقة أظهرت عجز النظام وجهاز أمنه عن حماية نفسه.

من المهم الإشارة هنا إلي أن حماية المجتمع لم تمثل في هذا التاريخ الممتد من 1981 إلي 1993 منطلقا أو هما من هموم النظام السياسي بقدر ما كان الهم الأساسي هو حماية النظام من الانهيار. لقد كان القتل مستعرا في الصعيد ضد المواطنين مسلمين وأقباطا الذين اعتبرهم ‘الإرهاب’ رهينة من خلالها يحاول النيل من هيبة النظام السياسي وإظهار ضعفه وتهافت بنيته ومشروعيته في نفس الوقت. في ذلك الوقت كتبت كما كتب غيري أن محاربة ‘الإرهاب‘ تبدأ من أمن ‘الموطن’، فعدم الاهتمام الأمني بأمر سيارة أو دراجة مسروقة يعني مساعدة الإرهاب في استخدام الدراجة أو السيارة المسروقة لكي تكون فخا ينفجر أمام مدرسة أو في وسط مجمع سكاني. لكن النظام كان مشغولا طوال الوقت بحماية استقراره هو وأمنه هو حتي وقعت واقعة اغتيال بعض رموز النظام وطالت يد الإرهاب عاصمة النظام. كانت التفجيرات التي وقعت في قلب ‘ميدان التحرير’ في القاهرة، واغتيال ‘فرج فودة‘ ظواهر دالة علي ضعف قوة النظام وقلة حيلة أجهزة الأمن في التصدي لذلك الخطر.

في هذا السياق وفي محاولة من جانب النظام السياسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تحرك ممثلوه في اتجاهين يبدوان متعارضين وإن كانا يهدفان لغاية واحدة. كانت الحركة الأولي في اتجاه التفاوض مع الحركات والتنظيمات الإرهابية، وفي هذا الصدد جرت ثلاث محاولات: الأولي بين مجلس شوري تنظيم ‘الجهاد’ داخل السجن بقيادة ‘عبود الزمر’ وكبار ضباط مباحث أمن الدولة سنة 1992 والمحاولة الثانية توسط فيها عدد من العلماء والمثقفين من التيار الإسلامي برز من بينهم أسماء ‘محمد متولي الشعراوي’ و ‘محمد الغزالي‘ و’فهمي هويدي’ و’محمد عمارة’ و’عبد الصبور شاهين’، وشارك فيها وزير الداخلية ‘عبد الحليم موسي’ سنة 1993 أما المحاولة الثالثة فجاءت بمبادرة من أمير الجماعة الإسلامية في أسوان أثناء محاكمته مع آخرين في ربيع عام 1996 ولكن الحكومة رفضت التفاوض لأنها كانت قد سيطرت أمنيا علي الموقف منذ أواخر عام 1995 خاصة بعد محاولة اغتيال الرئيس في إثيوبيا. ملاحظة جانبية لا ضرر منها: رفضت جامعة القاهرة برئاسة الدكتور ‘مأمون سلامة’ ونيابة الدكتور ‘محمد الجوهري’ ترقية ‘نصر أبوزيد’ في سباق محاولة التفاوض الثانية بين النظام والإرهاب، حيث كان كل من ‘مأمون سلامة‘ و’عبد الحليم موسي’ يلتقيان في مسجد السيدة ‘نفيسة’ رضي الله عنها، فكلاها من مجاذيبها!
كانت الحركة الثانية للنظام السياسي في اتجاه ‘تجنيد’ المثقفين في معركته ضد الإرهاب والتطرف، وهي ليست حركة منفصلة عن حركته المشار إليها للتفاوض من خلال وساطة المثقفين الإسلاميين. بدأت تلك الحركة الثانية بدعوة من بعض المسئولين المشهود لهم بالاستنارة للقاءات مع مجموعات من المثقفين والكتاب والمفكرين الذين اشتهروا دائما بروح المعارضة والنقد. في سياق تلك اللقاءات حدثت عملية إحلال رؤساء تحرير جدد لمجلات وزارة الثقافة. ويعلم الجميع أن تغيير القيادات الثقافية بإحلال أسماء جديدة مكان الأسماء القديمة كان بهدف استيعاب رموز المعارضة الثقافية في العهدين السابقين. كما يعلم الجميع أن المختارين الجدد كانوا من المثقفين المشهود لهم بالكفاءة والخبرة والمشاركة الإيجابية في الهم العام. كانوا مثقفين بكل معني الكلمة، تعرضوا للاضطهاد بدرجات متفاوتة في العهد السابق.

ومن المفارقات اللافتة أن معظم هؤلاء المثقفين الذين تم اختيارهم العمل الثقافي كانوا شديدي النقد للمثقفين الذين تعاونوا مع النظام السابق من منطلق ‘التغيير من الداخل’، فقد كانوا يرون أن ‘الفرد’ ويحوله إلي مجرد ‘ترس’ صغير في آلته الجهنمية. تغيرت وجهة النظر تلك في أوائل التسعينات حين بدأت تلوح في الأفق المائل العيني بمدنية ‘القاهرة’ مخاطر ‘الإرهاب’ الذي يتقنع بقناع الدين، وطالت يده أعناق المثقفين كما طالت بعض رموز السلطة والنظام، وهنا استعار المثقف الذي تحول إلي ‘مفهوم التنوير’ إحيائيا، أي التنوير كما صاغه السلف، سواء سلف التراث المعتزلة وابن رشد أو سلف النهضة، محمد عبده وطه حسين وسلامة موسي.. الخ. لم يكن لدي المثقف المطالب بالحركة السريعة لإطفاء ‘الحريق’، الذي يكاد يلتهم السلطة، وقتا لإنجاز صيغته ‘التنويرية’ المستندة علي قواعدها التراثية من خلال التركيب النقدي الخلاق، ومن منطلق تحليل واع لأفاق اللحظة التاريخية في سياق مغاير لفكري التراث والنهضة معا. ليس هناك وقت لذلك، فلنهلل للتنوير الجاهز ولنرفع أعلامه ونردد شعاراته: العقل بديلا عن النقل. التسامح بديلا عن التعصب، قبول الآخر بديلا عن التقوقع داخل أسوار الأنا، الإبداع بديلا عن التقليد والإتباع..الخ تلك الصيغ الجاهزة المعلبة المنتزعة من سياقها لتزرع في سياق فكر غث تردادي، لا يختلف في بنيته عن ما يتصوره ‘نقيضه‘، هذا الذي يمنح بدوره من مخزون سلفي أصابه العطن.

