ابن رشد‏(1126‏ ــ‏1198)‏ الحكمة والشريعة

نبيل فرج

يتبوأ ابن رشد مكانة رفيعة في التراث العربي والفكر الإنساني‏,‏ لم يصل إليها أحد غيره‏,‏ سواء في بعد الصيت‏,‏ أو عمق الأثر‏.‏ وعلي الرغم من الجهود العلمية العديدة التي بذلت في العصر الحديث‏,‏ في مصر وغيرها من الأقطار العربية والأجنبية‏,‏ لدراسة ابن رشد ونشر أعماله‏,‏ إلا أن جزءا كبيرا من مؤلفاته وتلخيصاته وشروحه الموسعة لكتب أرسطو وأفلاطون‏,‏ في الطبيعيات والإلهيات والأخلاق والسياسة‏,‏ لا تزال موزعة أو مشتتة في أنحاء العالم‏,‏ في مخطوطاتها الأصلية وترجماتها إلي العبرية واللاتينية‏.‏

وقد آن الأوان لجمعها وتحقيقها تحقيقا علميا‏,‏ بمناهج التحقيق الحديثة‏,‏ وإعادة ما نقل منها الي العبرية واللاتينية في القرن الثالث عشر الي لغتها العربية‏,‏ ردا لأصلها المفقود الذي ساهم في صنع النهضة الأوروبية‏.‏ كما أنه يتعين جمع الدراسات التي كتبت عن ابن رشد في اللغات المختلفة‏,‏ وأهمها الفرنسية والإنجليزية والأسبانية والألمانية‏,‏ حتي تتكامل معرفتنا به وبعصره‏,‏ ونقف علي مدي حضور هذا الفيلسوف العربي العظيم في الغرب‏.‏

والحق أنه ليس من السهل بلوغ هذه الغاية‏,‏ لأن ابن رشد كان ضليعا في الفقه والطب واللغة والأدب والترجمة مثلما كان ضليعا في الفلسفة‏,‏ لم ينقطع ليلة واحدة عن القراءة والتأمل إلا يوم وفاة والده‏,‏ ويوم زواجه‏.‏

أما المناصب التي شغلها فيذكر منها قاضي قضاة قرطبة‏,‏ وهو المنصب الذي شغله قبله والده وجده‏.‏ ولم يكن ابن رشد أقل منهما حرصا علي مصالح العامة وتقديمها علي مصلحته الشخصية‏,‏ بل كان أكثر منهما حرصا عليها‏,‏ وعلي التمسك في نظر قضاياه بحرية إرادة المتخاصمين ومسئوليتهم إزاء كل تكليف‏,‏ لأنه لا تكليف ما لم تتوافر الإرادة الحرة المستقلة‏,‏ حتي يحاسب المرء بطبيعته الخاصة علي اختياره‏,‏ ويصبح هناك جزاء بالثواب أو العقاب وهذه هي العدالة‏.‏

ولو استطعنا أن نراجع القضايا التي عرضت علي ابن رشد‏,‏ والأحكام التي أصدرها في هذه القضايا‏,‏ لأتيح لنا أن نتعرف علي شخصيته بأفضل من كل الوثائق الأخري‏,‏ بما فيها مؤلفاته‏,‏ لأنها تعد التطبيق العملي لممارسة العدل‏,‏ ورفض الظلم‏.‏

ولكن لنبدأ من البداية‏.‏ ولد ابن رشد في قرطبة في‏1126‏ التي كانت أعظم مدن الأندلس‏,‏ وتلقي علوم زمانه وعلوم الأوائل علي يد علماء ومشايخ عصره‏.‏ وكان ميله لعلوم القدماء‏,‏ وإدمان النظر فيها‏,‏ يفوق ميله لعلوم زمانه‏,‏ لأنه كان يعتبره واجبا شرعيا‏.‏ كما أن دور التراث العربي في تكوينه كان أكبر من دور ما عداه من الثقافات الأجنبية‏.‏ فهو ابن الحضارة العربية الإسلامية‏,‏ والامتداد الخلاق لها‏,‏ قبل أن يكون ابنا للفلسفة اليونانية‏.‏ وتوفي في مراكش في‏1198‏ بعد أن تجاوز السبعين‏.‏

وخلال هذا العمر تعرض ابن رشد لأكثر من محنة‏,‏ أفدحها بالطبع اتهامه في جامع المسلمين بقرطبة‏,‏ الذي أحرقت كتبه في ساحته‏,‏ بأنه خالف عقائد المؤمنين‏,‏ ومرق من الدين‏,‏ دون أن يظهر عليه ما يضمره في نفسه‏,‏ وكاد يسفك دمه حين تجرأ في إحدي محاوراته علي تكذيب ما جاء في بعض الآيات القرآنية‏.‏

