بدون عنوان

محمد هلال 

 رأيتني أسير في شارع مظلم بين صفين من بيوت بالية جدرانها معجونة بالرطوبة والفقر.

الشارع كأنني أعرفه سكنته يوما ، مررت به ، أويت اليه هربا من شئ لست أذكره.

  كثيرة هي الشوارع التي أحببتها كانت  رحبة واسعه بيوتها ايطالية الطراز ، شوارع تتقاطع مع بعضها مشكلة ما يشبة رقعة شطرنج  مليئة بالمحال والمطاعم والسينمات.

 لابد أنني في هذا الشارع منذ مده تعودت عيناي علي ظلامه تبدَّت لي الأشياء بوضوح الشارع غير مرصوف ملئ  بحفر تتجمع فيها مياه راكدة ناشعة من مواسير صرف بالية مثبتة علي جدران متآكلة، رائحة العفن  تملأ

المكان لابد أنني تعودت عليها ولابد أيضا أنني سائر منذ مده طويلة أشعر بذلك في قدمي المنهكتين.

  صور كثيرة تتوارد الي ذهني

 ، أراني واقفا أمام إحدى سينمات الشارع النظيف في انتظارها  شاهدنا فيلما ، تبادلنا القبلات ، تعاطفنا مع البطل تحدثنا كثيرا ، ولا يزال صوتها المرتعش يرنّ في أذني ” أحبُّك “

 كانت طويلة سمراء عميقة العينين جيداء كأنها خلقت لتكون “مثال” كيف يجب أن تكون النساء .

 كنت تحبين القهوة وأحب ارتشافك لها  لا زلت أذكر لهفتك الطفولية علي الفنجان حين يأتي به النادل اليك شفتاك المرتعشتين نصف إغماضة عينيك تلذذك بالرشفة الأولي. آه يا حبيبتي لا زال يعبق في ذهني رائحة القهوة ممزوج بعطر الانوثة المنبعث من مسام جلدك الملائكي . آه يا حبيبتي كنت أنت ملاذي الأخير

 أراني في غرفة واسعه تشبه قاعة الدرس لابد أنها جامعه لابد أيضا أنني كنت طالبا و أنني حصَّلت علما بلغة أجنبية لازال في العقل منها بقية لابد أيضا أنني كنت أنتظر مستقبلاً أفضل

 في نفس الشارع النظيف رأيتني وحيدا أحمل حقيبة في يدي أروج بضاعة ما لا تباع.

 رأيتني في يوم قريب واقف أمام أحد المطاعم باحثا في جيوبي عن شئ  يصلح لشراء أي شئ يؤكل.

 الصور تملأ ذاكرتي .. تؤلمني كلما حلَّت

من أين تأتي الذكريات ، لماذا تأتي دائما في الأوقات التي لا نحتاجها ، في شوارع مظلمة كثيبة  بيوتها متراصة بالية جدرانها معجونة بالرطوبة والفقر. شوارع طالما مررت بها حتي ألفتها، ألفت رائحة العطن المنبعث من جدرانها ، رائحة الموت الكامن بين شقوقها، أهلها الذين يشبهونني المنهكين من الجوع واليأس  السائرين دون رغبة في السير الباحثين-مثلي- عن شئ ما لا يعلمون علي وجه اليقين ما هو.             

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, محمد هلال and tagged . Bookmark the permalink.