إن استعراضا سريعا لفكر النهضة من خلال منظومة علاقة المثقف بالسلطة كان يمكن أن تعلم المثقف المعاصر درسا لا ينسي، أن الدولة الحديثة في مصر كما هي في العالمين العربي والإسلامي مع تفاوتات لا يعتد بها في هذا العرض السريع تحتاج دائما للمثقف للقيام بدور تأصيل الأساس الإيديولوجي لنظامها السياسي، خاصة حين يكون عليها أن تستوعب مفهوم ‘الحداثة’ وتتزيا بأزياء ‘العصرية‘.

قام مشروع ‘التنوير’ العربي تاريخيا علي محاولات وجهود مفكري الطبقة الوسطي في سعيها لإقامة مشروع الدولة القومية ‘الحديثة’ لتحل محل ‘الولاية’ التابعة للإمبراطورية العثمانية، والتي كانت قد دخلت بدورها مرحلة الشيخوخة التي لا شفاء منها، مرحلة ‘رجل أوروبا المريض’ والذي قررت أوروبا التخلص منه واقتسام أملاكه منذ الربع الأخير من القرن الثامن عشر. في نفس القرن تقريبا كانت مصر الولاية العثمانية تدخل فترة من أهم فترات تطورها الاقتصادي والاجتماعي، وهي فترة يمكن تقسيمها إلي ثلاث مراحل.

تمثل المرحلة الأولي بداية إرهاصات النمو التجاري الرأسمالي: ‘وذلك بفضل الانتعاش التجاري الذي شهدته مدينة القاهرة في بداية القرن الثامن عشر’، وقبل الحملة الفرنسية (1798 /1801) التي ينسب إليها عادة الفضل كل الفضل في انتقال المجتمع المصري من ‘العصور الوسطي’ إلي عصر ‘النهضة’. لكن منتصف القرن الثامن عشر شهد تزايد الاهتمام الفرنسي بمصر بوصفها مصدرا للحبوب الذي كانت فرنسا في حاجة ماسة إليه لتغذية مارسيليا من جهة، وبوصفها سوقا لمنتجاتها ومصنوعاتها عن جهة أخري،  الأمر الذي كان له تأثير مباشر تمثل في تجميد الانتعاش التجاري المشار إليه، وأدي من ثم إلي نمو طبقة جديدة من غير المصريين يتزايد تركيز نشاطها في مجال التصدير.

أما المرحلة الثانية فتتمثل في دولة محمد علي التي تعد بشكل أساسي استمرار للاتجاهات التي بدأت في القرن الثامن عشر، ولا تمثل قطيعة مع ما قبلها. تزايد نمو القطاع الرأسمالي ولكن تحت تأثير متزايد لسيطرة الأقليات التجارية البحر متوسطية، والتي استطاعت من خلال علاقتها الوثيقة بالعائلة الملكية التحكم في الدولة. في هذه المرحلة شهدت مصر نوعا من الاستقرار والاستقلال النسبي نتيجة للتنافس التجاري في السوق العالمي، وللسياسة البريطانية في عشرينات القرن وثلاثينياته. ولكن حين بدأت قوة محمد علي المتنامية تهدد الإمبراطورية العثمانية التي كانت بريطانيا تعتبرها مانعا حاجزا ضد التوسع الروسي قامت إنجلترا بالقضاء عليه. وهكذا أدت اتفاقية لندن1840 1841 إلي القضاء علي نظام الاحتكار الذي كان عليه التطور الاقتصادي المصري.

هكذا في المرحلة الثالثة أصبح في حكم المحتم أن تعتمد التنمية المصرية علي نظام زراعة المحصول الواحد الذي تتحكم في تحديده طبقة من ملاك الأراضي تعتمد علي الوجود البريطاني.

كان التعبير الثقافي عن خط التطور المشار إليه نوعا من الإحياء يمكن أن يكون ‘كلاسيكية جديدة’، ففي المرحلة الأولي مرحلة الانتعاش التجاري في القرن الثامن عشر تم التركيز علي إحياء ‘علم الحديث النبوي’ مصحوبا بالتقنين بطرق شتي وعلي درجة عالية من الأهمية لأنشطة القطاع التجاري. في المرحلة الثانية سيطرة الدولة في عصر محمد علي حدث فتور في دراسة الحديث النبوي لحساب تزايد الاهتمام بعلم ‘الكلام’ من أجل تبرير سياسة الإصلاح التي تبناها محمد علي. وأخيرا كانت العودة إلي التركيز علي دراسة ‘علم الحديث’ مرة أخري تعبيرا عن إفلاس إصلاحية محمد علي البيروقراطية.