ولولا أنه وجد بين معارفه وتلاميذه من يشفع له عند الخليفة المنصور‏,‏ ويصحح أو ينفي ما في عنه مما أثار عليه غضب الخليفة ونقمته‏,‏ لأعدم في عام‏1195‏ بتهمة الكفر وهو علي مشارف السبعين‏,‏ رغم تسليمه المعروف بالعناية الإلهية‏,‏ والتزامه بشعائر الدين وحدوده‏,‏ ولما اقتصر الخطر الذي نزل به علي مجرد جفائه وإهانته في قصر الخليفة‏,‏ وتحديد إقامته في داره في مراكش لا يبرحها‏,‏ ثم نفيه بعيدا في اليسانة‏.‏

ويذكر عن الخليفة المنصور أنه كان في بداية حكمه شغوفا بالعلم والمعرفة‏,‏ محبا للفلسفة‏.‏ غير أنه تخلص من كل ما في مكتبة قصره من كتب العلوم والفلسفة لكي يرضي الفقهاء والعامة‏.‏

ومع هذا فقد كان ابن رشد بشهادة الكثيرين من المعاصرين والمختلطين به من أهل العلم والفضل والكمال‏,‏ الذين أدركوا وحدة الأشياء الكلية والجزئية في الكون‏,‏ واستطاعوا أن يجمعوا في كتبهم بين الحكمة والشريعة‏,‏ أو بين العقل والنقل‏,‏ أو بين الفلسفة والدين‏,‏ لحقيقة واحدة وقيمة واحدة تخلو من التناقض أو التضاد‏.‏

ولأن الشرع يوجب النظر في الموجودات والماهيات بالعقل‏,‏ استطاع ابن رشد أن يجمع أو يوفق بين الجانبين‏,‏ كما وفق بين السببية والقضاء والقدر‏,‏ علي أن يكون لكل منهما مجاله وآلياته‏,‏ دون فصل أو قطيعة أو خلط أو تنافر‏.‏

ولعل أهم سمات هذا الجمع أو هذا التوفيق‏,‏ في فلسفة ابن رشد‏,‏ الأخذ بالتأويل عند الحاجة إليه‏,‏ ولو خالف الإجماع‏,‏ واحتكامه في كل الشئون إلي العقل والبراهين الفقهية‏,‏ بما في ذلك الأدلة علي وجود الله‏,‏ وخلود الروح‏,‏ والإيمان الوطيد بضرورة المنطق‏.‏

وبهذا المنهج الذي يأخذ بالقوانين العلمية والأسباب الموضوعية‏,‏ ويقدم التأويل الفلسفي علي التفسير الحرفي‏,‏ وقياس الغائب علي الشاهد‏,‏ دخل ابن رشد في مساجلات مع عدد كبير من الفلاسفة مثل الغزالي وابن سينا وابن طفيل وغيرهم‏.‏

وتمثل ردورد ابن رشد علي الغزالي صفحة مضيئة في الفلسفة العربية‏,‏ رد بها الاعتبار للفلسفة والفلاسفة‏,‏ بعد أن قام الغزالي بتكفيرهم في كتابه‏’‏ تهافت الفلاسفة‏’,‏ وقبله في‏’‏ مقاصد الفلاسفة‏’,‏ وابن رشد من المقدرين للسلف في حالة مطابقة أقوالهم لشروط البرهان‏,‏ أو للحق‏,‏ سواء كانوا من العرب أو غير العرب ولا يجد حرجا في الاستفادة منهم‏.‏

وفي حديثه عن أهل المدن يري ابن رشد انه اذا وجد فيها انسان بطال أو عاطل وجب اقصاؤه من المدينة حماية للمجتمع من شروره‏.‏ وعلي من يشير بشن الحرب أو بالسلم أن يكون عارفا بحال الجند في بلده‏,‏ وبمدي قوة من يحاربه‏,‏ وذلك بعقد المقارنة بينه وبينها‏,‏ وعليه أيضا أن يقدر تكاليف الحرب كما يجب أن يكون محيطا بالحروب السابقة‏:‏ كيف كانت؟ وهل أفضت إلي الهزيمة‏,‏ أم إلي النصر؟ والحاكم في نظر ابن رشد مسئول مسئولية كاملة عن كل ما يصدر عنه‏,‏ وليس له عذر إن أخطأ في الحكم‏,‏ أو انحرف عن الصواب بسبب جهله بالشرائع‏.‏

