الإسلام هو الحل .. قضيه للنقاش

احمد إبراهيم

  • هذا الموضوع من أهم القضايا التي ينبغي أن تكون موضع نقاش , تلك المقولة التي تصورت جماعه ما إنها سوف تملك الحل السحري إلى مشاعر البسطاء في الشارع المصري لأنها سوف تمكنهم من أن يركبوا موجه الضيق الاقتصادي الذي يمسك بخناقنا جميعا وهى ( الإسلام هو الحل ) المقولة التي يختاروها شعارا في المعارك الانتخابية دائما وكأنما عثروا على مصباح علاء الدين الذي سوف يفتح لمصر طريق السلامة .. هذه المقولة بعموميتها الشديدة تحدثنا وكأن مصر قد هجرت الإسلام وكأن المصريين ضلوا السبيل ولا منجاة لهم إلا بالعودة للدين ! ..
  • ولا أعرف ولا يعرفون بلدا أخر في عالمنا العربي والإسلامي يقع فيه الدين الموقع نفسه الذي هو في نفوس المصريين لكن المصريين يفهمون الدين على انه علاقة بين العبد وربه . يفهمونه على انه صدق المعاملة قبل أن يكون حرفيه الشعائر والنصوص , يفهمونه على انه يسر لا عسر , لان الأمر موكول لحساب النيات والسرائر وهو حساب مباشر بين الإنسان وخالفه لا مكان فيه لكاهن أو وسيط
  • لنتحدث إذن عن الحل الصحيح لمصر

هو أن ترتفع طاقتنا الإنتاجية إلى حدود مطالبنا , وأن تكون لنا فلسفه تعليمية جديدة أكثر قدره على تلبيه احتياجاتنا بدلا من أن تكون جامعاتنا مجرد أنبوب لفيض من الخريجين تقصر معارفهم وخبراتهم عن حاجات العصر .. أن نجد الحل الشجاع للمشكلة السكانية حيث يتدفق على مصر ما يزيد على المليون نسمه كل عام أفواها جديدة تطلب الطعام والمسكن والعلاج يزيدون من صعوبة الحياة في بلد كثيف السكان محدود الموارد يضيق رزقه بضيق أرضه .. أن نحسن تدبير مواردنا .. أن ندرك أن أحدا لا يعول أحدا في هذا العالم الذي تحكمه المصالح .. الحل الصحيح لمصر إذن ليس مجرد وصفه سحريه يكفى أن نتناولها للشفاء إنما هو حزمه مترابطة من حلول علميه وعمليه لمشكلاتنا المتشابكة عناصرها ونجاحنا مرهون بقدرتنا على مخاطبه هذه المشاكل .