كان المشروع السياسي للدولة المصرية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والمعبر أساسا عن الطموح الشخصي لمحمد علي (1805 / 1848)، هو محاولة إعادة إنتاج ‘الإمبراطورية العثمانية’ في صيغة عصرية حداثيه. من هنا استعار محمد علي المفردات الإصلاحية لمشروعه من مفردات مشروع الإصلاح التركي إنشاء جيش عصرى حديث مسلح بأسلحة عصرية،  إرسال البعثات إلي أوروبا لتحصيل العلوم العسكرية والاستعانة بالخبراء الأجانب للإشراف علي إنشاء المؤسسات الجديدة، وتطوير الدواوين القديمة بما يتلاءم مع متطلبات المشروع الطموح. وكان من الطبيعي أن تكون ‘فرنسا’ هي القبلة الأساسية بحكم ما تركته من أثر خلال حملة ‘نابليون إيجابي في بعض جوانبه وسلبي في بعضها الآخر في وعي النخبة من علماء الأزهر، وذلك للتقليل من شأن أي معارضة يمكن أن تثار في وجه طموحاته من قبلهم. لقد كان هؤلاء العلماء هم الذين نصبوا محمد علي حاكما علي مصر وبايعوه مشترطين عليه ‘العدل بين الرعية’ و’إقامة الأحكام والشرائع’ و’مشاورة العلماء في كل الأمور’ وإلا قاموا بعزله، وكان هذا العهد مصدر قلق لمحمد علي لم يتخلص منه إلا بالتخلص من هؤلاء العلماء المناوئين باستخدام سلاحي العصا والجزرة.

كانت المؤسسات الجديدة المعبرة عن المشروع الإمبراطوري لمحمد علي هي المطبعة الصحف إنشاء جريدة الوقائع المصرية والمدارس العسكرية التقنية كالطب والتمريض والمهندس خانه. وتمثلت والإيديولوجيا التي ساندت المشروع وسقطت مع سقوطه في إحياء ‘علم الكلام’ ذي الصبغة العقلانية التقليدية المحافظة الماتريديه بصفة خاصة ليحل محل علم ‘الحديث النبوي’ في موقع الصدارة والفعالية، لأنه كان مطلوبا من الايديولوجيا الجديدة أن تؤدي وظيفة مزدوجة مركبة لا يقدر ‘الحديث النبوي’ علي الوفاء بها، مهما كانت أدوات التفسير والتأويل عميقة وناجعة. كان الدور المطلوب تبرير مشروع التحديث وتسويغه من منظور ديني عقلاتي نسبيا من جهة، والتصدي من جهة أخري لسحب البساط من تحت أقدام المشروع ‘الوهابي’ في شبه الجزيرة العربية، والذي كان يمثل تهديدا مباشرا لمشروع محمد علي الإمبراطوري. وكان لكل مرحلة من المراحل المذكورة كذلك نسق خاص من المؤسسات الثقافة. كانت المؤسسات هي المطبعة والصحف ومكاتب الترجمة، في حين صارت المدارس الحكومية النظامية هي مؤسسات المرحلة الزراعية. كان المثقف الذي صاغ تلك الإيديولوجيا الإحيائية هو الشيخ حسن العطار(ت 1835) أستاذ رفاعة الطهطاوي الذي درس في الأزهر وتركيا ودمشق قبل أن يعود إلي مصر وبصبح شيخا للأزهر منذ عام 1830 حتي وفاته. في هذا السياق يبدو عصر النهضة امتدادا للكلاسيكية الجديدة في القرن الثامن عشر، فليس الطهطاوي (1801 / 1873) إلا امتدادا تركيبيا فذا من أستاذة الشيخ حسن العطار ومن تجربة الرحلة إلي باريس.

لم يتجاوز خطاب الطهطاوي وعلي مبارك هذا الإطار التبريري التسويغي، مع فارق لا يمكن تجاهله هو أن التبرير في حالة الطهطاوي خاصة كان يسعي إلي استيعاب حداثة أوروبا الحداثة التي استوعبها في رحلة باريس في منظومة المعارف والعلوم الإسلامية بالقدر الذي كان متاحا له معرفيا كذلك. هكذا يستوعب علم ‘أصول الفقه’ مفاهيم مثل‘النواميس الفطرية’ أو ‘الحقوق الطبيعية’، فتتحول المفاهيم المؤسسة للمجتمع المدني إلي مفاهيم دينية ‘الاستحسان والاستقباح’، وبالمثل يتم استيعاب منظومة ‘الحقوق والأحكام المدنية’ في ‘الفقه’ التقليدي. أما مبادئ ‘الحرية’ و ‘المساواة’ فليست إلا ‘العدل والإحسان’. لا نسعي هنا إلي التقليل من شأن إنجاز الطهطاوي ولا من شأن إنجازات سابقيه أو لاحقيه، بقدر ما نسعي إلي تلمس الجذور المعرفية التاريخية للخلل الذي كان محاذيا لمشروع النهضة وأدي في النهاية إلي العودة مجددا بالانقلاب ضد الحداثة بطريقة التقدم إلي الخلف إلي التساؤل عن معني النهضة.