ومن أقواله المأثورة أن في كل إنسان نفحة إلهية‏,‏ وأن من يشتغل بعلم التشريح‏,‏ أو يدرس حركة الكواكب والأفلاك‏,‏ فإنه يزداد إيمانا بالله‏.‏ وهناك من يقول مثله أن من عرف جسم الإنسان عرف الحياة والكون‏.‏

وعند ابن رشد فان التجربة العملية‏,‏ ويعني بها الممارسة‏,‏ أجدي كثيرا من المعرفة النظرية التي لا غني عنها كمقدمة لكل من يطلب العلم‏.‏

وشرطه كذلك سلامة الصحة‏.‏ وفي كتابه الطبي‏’‏ الكليات‏’‏ يرفع ابن رشد من القيم الأخلاقية في ممارسة مهنة الطب‏.‏ ولا جدل ولا خطابة ولا تربية حقة بغير معرفة وثيقة بالقوانين العامة‏,‏ والعلل والأصول‏.‏ وليس هناك صلاح للمجتمع بغير امتلاكه للحرية في المعتقد والتعبير والعمل جميعا‏,‏ لأنه بدون الحرية‏,‏ كما أنه بدون العقل‏,‏ وبدون مخطط سياسي‏,‏ لا يكون هناك توجه للخير والفضيلة‏,‏ وبعد عن الشر والرذيلة‏.‏ ولكن الحرية في مفهوم ابن رشد ليست مطلقة أو بلا سقف‏,‏ وإنما هي مقيدة بالشروط الموضوعية الخاصة والعامة‏,‏ الداخلية والخارجية‏,‏ التي ينتفي فيها التناقض بين الضرورة والحرية‏.‏

وينتمي ابن رشد إلي الفلاسفة المتواضعين الذين يعترفون بالآخر وبالاختلاف حين يكون هذا الآخر‏,‏ أو هذا الاختلاف‏,‏ بمنأي عن حضيض المقلدين وأغلاط الفلاسفة واللاهوتيين الذين لم يسلموا لابن رشد بوحدة العقل الإنساني‏,‏ أو بمساواة المرأة للرجل‏,‏ ليس فقط علي صعيد الفكر‏,‏ بل وعلي صعيد القيادة السياسية‏.‏

وبالنسبة لطباعه وعاداته فقد كان ابن رشد متسامحا‏,‏ حسن السيرة‏,‏ لا يحفل بردائه‏,‏ أو يكترث بجمع المال‏.‏ عاش مكتفيا بذاته‏,‏ محبا للإنصاف‏,‏ كارها للاستبداد‏,‏ لا يعنيه أن يكون قريبا من الخليفة أو من رجال البلاط‏,‏ لأنه لا يجيد منادمة أحد‏,‏ وفي الوقت نفسه لا يأمن جانب الحكام الذين ندد بسطوتهم‏.‏

وكان عزوفه عن صحبة أصحاب السلطة‏,‏ ومخاطبته لهم بلا كلفة‏,‏ من الأسباب التي أدت إلي محنته‏,‏ في وسط تاريخي منقسم بين القديم والجديد‏,‏ أو بين البداوة والتمدن‏,‏ تدين فيه الفرق بعضها بعضا‏,‏ ويوصف فيها المخالف بأنه مبتدع‏,‏ يستباح دمه‏.‏ ولئن كان من الصعب في بعض شروح ابن رشد لأرسطو التفريق بين النص الأصلي والشرح‏,‏ فقد كان في تلخيصاته للآثار القديمة يضع نصب عينيه المعاني بأنواعها وخواصها الجوهرية والعرضية‏,‏ اذا لم تكن مبينة بذاتها‏.‏

ذلك أنه كان يملك من دقة البصر ما يمكنه في تلخيصه لكتب أرسطو أن يفصل الأقاويل العلمية للمعلم الأول‏,‏ التي تفصح عن مذهبه وحذف المذاهب الأخري التي لا تمت إليه‏,‏ ولا نفع منها في فهم فلسفته‏.‏

وبغض النظر عن عدم فهم ابن رشد لمرامي كتاب الشعر لأرسطو‏,‏ خاصة فيما يتعلق بالتراجيديا والكوميديا فيبقي له من هذا التلخيص للكتاب منهجه الذي حاول به تطبيق نظرية أرسطو في مبادئ البلاغة اليونانية علي الشعر العربي‏,‏ اعتمادا علي أن للشعر في كل لغات العالم قوانين كلية لا تختلف بين الأمم‏,‏ وحقائق أبدية تشترك فيها جميع الشعوب‏.‏

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية. Bookmark the permalink.