  • وليس في وسع أحد أن ينفى أن يكون للدين دور مهم في حياتنا لكل المشكلات التي تواجهنا وهو دور الواعظ والحافز والرقيب على الضمير , لان الأمر في النهاية مرتبط ببشر إن أحسنوا حسنت نتائجهم وان أساءوا ساءت العاقبة .. وما يكمل دور الدين داخل هذا الإطار التربوي ديموقراطية الآراء وتعدد الآراء والتكافؤ بين حقوق الإنسان ووجباته والإدراك المسئول لدور العدالة الاجتماعية في أثاره حماس البشر .. وتربيه الضمائر ليست لدين واحد بل حث عليها كل رسالات السماء وإلا لما كانت دهشة محمد عبده في باريس وهو يرى صدق المواطن الاوروبى في تعامله مع مشكلات وطنه عندما قال ( وجدت هناك إسلام بدون مسلمين ) , كان هدف الرجل أن يبكى على حالنا في الشرق , نحن الذين نتشدق بالدين ونتعلق بقشوره ونغفل عن جوهره الذي هو صدق التعامل مع الله ومع النفس والآخرين والوطن .
  • ومهما يكن نفور البعض ( وهم كثر ) للغرب وحضارته فقد حقق الغرب لإنسانه كل ما نصبوا إليه الآن في بلادنا .. ديموقراطية صحيحة , إعلاء لقيمه الإنسان واحترام لأدميته . مجتمع مهما بلغت حدة تفاوته الاجتماعي فقد استطاع الوفاء بقدر واف من المطالب الانسانيه لإفراده, التعليم الجيد والمسكن النظيف والخدمة الطبية ألمحترمه وقبل كل ذلك كرامه الإنسان .. لم يحقق الغرب طفرته إلا بنضج مكنه أن يخاطب مشكلاته بطرق علميه واعية ويربى بسلطة القانون وديموقراطية المؤسسات ونصح الدين وقدره المعرفة السلوك الصحيح لمواطنيه , لكنهم لا يريدوا أن يروا العرب إلا ما يريد أن يروه دليلا على فساد أخلاقه وتلك رؤية ظالمه لان فساد أخلاق أمه على النحو الذي يتصورونه لا يمكنها أن تحقق لإنسانها وعالمها كل هذا الذي حققته حضارة الغرب .
  • مشكله هؤلاء الذين ينادوا بأن الإسلام هو الحل انهم يقدمون لنا المقولة وكأننا سوف نعود إلى عصر المن والسلوى وان أسلمنا لهم زمام أمورنا ومصيرنا فإذا تحدثنا عن مشكلاتنا على نحو أكثر تفصيلا قال الأكثر اعتدالا منهم : ذلك هو الإسلام كما نريده .. إن كان ذلك ما يقصدوه بالإسلام فلا خلاف إلا أن نكون أمام قضيه خلاف في التعاريف لكن لا أعتقد أن المشكلة حول خلاف في التعريفات لكنها أكثر عمقا لأنها تتعلق بالمصير الذي يريدوه لنا .. نقول لهم نحن مسلمون ولكن مشكلتنا في كم كبير من المشكلات مع عدد كثيف من السكان ورقعه محدودة من الأرض وغياب قدرتنا على تنظيم جهدنا الإنساني لمواجهه مشكلاتنا المتداخلة ..

فيقولون

مشكلتكم الأولى أن إسلامكم منقوص ومعيب وربما تكونون من الكافرين وسوف تظلون فيما أنتم فيه إلا أن تطبقوا شرع الله .

هنا نأتي إلى مفتاح لقضية أخرى وهى تطبيق الشريعة , فإذا كان الإسلام هو الحل فان إليه تطبيق هذا الحل هو بالتطبيق الفوري للشريعة وهنا يظهر جدل كبير وطويل حول المتغيرات والثوابت , الأصول والفروع , قضايا العصر وضرورات الاجتهاد, لان خاتم النبيين ص أوضح الحكم  الصحيح عندما قال ( أنتم أعلم بشئون دنياكم ) . مشكله هذا التيار تكمن في كم كبير من الإجابات الجاهزة والمحفوظة التي يملكونها ومشكلته أيضا انه لا يسأل نفسه ولا يسأل غيره , مشكلتهم في هذا اليقين الذي بداخلهم يظنون أنهم يملكون مفاتيح الحل بترديد النصوص . نسألهم هل يعنى التطبيق الفوري للشريعة أن نحصل على المجتمع الفاضل ؟ .. لو أن ذلك صحيح فلماذا استحال علينا رؤية المدن الفاضلة خلال التاريخ من حكم بتسييس الدين .. نسألهم هل حصل السودان على ألمدينه الفاضلة عندما قطع نميرى في السابق أيدي الآلاف من أبناءه ؟ أم أن ما حدث كان ساترا تخفت وراءه مظالم الكبار وسرقاتهم ولهو بمصير بلادهم ؟ .. لقد قطع نميرى ( حاكم سابق للسودان ) الايدى بما فاق كل أعداد الايدى المقطوعة منذ أن ظهر الإسلام على الأرض لكنها كانت أيدي الجوعى المحرومين أبناء قاع ألمدينه , أما الكبار فنهبوا وسرقوا وباعوا الوطن وتاجروا بالوطن تحت حكم يسمى زورا باسم الشريعة .