رغم انهيار مشروع الحلم الإمبراطوري لمحمد علي باتفاق لندن 1840 إبقاء علي ‘رجل أوروبا المريض’ في غرفة الإنعاش حتي يتم الاتفاق علي قواعد توزيع التركة لم ينكمش مشروع النهضة، ففي الوقت الذي بدأت فيه الجيوش في التراجع كان حجم النخبة المصرية يتنامي، ولم يعد قاصرا علي العلماء أو محصورا في دائرة الأزهر. انضم إلي قطاع النخبة الخبراء العسكريون وضباط الجيش المصريون، ثم تبعهم من تلقوا تعليمهم في فرنسا خاصة بعد التوسع في نظام البعثات ليضم أفرادا من خارج الجيش يدرسون العلوم المدينة مثل علوم الإدارة والقانون والاقتصاد. ويكفي لإثبات هذه الحقيقة استعراض أسماء الذين ساهموا في الثورة العرابيه وإنشاء أول حزب سياسي مصري علي أساس هو الحزب الوطني (أحمد عرابي، محمد عبده، محمود سامي البارودي، عبد الله النديم، محمد عبيد، علي فهمي). لقد كانت الثورة العرابيه التي بدأت بالمطالبة بمساواة المصريين بغيرهم في الترقي إلي المناصب العليا في الجيش تعبيرا سياسيا عن بداية استواء كيان الطبقة الوسطي المصرية. وتنامت المؤسسات الحديثة وتزايد عندها فأنشئت ‘مدرسة الألسن’ ومطبعة‘بولاق’، كما تزايد عدد الصحف اليومية (تم تأسيس الأهرام عام 1875) والمجلات الأسبوعية والشهرية (أنشئت ‘دار الهلال’ عام 1892). ولم يوقف الاحتلال البريطاني لمصر (1882) هذا المد إلا لبعض الوقت، فلم تلبث الحركة الوطنية المصرية أن نهضت ضد الاحتلال وواصلت كفاحها، فكانت ثورة 1919 بكل تجلياتها وتعبيراتها السياسية والاقتصادية والفكرية الثقافية تمثل مرحلة الاكتمال التي تجسدت في الاستقلال السياسي بصدور تصريح 28 فبراير 1922 وصدور دستور 1923، أول دستور مدني يدشن مجتمعا جديدا يقوم علي الديمقراطية والعقد الاجتماعي والمساواة بين المواطنين لا الرعايا في الحقوق والواجبات. وفي مرحلة الاكتمال تلك تعددت المؤسسات الثقافية لتضم المسرح والسينما بل والأوبرا والجامعة إلي جانب الأحزاب والنقابات والجمعيات والنوادي الثقافية والرياضية.

لقد تطور مشروع النهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطورا شهد البذور الأولي لملامح انقسامه إلي مشروعين: يعتمد احدهما المرجعية الحداثيه القائمة علي الفصل التام بين الديني والدنيوي، بينما يعتمد الآخر والذي يعد الإمام ‘محمد عبده’ بدون منازع المرجعية الإسلامية في اتجاهاتها العقلية الفلسفية والفقهية التي تتقبل منجزات الحداثة الأوروبية دون تعارض أو صدام. لم يكن هذا التطور وليد الاحتلال البريطاني لمصر فقط، وإن كان الاحتلال قد ساهم في بلورته، بقدر ما يمثل الصدام العسكري بين العالم الإسلامي والغرب منذ الحروب الصليبية أي منذ القرن العاشر حضانته الأولي. ويمكن القول إن السيطرة سياسيا وفكريا استقرت لصالح مشروع المرجعية الإسلامية بصفة عامة، ثم انقسمت هذه المرجعية بين مرجعية التراث العقلاني المتفتح علي التراثات الأخري، وبين مرجعية التراث ‘السلفي’ الذي ساد الفضاء السياسي والاجتماعي للعالم الإسلامي منذ نهاية القرن الخامس الهجري، الثاني عشر الميلادي.

لسنا في حاجة لتتبع حالات الاحتقان الناشئة عن هذا الانقسام، فيكفي أن نعلم أن ‘قاسم أمين’ و’طه حسين’ و ‘علي عبد الرازق’ ينتميان إلي عقلانية ‘محمد عبده’، في حين ينتمي ‘محمد رشيد رضا’ و ‘حسن البنا’ إلي الجانب السلفي في خطابه، وهو الجانب الذي تبناه رشيد رضا في منازلته لأطروحات علي عبد الرازق. في جيل لاحق يمكن أن نصنف ‘أمين الخولي’ أو ‘محمد أحمد خلف الله ‘ في جانب و ‘أحمد أمين’ و’شوقي ضيف’ في جانب آخر، والكل ينتمي إلي ‘طه حسين’. كان التعبير المؤسسي عن الانقسام المشار إليه هو حرص ‘علي مبارك’ علي إنشاء ‘مدرسة دار العلوم’ للجمع بين دراسة التراث ودراسة العلوم العصرية، وهو الأمر الذي كان يجد مقاومة شديدة في المؤسسة العتيقة، مؤسسة ‘الأزهر’. وتلا ذلك إنشاء ‘مدرسة القضاء الشرعي’ للجمع بين دراسة ‘الفقه’ ودراسة أنظمة القانون والمحاكم العصرية، وهي المدرسة التي سعي ‘محمد عبده‘ لإنشائها. وقد كانت مؤسسة الجيل الثالث من رجال النهضة هي مؤسسة ‘الجامعة الأهلية‘، التي كان من بين المخططين لمشروعها ‘محمد عبده’، والتي اجتذبت من مؤسسة الأفراد عناصر كثيرة.

الخلاصة من هذا الاستعراض السريع أن مشروع التحديث ظل مشروع نخبة الطبقة الوسطي في تعبيرها عن أحلام وطموحات السلطة السياسية، لا في تعبيرها عن مجمل أشواق وطموحات شعبية أوسع. لم يتمتع بمباهج ‘التحديث’ سوي بعض أحياء مدينتي القاهرة والإسكندرية، بينما ظلت البلاد كلها من أقصي الشمال إلي أقصي الجنوب باستثناء جيوب هنا وجيوب هناك بمنأى عن ‘التحديث’ الذي دفعوا ثمنه من عرقهم ودمائهم. ظل خطاب النهضة كذلك خطابا نخبويا لإصرار المثقف علي إعادة تأكيد ثنائية ‘الخاصة والعامة‘، وهي الثنائية التي لم يختلف عليها الخصمان اللدودان ‘أبو حامد الغزالي’ و ‘ابن رشد’، ومن هنا لم يكن ضمن برنامج النهضة خلق مؤسسات ثقافية تكون مهمتها ردم الهوة بين أفق خطاب النهضة النخبوي وبين أفق الخطاب العام.

