الدولة المدنية المكروهة والعلمانية الملعونة ـ‏1‏

د. جابر عصفور

لم أشعر بالغرابة حين أعلن حزب الوفد عن مبادئه‏,‏ موكدا أن المواطنة هي أساس الحقوق والواجبات‏,‏ والوحدة الوطنية صمام أمن واستقرار وسلامة البلاد‏.‏

 وهذا أمر طبيعي فالوفد هو حزب الوطنية المصرية, وهو رافع شعار الدين لله والوطن للجميع.
وهو الحزب الذي تلازم الهلال والصليب في أعلامه, وصار تجاورهما رمزا لإيمان قياداته بالدولة المدنية. ولولا ذلك ما رفض رئيسه النحاس باشا, حين كان رئيسا للوزراء, أن يقسم الملك الشاب ـ فاروق الأول ـ يمين الولاء في الأزهر, مؤكدا أن الملك لا يقسم يمين الولاء إلا أمام الأمة ممثلة في برلمانها الذي هو حامي شرعيتها بوصفها دولة مدنية, الحكم فيها للدستور والقانون.
ولم يكن النحاس في ذلك ينتقص من شأن الأزهر أو الدين الإسلامي العظيم, وإنما كان مؤمنا بأن الدولة الحديثة إطارها المرجعي هو الدستور والقانون اللذان تصنعهم نخبة الأمة علي أعينها كي يكون الدستور مصدر السلطات والبرلمان هو سلطته التشريعية والرقابية, والقانون هو الضابط للعلاقة بين المواطنين من ناحية, وبينهم وحكام الدولة من ناحية مقابلة.
ولذلك لم يعترض شيخ الجامع الأزهر, ولا حسن البنا منشيء جماعة الإخوان المسلمين التي لم يكن هناك سواها سنة1936, علي ما أصر عليه النحاس, وما ترتب عليه من قسم فاروق يمين الولاء أمام البرلمان, ولكن مرت السنوات وكرت الأعوام, وانتقلنا من الزمن الليبرالي إلي الزمن العسكري, في تجلياته الناصرية والساداتية والمباركية, فانقلب الحال, وغاب الجوهر الحقيقي للديمقراطية وحقوق المواطنة والإنسان معا.
فتغير الوفد واكتسب لون الزمن الجديد, واختفت شعارات الزمن الوفدي القديم الذي وقف تحت أعلامها سعد زغلول وفخري عبد النور ومكرم عبيد, وحلت محلها شعارات جديدة.
وبعد أن حفظنا من مؤرخينا أن الوفد حزب الوطنية المصرية والعلمانية المصرية علي السواء.
وبعد أن كان النص الذي يؤكد أن الدين الإسلامي هو دين الدولة, موضوعا في آخر أبواب دستور1923, إذا بمبادئ الوفد الجديد تجعل من الآخر أولا, وتنص علي أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع, ولأصحاب الديانات السماوية الأخري حق الاحتكام إلي شرائعهم في أحوالهم الشرعية وشئونهم الدينية.
ونعبر مبدأ المواطنة, في قائمة مباديء الوفد الجديد, لنقرأ المبدأ الثالث الذي يؤكد: نرفض العلمانية التي تفصل بين الدين والدولة, فنكتشف أن هذا مبدأ لا يمكن أن يكون استمرارآ لأفكار ومبادئ وفد ثورة1919 ولا حتي الوفد الليبرالي, سواء أخذنا الليبرالية بمعناها الفكري أو السياسي أو الاجتماعي, وبيان ذلك أن الدول الليبرالية كلها, شرقا وغربا هي التي تفصل بين الدين والدولة.
ولا غبار علي ذلك حتي في مجتمع إسلامي, خصوصا حين يحتكم هذا المجتمع إلي دستور وقوانين. أما كون هذا الدستور يستلهم المبادئ الكلية لدين بعينه, أو يستند إلي مبادئ الشريعة الإسلامية فهذا أمر لا يتنافي مع وضعيته أو بشريته, لأن الدين لا يحكم بذاته وإنما بنصوصه المستلهمة والمؤولة من البشر, ولصالح البشر مهما ادعوا الحياد والنقاء.
وانظر الفرق الكبير بين إسلام غلاة السلفية الوهابية وإسلام مستنيري الإخوان مثل عبد المنعم أبو الفتوح في مصر, أو راشد الغنوشي في تونس, يتضح لك ما أقول. أما عندما يعلن المبدأ الثالث للوفد أنه يرفض العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة ويرفض الثيوقراطية التي تسمح بسيطرة رجال الدين علي الحكم, فإن صياغة المبدأ تقع في تبسيط بالغ, أوقع فيه الحرص علي عدم استخدام الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية,فالاولي هي التي يسيطر فيها رجال الدين علي الحكم, بينما الدولة المدنية تنطلق من مبدأ: أنتم أعلم بشئون دنياكم ولكن الحرص علي تجنب إستخدام مصطلح الدولةالمدنية هو الذي أدي إلي استخدام الدولة الثيوقراطية حتي لا تذكر فيها دولة مثل السعودية الحكم فيها قائم علي تحالف بين أصحاب القوة( البيت السعودي) ورجال الدين( الوهابية) وذلك في المدي الذي يستمر فيه أصحاب القوة, وبسطوة الأجهزة القمعية والإيديولوجية للدولة في إشاعة المذهب الوهابي ونشره في كل مكان.
وأضف إلي السعودية إيران التي يحكمها الملالي, وتعمل رسميا علي نشر المذهب الشيعي ورفع أعلامه في كل مكان, حتي لو أدي الأمر إلي شراء مجموعات من متطرفي السلفية وغيرها من الجماعات الإسلامية في غير حالة.