  • نسألهم إن كان تطبيق الشريعة رهنا بتطبيق الحدود أفلا يكون من العدل أن يتوفر في المجتمع قبل تطبيق الحدود الحد الأدنى من ضمانات تكفل للجميع رزقا يغنيه عن الحاجة , أم يأخذنا الحماس لتقطيع الايدى لننعم برؤية جيش من المشوهين لن يصلح الزمان تشوهاتهم حتى إن فتح الله عليهم باب التوبة .. نسألهم إن كنتم تأخذون على النظام الاقتصادي الراهن أنه يقوم على بنوك تعمل بسعر الفائدة هل يكفى أن يكون النظام الاقتصادي إسلاميا لو أننا استبدلنا الكلمات لتكون المقايضة أو المرابحة بديلا ل سعر الفائدة ؟
  • لعل بعض الدارسين الذين اجتهدوا لكى يوفقوا بين الشكل والمضمون في رؤية إسلامية متكاملة لدور البنوك كانوا أكثر الجميع دعوه إلى الحرص والصبر .. لان الأمر أخطر من أن يكون قوله الفصل لشعارات تتحدث إلى مشاعر الإنسان البسيط لا إلى العقل والفكر لديه .. أن يكون الحل الإسلامي المراد هنا هو شركات توظيف الأموال التي أدارها في السابق مجموعه من المحتالين أصحاب اللحى وسرقوا مدخرات الناس بأسم الدين .
  • نسألهم ماذا لو أن الحاجة دعت المجتمع ( الذي هو بالضرورة متغير ) إلى سن قوانين جديدة , تناسب مشكلات عصره , أفلا يكون كافيا أن نطمئن إلى أن ليس في هذه القوانين ما يناقض الشريعة وذلك ما يجرى الآن بالفعل احتراما لدستور ينص على أن تكون الشريعة مصدرا للتقنين .
  • العاقلين في مجتمعنا سوف يعترفون بمشكلات التطبيق وربما كانوا على اقتناع بأن روح الإسلام الصحيح تلزم تأجيل قضيه الحدود إلى أن تتحقق للمجتمع ظروف أفضل يتهيأ فيها لكل مواطن بسيط فرصه الرزق الميسور , ولعلهم يوافقون معنا على هذا وربما تأتيهم الشجاعة للاعتراف بصعوبة الوصول إلى نظام اقتصادي إسلامي يغنى عن سعر الفائدة وصعوبة التطبيق الفوري لهذا النظام لكن مشكلتهم أن اعترافاتهم تأتى مكتومة الصوت ( في الحجرات المغلقة ) أما في العلن فلن نسمع سوى العبارات المعممة .. وما من سبب إلا أن هذه التعميمات تشكل الأساس في برنامجهم التثقيفي لأفواج من الشباب يريدونه قوالب جاهزة يملك الحلول دون أن تكون لديه القدرة على آثاره المشكلات , يمتلأ عينيه فرحا لأنه يتصور أنه ملك اليقين بترديد النصوص وان فاجأه الحوار بما لا يعرف كان الحل الأسهل الخناجر وضرب الخصوم حتى الموت أو اتهامهم بالكفر انتصارا لفكره الإسلامي .

المشكلة هنا أن هؤلاء لا يرون ضمانا لمقولتهم ( الإسلام هو الحل ) سوى أن يكونوا هم السدنة وهم الحكم , وهم القوامون على الأمر , لأنهم وحدهم أصحاب الطريق الصحيح , وهنا تظهر لب المشكلة وجوهرها .. لب المشكلة هو أنهم يتصورون أن الخلاف معهم خلاف مع الله , وأن من يعترف على بعض رؤاهم فإنما يعترض على مشيئة السماء , وهم يوحدون بين شخوصهم وبين حق التدبير الإلهي , ليصبح الخلاف معهم خلاف مع الله !

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in احمد ابراهيم and tagged . Bookmark the permalink.