لقد كان المثقف النهضوي يسعي دائما للعمل من خلال السلطة ولو بالسعي للانقلاب عليها، فلم يكن التغيير ممكنا في وعيه إلا بالانتماء للسلطة، أو بالاستيلاء عليها. وهذا بالضبط أحد الفروق الهامة بين الخطاب النهضوي والخطاب السلفي، لكن كليهما لم يدرك أنه حتي بالاستيلاء علي أجهزة السلطة، سواء بالانتماء أو بالاستيلاء يظل الجهاز ببنيته الإدارية حاملا مخلصا لإيديولوجيا السلطة التي أنشأته. ليس مهما من يدير ‘الهيئة المصرية العامة للكتاب’ أو ‘أكاديمية الفنون’ أو ‘المجلس الأعلي للثقافة’ أو ‘جامعة القاهرة‘، فنوايا الأفراد لا تصنع المؤسسات، بقدر ما تطبع المؤسسة الأفراد بطابعها القانوني والإداري.

وهذا يفضي بنا إلي النتيجة التي تغيب عن بال الكثيرين. إن كل مؤسسات ‘التحديت’ نشأت ضعيفة بحكم الميلاد، وهي من ثم محكوم عليها إما بالموت بالسكته القلبية، كما حدث لكثير من الأحزاب ومدرسة ‘القضاء الشرعي’، وإما أن تتحول تدريجيا إلي مؤسسات تقليدية تعيد إنتاج البني التقليدية التي نشأت أصلا لتغييرها، مثال ‘مدرسة دار العلوم’ ومؤسسة الجامعة، فضلا عن الأحزاب السياسية في بنيتها وتركيبها القبلي. هل تخرج ‘وزارة الثقافة’ عن هذا القانون؟ هل خان الوزير الفنان ‘فاروق حسني’ فعلا كما يزعم خصومه الآن قضية ‘التنوير’، وأي تنوير؟ يستند الكثيرون إلي وقوف الوزارة والوزير إلي جانب حرية الإبداع في قضية ‘وليمة لأعشاب البحر’، وهو استناد تدحضه مسارعة الوزير وأجهزة وزارته وعلي رأسها المجلس الأعلي للثقافة لتشكيل لجنة من النقاد مهمتها بيان أن الرواية لا تهين الدين أو العقيدة. وهل كانت محاكم التفتيش تفعل غير ذلك؟ الفارق أن اللجنة لم تكن تابعة للكنيسة، أقصد الأزهر، وكان من الطبيعي أن يطعن الطاعنون في أن اللجنة التي شكلها الوزير لا تصلح لمهمة، فهم ‘نقاد’ لا شأن لهم بتحديد ما يمس العقائد وما لا يمسها.

لقد صار هناك شبه إجماع ‘ثقافي’ بالصمت أحيانا وبالكلام في أغلب الأحايين أن ‘الشأن الديني’ من اختصاص ‘الأزهر الشريف’، أما ‘الشأن الأدبي أو الإبداع’ فمن شأن النقاد المختصين، ولذلك لم ترتفع أصوات كثيرة من بين المبدعين ضد مصادرة كتاب ‘حياة محمد’ لرودنسون: وهو قرار كان جديرا بإثارة اعتراض المهمومين بشئون التعليم في هذا الوطن. أعتبر الأمر مما لا يخص الإبداع، خصوصا وأن مؤلف الكتاب مستشرق، فالأمر لا يعني الكثير.

إن الفصل بين شئون ‘الفكر’ وشئون ‘الإبداع’ يقوم علي فهم سقيم لماهية الإبداع باستبعاد ‘الفكر’ من مجاله، وهو ما يرسخ عند المواطنين مفهوم ‘الفكر’ بوصفه عرض أفكار الآخرين، أي الحديث عن الفكر دون ممارسته. وهذا بالضبط ما يفعله تنويريو وزارة الثقافة منذ إنشائها: الهتاف للتنوير لا صناعته. في الوقائع الأخيرة اختلف المثقفون فيما بينهم بما فيهم منورو الوزارة، فأحدهم نبه الوزير بشأن الروايات الثلاث، وكتب آخر تقريرا عنها، وأيد كثيرون موقف الوزير والإجراءات الإدارية التي اتخذها عقابا للمسئولين عن نشر تلك الروايات. المشكلة أن الغاضبين من الوزير ظنوا وهذا الظن بالتحديد إثم عظيم، بل لعله كبيرة من الكبائر أن ‘الموظف/ المثقف’ لا يخضع لقانون الدولة. لماذا سكت تنويريو الوزارة عن فصل زميلهم؟ لأنهم أدركوا الحقيقة: إنهم موظفون ليس إلا. إذا أراد النظام تنويرا فليكن تنوير علي مقاس الظروف، تنوير سلفي قادر علي الدفاع عن القيم والأخلاق الاجتماعية الرثة.