وأضف إلي إيران نموذج أفغانستان تحت قيادة طالبان الدولة التي كانت ـ ولا تزال بقاياها ـ قائمة علي أساس اعتقادي أقرب إلي السلفية الوهابية من ناحية والفقه الحنبلي المتشدد الذي كان رد فعل للحملات الصليبية وما سبقها من غزو المغول والتتار
الطريف أن الذي صاغ مبادئ الوفد الاخيرة كانت عينه مسلطة علي المد الطاغي للجماعات الاسلامية, وهو الامر الذي دفع الوفد الجديد إلي التنكر لتاريخه اللبيرالي العلماني القديم, ومن ثم بدأ سلسلة تحالفاته مع الاخوان المسلمين, منذ زمن مبارك الغابر. وقد اضطر الوفد إلي إعلان مبادئ جديدة, قد تجذب جمهورا بدا ميالا إلي الجماعات الاسلامية, التي أصبحت أكثر فاعلية وتأثيرا في قطاعات عديدة من جمهور الناخبين الذين لم يمد لهم الوفد الجديد يد العون في ازماتهم الطاحنة والخانقة.ولم يدفع هذا الامر الوفد إلي مراجعة سياساته جذريا, في ضوء واقع سياسي متغير, وواقع اجتماعي واقتصادي متدهور علي نحو متصاعد, واتجه الوفد الجديد الذي فقد قياداته الكارزمية كما فقد اللحمة التي كانت تربطه بالجماهير الكادحة, خصوصا بعد أن وصلت نسبة الامية إلي ما يقرب من نصف المجتمع الذي لا يزال يعيش تحت خط الفقر, أقول بدل أن تراجع قيادة الوفد الجديد أسباب تقلص الجماهير الوفدية التقليدية, اتجهت إلي التحالف مع تيارات الاسلام السياسي الصاعدة لعوامل كثيرة, محاولة استرضاء هذه الجماعات كي تمنع الوفد بعض قطع الكعكة الانتخابية.
وقد حدث ذلك لكن كان الثمن غاليا, أهم ما فيه هو فقدان الوفد لكثير من جنوده القدامي الذين لم ترضهم سياسات الوفد الجديدة, خصوصا أن الوفد الجديد لم يطرح إلي اليوم قيادات شعبية فاعلة, فقد ذهب زمن مكرم عبيد والنقراشي وفؤاد سراج الدين وامثالهم, وجاء زمن التحالفات التي تدفع إلي حد الاعلان عن كراهية العلمانية واتهامها بأنها معادية للدين.
هذا في الوقت الذي يزور فيه مصر رجب أردوغان, وكان رجب أردوغان عندما قال ذلك رئيس وزراء بلد استطاع حزبه أن يرفع تركيا إلي مرتبة النمور الآسيوية. وبدا الرجل اكثر جذرية وتحررا فكريا من الاخوان المسلمين الذين اسسوا حزب الحرية والعدالة علي النموذج التركي ولن ينجحوا إلا إذا تخلوا عن أفكارهم القديمة عن حلم الخلافة, وأصبحوا أقرب إلي لغة العصر, كي يقيموا دولة مدنية ولكن ذات مرجعية إسلامية. ولا بأس بمثل هذا الشعار في البداية, فالامر سوف يختلف في الممارسة العملية لتطوير الواقع المتخلف لمصر بعد ما مرت به من كوارث, ولسوف تضطر الاغلبية الاخوانية ـ إذا أرادت النجاح ـ ان تتوسع في مبدأ أنتم ادري بشئون دنياكم فتبحث للأزمة الاقتصادية عن خبراء يقدمون الحلول من أي مكان ومن اي دين,وهو الامر الذي سيحدث في الصحة, والمال, ومشكلات مياه النيل, وخلل ميزان المدفوعات. ولن تعنيهم, في سعيهم الي النجاح: هل صاحب هذا الحل علماني أو غير علماني, يؤمن بالدولة الدينية أو المدنية,فالأهم من ذلك في الزمن القريب,هو توفير المسكن المناسب للمواطنين الذين ضاقوا بالعشوائيات, والعلاج الصحي للمرضي المحرومين من الرعاية الصحية, والتعليم الحديث لأبناء الفقراء والأميين الذين أصبحوا يزيدون علي40% من مجموع الشعب المصري. وعندئذ سيصبح الفصل واجبا بين الدين والدولة, واللجوء إلي الخبراء والتكنوقراط الذين لابد أن يباركهم رجال الدين ما ظلوا يريدون لمصر التقدم ويختفي كل الكلام الذي طغي علي العقل المصري هجوما ودفاعا عن الدولة المدينة وذما ومدحا في العلمانية ولكن ستظل المرارة ملازمة للمثقفين الليبراليين الذين عرفوا تاريخ الوفد ولايزالون يتذكرونه بوصفه حزب الوطنية والعلمانية المصرية والوعاء الذي شهد مولد ونمو الطلبة الوفدية الذين كتب التاريخ أسماء أعلامها بأحرف من نور ابتداء من عزيز فهمي وليس انتهاء باسم محمد مندور. ولا أريد للوفد الذي اعتز بتاريخه بوصفي مثقفا مصريا أن يعود إلي زمن سعد زغلول او مصطفي النحاس فأنا اول من يعلم ان التاريخ لا يرجع إلي الوراء بل يتقدم إلي الأمام كل ما أرجوه أن تعيد قيادات الوفد المستنيرة النظر إلي واقع الحزب في ضوء التحولات الجذرية وأن تمتلك الجسارة لصياغة مبادئ تعيد للحزب القديم لهب الثورة حتي علي الذات في حال رضاها بالامر الواقع فينبثق وفد فتي جديد ينطلق عفيا كالعنقاء التي تتولد من رمادها.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية. Bookmark the permalink.