ميلاني كلاين – رائدة التحليل النفسي

اعداد وفاء حمودة

ميلاني كلاين  1882-1960نمساوية الأصل تنحدر من أسرة يهودية، اتجهت في أبحاثها نحو دراسة التكوين النفسي للأطفال، وكان لها طريقة مميزة عن فرويد، لم تدرس علم النفس أو الطب النفسي، وبالصدفة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى

هي عالمة ومحللة نفسية ورائدة في مجال التحليل النفسي للأطفال، ولدت في ڤيينا وكانت أصغر أخوتها، والدها كان طبيباً ووالدتها امرأة مثقفة تعلّقت بها كلاين تعلقاً كبيراً. وفي الرابعة عشرة من عمرها قررت دراسة الطب

استقرت بعد زواجها في بودابست، وهناك قرأت كلاين أحد كتب فرويد فأعجبها أسلوبه في التحليل النفسي، فطلبت من المحلل النفسي فيرنزي أن يباشر بتحليل شخصيتها ودوافعها على المستوى الشعوري واللاشعوري للتعرف على صراعاتها وإحباطاتها الدفينة التي يمكن أن تعوق عملها في التحليل مستقبلاً وذلك من خلال إسقاط دوافعها ومشكلاتها وصراعاتها غير السوية على الآخرين، وقد طلب فيرنزي منها في أثناء عملية التحليل أن تكتب مداخلة عن «نمو الأطفال»، ونتيجة لتحليلها المتميّز في هذا الموضوع فقد شجّعها على الانتساب إلى رابطة التحليل النفسي في بودابست عام 1919، وفي العام نفسه انتُخبت عضواً في تلك الرابطة.

كتبت بحثها الأول عام 1921 بعنوان نمو أو نشوء الطفل The Development of a Child، ثم دعاها كارل ابراهام الى برلين فاستقرت بها لفترة من الزمن، وطلقت من زوجها، وكرست نفسها لممارسة التحليل النفسي متأثرة بابراهام وكتاباته، وخضعت للتحليل يومياً باشرافه، وبعد وفاته استمرت في تحليلها لنفسها يومياً، عام 1925 دعاها ارنست جونز لالقاء محاضرة في لندن وفي عام 1926، قبلت دعوة للبقاء في لندن والعيش فيها، واتسعت أبحاثها فيها رغم أن أبحاثها بقيت موضع جدال الا أنها أثرت على كافة المحللين النفسيين في بريطانيا وبسببها تميزو عن غيرهم وأصبح لديهم مدرسة تدعى بالمدرسة البريطانية في التحليل النفسي؛

ورأي ميلاني أن القلق عند الأطفال وخيالاتهم يمكن اكتشافها من خلال مواقف التحويل التي يظهرونها، ووصفت طريقتها التحليلية هذه في كنابها التحليل النفسي للأطفال The Psycho – analysis of Children عام 1932 وهدفت من خلاله الى خلق منهجاً تحليلياً خاصاً بالأطفال كالمنهج الذي أتى به فرويد مع الراشدين، وصممت من أجل ذلك حجرة خاصة بسيطة الأثاث وزودتها باللعب والدمى البسيطة ومهمتها فقط المراقبة، فالطفل هو من يختار ألعابه وطريقه تعامله مع هذه الألعاب والدمى، والواضح أن اللعب هنا يستعاض فيه عن الحديث والكلمات عند فرويد مع الراشدين.

وتركز ميلاني على أوجه القلق عند الطفل وطرقه في الدفاع عن نفسه ازاءها، ووجدت أن ماذكره فرويد عن الأطفال يبدأ معهم في سن مبكرة عن السن التي حددها، فاحدى مريضاتها كانت طفلة بعمر سنتين وتسعة أشهر ولديها أنا أعلى قوية جداً وفرويد يعتقد بعدم وجودها قبل الخامسة من العمر، وكان للطفلة علاقات أوديبية مع والدها وفرويد يعتقد أن عقدة أوديب لا تتكون قبل 3-4 سنة من العمر؛

كما أن ميلاني بينت أن العنف والقسوة لهما دور أكبر في تكوين الطفل مما اعتقده فرويد، وكتبت عن نظرية القلق والذنب وربطت بين أقوال فرويد وكارل ابراهام في موضوع تكوين الأنا الأعلى، كما اعتبرت أن الحسد هو المصدر الأول للعنف عند الطفل المتوجه بالأساس نحو الأم وثديها، واعتبرت أن هذا الحسد العنيف هو المسؤول عن عجز الطفل عن الحب واظهار الامتنان لما يقدم له، ومن أعمالها:
التشخيص بواسطة اللعب عند الأطفال Personification in the Play of Children عام 1929.
المراحل المبكرة لعقدة أوديب Early Stages of the Oedipus Complex عام 1928.
النمو أو التطور المبكر للوعي عند الطفل The Early Development Of Conscience in the Child عام 1933.
التقمص الاسقاطي عند ميلاني كلاين:
هو ميكانيزم أساسي في البناء الشخصي، أين يقوم الفرد بإسقاط شخصيته و ذاته داخل الموضوع فبهدف الإمتلاك، و التحكم و حتى التدمير.