إن النظام السياسي الذي لا يعلم المواطن كيف يفكر من حقه أن يحميه لاحقا من أي تفكير لا يريده. فمن حق وزير ‘التعليم العالي’، نعم العالي وليس التعليم الأساسي، أن يمنع الكتب ويصادرها إذا تصادمت مع قيم المجتمع الذي يحرسها النظام الذي عينه وزيرا. ومن حق وزير الثقافة بالمثل أن يعاقب الموظفين في وزارته إذا خالفوا قانون الوزارة وسمحوا بنشر روايات تصدم الأخلاق والمشاعر العامة. ما الغريب في هذا؟
الغريب أن البعض يتصور أن التحديث إقامة المباني الحديثة والسكك الحديدية وبناء دور السينما والمسرح والأوبرا والصحف وتأسيس الأحزاب والنقابات والبرلمان الخ قد رسخ ‘الحداثة’ بالمعني الفكري والعقلي والفلسفي، وهذا ليس صحيحا. ‘تحديث’ بلا ‘حداثة’، هذا هو الوصف الصحيح، بمعني أنه حدث تغيير في أشكال الحياة مع ثبات المعني. لكن في مجال ‘ الأدب‘ و’الفنون’، وهي تنتمي إلي مجال ‘الثقافة العالية’ تجاوز الأمر حدود التحديث والحداثة إلي ‘ما بعد الحداثة’ خاصة في مجال التأسيس النقدي والنظري. الفنان ‘فاروق حسني’ يرسم لوحاته وفق أحدث المدارس التشكيلية، ولا بأس فهذا ‘فن’ لا شأن للعامة به. وأدباؤنا متأثرين بنقادنا ألما بعد حداثيين يكتبون وفق ما يصل إلي وعيهم عبر الكتابات النقدية متحدين الأشكال التقليدية للكتابة وقافزين خارج أسوار ‘الجنس’ أو ‘النوع’ الأدبي والأشكال الفنية، ولا بأس أيضا بذلك ، فمن يقرأ؟ وعلي حد قول ‘نصار عبد الله’: يجب علي الكتاب أن يكونوا شاكرين: لأن هناك من يقرأ أعمالهم، ولو بهدف الإبلاغ عنها.

أريد أن أقول ذلك لأن مبدعينا تجاوزوا وعي العامة، وقفزوا من الحداثة إلي ما بعد الحداثة فمن حقهم أن يصابوا بالصدمة حين يكتشفوا أن وعي مجتمعهم مازال تقليديا لم يدخل بعد أفق الحداثة ناهيك ببعض ملامح ما بعد الحداثة. لكن الصدمة هنا منشؤها أنهم توهموا أن السلطة السياسية والمثقفين الذين وظفتهم السلطة السياسية ينتمون إلي نفس المجال الحيوي لما بعد الحداثة، ألم تتم دعوة فيلسوف التفكيكية ‘جاك دريدا’ للقاءات بالمثقفين والكتاب والمبدعين، الأمر الذي يؤكد أوهام المبدعين عن ما بعد حداثة المؤسسات الثقافية؟
لم يتوقف المبدعون كثيرا عن تعبير ‘دريدا’ عن أسفه لاكتشافه أن كثيرا ممن طرحوا عليه أسئلة وقدموا مداخلات علي نهجه الفلسفي لم يقرءوا أعماله بقدر ما قرءوا عنها في أحسن الأحوال. وهذا معناه أن كلا من ‘الحداثة’ ووريثتها ‘ما بعد الحداثة’ تمثل قشورا في الوعي الثقافي عند النخبة، لكنها قشور تقوم بدور ‘ورقة التوت’ التي تستر ‘عورة’ الذهنية التقليدية في كل بني السلطة السياسية والثقافية علي السواء. المتغير الذي حدث أن انتخابات شبه حرة في مرحلتها الأولي أتت بعدد من النواب المستقلين تخشي الحكومة من ‘الفضائح’ التي يمكن لهم تعريضها للرأي العام عن طريق مناقشتها في البرلمان. لذلك قررت الحكومة أن تسقط ورقة التوت مبرزة وجهها الذي طال العهد بإخفائه فكاد أن ينسي. ماذا يفعل المثقف الموظف وزيرا كان أم خفيرا؟ يكف الكل عن ألاعيبه ‘التنويرية’، ويعود إلي حظيرة ‘الأخلاق’ الرثة التي لم يغادرها أبدا.

والحل هو السعي بكل وسائل الكفاح والنضال للخروج من ‘تراب الميري’ الثقافي بتأسيس المؤسسات الثقافية المستقلة، التي يكون من أولي مهامها نقل ‘المعرفة’ و ‘الإبداع’ من أفق من ‘العامة’، وهو ‘الخوف’ الذي يعبر عن نفسه في صيغ ‘استعلائية‘. والحل في رأيي علي مستوي الفكر والإبداع ذاته يكمن في إحلال ‘التنوير’ محل ‘التنوير’. إن حالة ‘مخاصمة’ الفكر تلك، والتنكر له تنكرا تاما، هي المسئولة عن شيوع نهج ‘التكفير’ في حياتنا. ولا أقصد التكفير الديني فقط، وإن كان أخطر أنماط التكفير، ولكني أشير أيضا إلي التكفير السياسي والعرقي والثقافي، وكل أنماط الاستبعاد والإقصاء. إن ‘التكفير’ هو النهج الكاشف عن مخاصمة ‘التفكير’ والانقلاب ضده، ولا غرابة في ذلك فالمفردتان اللغويتان ‘فكر’ و ‘كفر’ تنتميان إلي مادة لغوية واحدة من حيث أصل الاشتقاق. أنها مادة الفاء والكاف والراء (فكر) تم قلبها بتقديم الكاف علي الراء مع بقاء التضعيف ‘بالشدة’ علي الحرف المتوسط في الحالتين: وهكذا انقلب التفكير إلي تكفير.

وتثوير الفكر الذي نحتاجه يتطلب السعي إلي تحريك العقول بالتحدي والدخول إلي المناطق المحرمة، مناطق اللامفكر فيه حسب تعريف ‘محمد أركون’، وفتح النقاش حول القضايا. وأهم من ذلك التخلص من ذلك الجدار العازل الذي طال وجوده في ثقافتنا بين ‘العامة’ و ‘الخاصة’، فتلك الدعوات التي تتردد بين الحين والآخر عن حصر النقاش في بعض القضايا الدينية داخل دائرة ‘أهل العلم’، حتي لا تتشوش عقائد العامة أو يصيبها الفساد، دعوات في ظاهرها الرحمة والحق وفي باطنها السوء والباطل. كيف يمكن في عصر السماوات المفتوحة التي تنقل ‘العالم’ إلي غرف النوم، وفي عصر اكتساح ثورة المعلومات لكل الحدود، حتي شاهد العالم كله بالصوت والصورة أسرار محاكمة الرئيس الأمريكي وأسرار حياته الجنسية، كيف يمكن في عصر كهذا أن يطالب البعض بحامية ‘العامة’ من خطر الفكر العلمي في أخطر القضايا التي تمس حياتهم. إنه للأسف منطق ‘الوصاية’ يتذرع باسم ‘الحماية’ لممارسة ديكتاتورية فكرية وعقلية لا تقل خطرا عن الديكتاتورية السياسية في مجتمعاتنا.

لعل هذه الدعوة إلي التثوير أن تمثل مناهضة معرفية لمفهوم التنوير’ في مجتمعاتنا: ذلك أنه صار مفهوما مشتركا بين الخطاب السياسي وخطاب النخب التي تدور في أفقه وتتحرك في فلكه. صار مفهوم التنوير في الخطاب العربي السائد فاقدا لمضمونه لأنه تم توظيفه توظيفا إيديولوجيا براجماتيا في سياق محاربة ‘الإرهاب’ بسلاح الأمن وحده، وثبا علي آليات التحليل العلمي العميق لنشأة الإرهاب في سياق سياسي/ اجتماعي مارست فيه النظم السياسية ولا تزال كل أنماط‘الإرهاب’ المادي والمعنوي ضد كل فئات المجتمع في هذا السياق الملغم اكتسب مفهوم ‘التنوير’ في وعي الجماهير سمعة تأييد السلطة السياسية والدعوة للالتفاف حولها. وصار ما أسهل أن يسمع الإنسان من بعض المثقفين، الذين ينسبون للفكر والمفكرين، من يقول: ‘نار النظم العسكرية المستبدة أرحم من جنة دعاة الدولة الإسلامية’، بل بالغ البعض إلي حد الذهاب بأن ‘حذاء العسكر علي الرأس أفضل من عمامة المتأسلمين’. هكذا تنازل المثقف ‘التنويري’ راضيا لا عن استقلاله الفكري فقط، بل تطوع بالانخراط انخراطا تاما في العمل في مشروع النظام السياسي في بلد.

وفي نقاش حول جدوي العمل من داخل النظام كان واضحا أن عددا لا يستهان به من مثقفينا يري أن ‘نار’ هذا النظام أفضل ألف مرة من ‘جنة’ الإسلاميين، وأنه أيا كانت تحفظاتنا فهو نظام حكم ‘مدني‘ جدير بالحماية في خطر ‘الدولة الدينية’ التي يسعي إليها الإسلاميون. كان هذا المنطق مخالفا لقناعاتي التي رسختها دراستي التحليلية للخطاب الديني، المعتدل والمتطرف، والتي لم تجد فارقا بينهما من جهة ولم تجد فارقا بين كليهما وبين الخطاب السياسي في الجمهوريات الثلاث في جهة أخري. إن النظام ليس ‘مدينا’ بل هو نظام عسكري ديكتاتوري لا يقل بشاعة في الحقيقة عن أي نظام ثيوقراطي، وعلي المفكر أن يظل دائما محافظا علي دوره النقدي والذي يتخلي عنه حين يختار طواعية أن يكون ‘ترسا’ في آلة النظام. لكن الجميع كانوا واثقين من قدرتهم علي الاحتفاظ باستقلالهم الفكري وعلي مواصلة القيام بأدوارهم النقدية، وأن التجربة هي الفيصل.

كان اليأس العام هو الذي أوهم المثقفين أن التحالف مع السلطان سيحمي حقوقهم ويمكنهم من الدفاع عن حرياتهم ومصالحهم المهدرة. تصوروا أنهم سيقومون بدور ‘المثقف العضوي’ الذي تحدث عنه ‘جرامشي’، وهو الدور الذي قام به بعض علماء الأزهر في دولة ‘المماليك’ وقبل أن يستطيع ‘محمد علي’ أن يستوعبهم بالعصا والجزرة في دواوينه. كان المثقف الأزهري يدافع عن مصالح الناس ويتصدي لظلم السلاطين والمماليك وقصة ‘عز الدين بن عبد السلام‘ أشهر من أن تحكي فاحتمت به الجماهير وقامت في نفس الوقت بحمايته. هذا المثقف لا يشبهه بأي حال من الأحوال المثقف الذي يدين بموقعه ومكانته للسلطان: فمن يملك حق ‘التعيين’ يملك حق ‘العزل’، ومن يريد أن يحافظ علي موقعه عليه استرضاء ولي النعم. لكن غرور البعض يوهمهم أنهم أفضل ممن سبقهم، وأنهم قادرون علي الاتيان بما لم يأت به الأوائل وتغيير قوانين العلاقة السلطة وأدواتها. وقعوا في الفخ لأنهم أرادوا أن يقعوا، فالسلطة كانت حاجة لفريق كامل يعزز أفراده بعضهم البعض.