و وصفت ميلاني كلاين في كتابها “تحليل الأطفال” عام 1932 هوامات هجومية على داخل جسد الأم وفق إختراق سادي له، لكنها لم تقدم مصطلح التقمص الإسقاطي إلا في مرحلة متأخرة من عام 1946 للدلالة على شكل خاص من التقمص الذي يرسخ النموذج الأول للعلاقة العدوانية مع الموضوع.

و يلخص التقمص الإسقاطي في شكل وضعية ذات صلة وثيقة مع الوضعية الشبه فصامية عن طريق إسقاط هوامي للجسم أو جزء منه داخل جسد الأم، و هذا الهوام يكون مصدر لأنواع كثيرة من القلق مثل قلق الإحتجاز أو فوبيا الأماكن المغلقة

و ترى كل من ميلاني كلاين و جوان رفيير أن هوام التقمص الإسقاطي يظهر كثيرا في فئات مرضية مثل الفوبيا. و الأساس في التقمص الإسقاطي يكمن في أن الفرد ينقل الجوانب السيئة من ذاته و يسقطها على الموضوع مما يشكل لديه قلق كلما حضر الموضوع أو تم تخيله.

ينطوي المفهوم من وجهة نظر كلاين على درجة من تنظيم «الأنا» أعلى من درجة التنظيم التي يفترضها فرويد، كما أن الأنا منذ الولادة قادرة على أن تعاني القلق، وأن تستخدم آليات الدفاع، وتقيم علاقات أولية مع الموضوعات في الاستيهام وفي الواقع. أي إن «الأنا» تتكوّن تكوّناً مبكراً، وهي غير منظمة في جزء كبير منها، مع أنها تميل منذ الولادة إلى التكامل، ومنسجمة مع كل اتجاه للنمو الفيزيولوجي والنفسي. كما أن الأنا تسقط في الخارج جزءاً من الليبيدو (الطاقة النفسية الجنسية كما ذكرها فرويد) وما يبقى منه (الليبيدو) يستخدم لإقامة علاقة ليبيدية بالموضوع المثالي. وعلى هذا النحو يكوّن الأنا علاقة بموضوع (الثدي) الذي ينقسم في هذه المرحلة إلى موضوعين هما: الثدي المثالي والثدي المضطهِد، وتُنتج التجارب مع مصدر الحب والغذاء وهو الأم الحقيقية استيهام الموضوع المثالي وتؤكده، وينجم استيهام الاضطهاد أيضاً عن التجارب الفعلية؛ تجارب الحرمان والألم، ولكن الطفل يستشعرها وكأنها آتية من الموضوعات المضطهِدة.

استخدمت كلاين ألعاب الأطفال في ممارستها التحليل النفسي مع الأطفال لتتيح لهم أن يعبّروا عن حياتهم) من خلال اللعب، ورفضت على خلاف آنا فرويد Anna Freud كل تدخّل للمحلّل النفسي إزاء الأطفال، وعدّت أن الطفل يباشر تحويلاً شأنه شأن الراشد. كما باشرت أيضاً بتحليل الراشدين وتنمية تقنيتها لدى الأطفال والراشدين على حد سواء.

كما تركز كلاين على اللعب عند الأطفال من منطلق أنه وسيلة الاتصال الأفضل بالطفل، وأن الألعاب التلقائية للطفل تظهر صراعاته وأحاسيسه وميوله، وهي بالتالي بديل ذو قيمة لتداعي الأفكار الذي يُعتمد في تحليل الراشدين، كما عدّت أن خوف الطفل من هجر أمه له هو المسؤول عن عدد من اضطرابات الشخصية لدى الأطفال والبالغين.

عرضت كلاين أفكارها حول جنسية المرأة فيما يتعلق بعقدة أوديب لدى البنت والصبي التي تطرق إليها فرويد في محور نظريته عن النمو النفسي الجنسي لدى الكائن البشري، إذ رأت في هذا الأمر أنه يعود إلى طبيعة علاقة الطفل بالأم. كما كتبت قبل أربعة أعوام من وفاتها كتاباً بعنوان «الحسد والعرفان بالجميل» ولا يزال الكتاب يستخدم في بحوث عديدة خصوصا في رد الفعل العلاجي السلبي وتفسيره.

تحدثت كلاين في عدد من أبحاثها عن الأمراض النفسية، حيث رأت أن هناك علاقة دقيقة بين المرض الهستيري واضطراب الوساوس المتسلطة أو القهرية، وأن دراسة الحالة الهستيرية عند الفرد لا يمكنها أن تتم بمعزل عن دراسة الوساوس المرضية والمظاهر الجسدية البادية لدى المريض.

ويرى كثير من علماء النفس ولاسيما أصحاب التوجه التحليلي أن إسهامات كلاين في مجال التحليل النفسي للطفل فاق التصور،  مما دعا جماعة داخل رابطة التحليل النفسي البريطاني أن تسمي نفسها باسم «التحليل النفسي الكلايني» تقديراً لجهودها.

انتقلت شهرة كلاين وأبحاثها المتميزة في التحليل النفسي للأطفال إلى دول العالم كافة، ومراكز البحث العلمي في الجامعات والمعاهد المختصة بدراسة سيكولوجية الطفولة، مما أتاح المجال لظهور نظريات جديدة في مجال التحليل النفسي للطفل.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Isis' Daughters بنات إيزيس. Bookmark the permalink.