في مناسبات عديدة أثيرت مناقشات عن إشكالية ‘المثقف والسلطة’ وقد شاركت في واحدة من هذه المناسبات: فسمعت عجبا. سمعت من يقول مستشهدا بطه حسين، الذي عمل وزيرا للمعارف العمومية في أحد حكومات ما قبل الثورة المصرية، أن المثقف الجدير بهذا الاسم هو الذي لا يتعالي عن الانخراط في العمل في ‘الدولة’، لا ذلك الذي يكتفي بالتشدق بالعبارات الفارغة الطنانة عن الاستقلال الفكري والترفع عن خدمة السلطة. وكان من الطبيعي لكي يضفي علي خطابه مسحة أكاديمية أن يؤكد وجوب التمييز بين مفهوم ‘الدولة‘ ومفهوم ‘السلطة السياسية’، مؤكدا أن ‘طه حسين’ واللبيب قادر علي فهم أن المتحدث يعتبره نموذجه الأعلي كان يعمل في خدمة الدولة ليخدم مشروعه التنويري وينقله من مجال ‘الحلم’ إلي دنيا الواقع. وغاب عن المتحدث غيابا تاما أن ذلك التمييز بين ‘الدولة’ والسلطة السياسية’ كان أمرا واقعا في المناخ الليبرالي والاجتماعي والسياسي في مصر قبل ثورة 1952 وأيا كانت اعتراضاتنا علي ليبرالية الماضي التي نعلم جميعا أزماتها في ظل الاحتلال الإنجليزي، الذي كان كثيرا ما يتحالف مع ‘القصر الملكي’ وأتباعه لخنق الحياة الديمقراطية ومصادرة الحريات باسم الحرص علي ‘الاستقرار’، فإن وجود إمكانية لتبادل السلطة بين الأحزاب كان حقيقة ملموسة في الحياة السياسية آنذاك. وفي هذا المناخ يمكن التمييز بين ‘الدولة’ و ‘السلطة السياسية’، وهو تمييز غير متحقق في الواقع الراهن.

 كان ‘طه حسين’ قادرا علي المراهنة، بحكم انتمائه السياسي والفكري لقوة سياسية لها كيانها المؤسسي الحزبي سياسيا، ولها قاعدتها الجماهيرية اجتماعيا، وأهم من ذلك لها مشروعها الفكري ثقافيا. من الصعب في ذلك السياق أن يتهم ‘طه حسين’ بأنه كان يعمل في خدمة السلطة وفي إطار مشروعها الفكري الثقافي مضحيا باستقلاله الفكري ومتخليا طواعية عن أهم أسلحته كمثقف، سلاح ‘النقد’.

 أما والحال غير الحال، وفي ظل استيعاب الدولة استيعابا كاملا وابتلاعها في جوف السلطة السياسية، فالتمييز بينهما لا دلالة له سوي تقديم تبرير لتنازل المثقف ‘التنويري’ عن التنوير الذي يدعيه. ‘أنا الدولة’ هكذا يزعم غالبية الحكام العرب بطرق وأساليب متباينة. وهل توجد جمهوريات وراثية إلا في عالمنا؟ لا يستطيع الباحث أن ينكر وجود مناخ شبه ليبرالي شبه ديمقراطي، خاصة في مجال النشاط الاقتصادي وبدرجة أدني في مجال النشاط السياسي لا يرقي إلي حد التسليم بإمكانية تبادل السلطة. هناك أحزاب سياسية تتكون، الأمر الذي يعطي انطباعا بوجود تعدد سياسي، لكن حرية تكوين الأحزاب وإعلانها تخضع لرقابة قوانين صارم، تجعل ‘التعددية السياسية’ مبتورة. وهناك أيضا بعض الحريات التي لا يمكن إنكارها في مجال الكتابة الصحفية، لكن حق إنشاء الصحف وحرية إصدارها محكوم أيضا بقوانين علي درجة عالية من التعسف. أما أدوات الإعلام المسموعة والمرئية فهي في قبضة النظم السياسية وتحت سيطرتها التامة، وفي مجتمعات تتمتع بنسبة أمية مرتفعة تتجاوز أحيانا نسبة 50 % يصبح تكوين وعي الجماهير وتشكيله بيد السلطة ورهن إيديولوجيتها.

هل يمكن بعد ذلك كله الالتجاء إلي نموذج ‘طه حسين’ لتبرير العمل في خدمة السلطة باسم ‘التنوير’، وأي تنوير هذا الذي يتخلي عن أهم أسلحة الفكر النقد ليحطب في حبل السلطة السياسية زاعما أنه يخدم ‘الدولة’. إننا جميعا مثقفين وغير مثقفين نعمل في خدمة ‘الدولة’، ولا يعني هذا بالضرورة العمل في خدمة ‘السلطة’: لأن هناك مسافة يمكن للمواطن المحافظة عليها بين انتمائه للدولة وبين تأييده لنظام سياسي بعينه. هذه المسافة في حق المواطن العادي يمكن أن تكون مسافات ومساحات شاسعة بحق المثقف والمفكر، وهي مسافات لا تفترض بالضرورة علاقة ‘عداء’ بقدر ما تؤكد ‘الاستقلال’. وليس ‘الاستقلال’ دعوي متعالية ضد العمل بقدر ما هو دعوة لتأكيد أهمية الرقابة النقدية في المجتمع، حتي في حالة تماثل مشروع النظام السياسي مع مشروع المثقف أو المفكر. وبعبارة أخري يجب التمييز بين قيام المثقف بدوره من خلال فعاليته كمثقف ومفكر وبين أن يتحول إلي ‘موظف’ في سلك السلطة السياسية. هناك فارق لاشك بين دور المثقف كحارس للقيم وناقد وبين دور ‘كلب الحراسة’ الضياع.

This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية and tagged , . Bookmark the permalink.