أهل العدل والتوحيد

أيمن عبد الرسول

بينما تموج حركة التاريخ الإسلامي، تاريخ المسلمين، بالعديد من الحركات والتيارات الفكرية التي تدور حول محوري النقل والعقل، أو الوحي الإلهي والوعي الإنساني، تقف فرقة المعتزلة خلف متراس العقل الإسلامي، حارس أمين على أصول عقيدتهم الخمسة، هذه الأصول التي دشنت فيما يرى محمد أركون المفكر الإسلامي الراحل جزائري الأصل فرنسي الهوى، مؤسسة لأول نزعة إنسية، في مسار ما يطلق عليه الحضارة العربية، ومؤسسين لأول لاهوت أناسي منطقي في التاريخ الإسلامي، وفي هذا المقال من محاولتي لقراء الانتقال من الإسلام الوضعي، الاصطلاح الذي ابتكرته بديلاً عن الفكر الديني الإسلامي، نقف مع هذه الفرقة التي تنازع التصوف الفلسفي على العقلنة، حيث يعتمد التصوف على الحدس، بينما يعتمد المعتزلة على الحس النقدي فيما نزعم، وهي الفرقة التي لم يستطع التصوف أن يأخذني من سياجها بشكل كامل، فما زال صاحبكم يتأرجح في إسلامه الخاص بين التصوف والتفلسف على المنهج الاعتزالي، الذي نسب لأفكاره عندما اعتقلتها السلطة، ولا أقول اعتنقتها، لأن السلطة السياسية عندما تستخدم منهجًا فكريًّا تعتقله وتطلق معتنقيه، حتى يبشرون بشرعيتها، وما إن يسقط المذهب الفكري في فخ السلطة الوردي، حتى يتحول إلى مذهب مكروه، حتى وإن كان مرضيًّا عنه قبل اعتقاله بأمر الحاكم!

إنها ثنائية المعارضة/ السلطة التي نتحاجج على أثرها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، بدأت بثنائية إبليس/ الله، ولن تنتهي إلا يوم الله بيننا يوم القيامة فيما كنا فيه مختلفين، ونقول وعلى الله التوكل لا التواكل بحجة أننا نمشيها خطى كتبت علينا، بدأت المعتزلة بفكرة أو بعقيدة واحدة، ثم تطوَّر خلافها فيما بعد، ولم يقف عند حدود تلك المسألة، بل تجاوزها ليشكل منظومة من العقائد والأفكار، والتي في مقدمتها الأصول الخمسة الشهيرة التي لا يعد معتزليًّا من لم يقل بها، ونبتدئ بذكر الأصول الخمسة:

1- التوحيد: ويعنون به إثبات وحدانية الله ونفي المثل عنه، وأدرجوا تحته نفي صفات الله، فهم لا يصفون الله إلا بالسلب، فيقولون عن الله: لا جوهر ولا عرض ولا طويل ولا عريض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا بذي حرارة ولا برودة.. إلخ، أما الصفات الثبوتية كالعلم والقدرة فينفونها عن الله تحت حجة أن في إثباتها إثبات لقدمها، وإثبات قدمها إثبات لقديم غير الله، قالوا: ولو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلوهية، فكان التوحيد عندهم مقتضيًا نفي الصفات.

2- العدل: ويعنون به قياس أحكام الله على ما يقتضيه العقل والحكمة، وبناء على ذلك نفوا أمورًا وأوجبوا أخرى، فنفوا أن يكون الله خالقًا لأفعال عباده، وقالوا: إن العباد هم الخالقون لأفعال أنفسهم إن خيرًا وإن شرًّا، قال أبو محمد بن حزم: “قالت المعتزلة: بأسرها حاشا ضرار بن عبد الله الغطفاني الكوفي ومن وافقه كحفص الفرد وكلثوم وأصحابه إن جميع أفعال العباد من حركاتهم وسكونهم في أقوالهم وأفعالهم وعقودهم لم يخلقها الله عز وجل”. وأوجبوا على الخالق الله فعل الأصلح لعباده، قال الشهرستاني: “اتفقوا – أي المعتزلة – على أن الله لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد وأما الأصلح والألطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط عدلاً”، وقالوا أيضًا بأن العقل مستقل بالتحسين والتقبيح، فما حسنه العقل كان حسنًا، وما قبحه كان قبيحًا، وأوجبوا الثواب على فعل ما استحسنه العقل، والعقاب على فعل ما استقبحه.

3- المنزلة بين المنزلتين: وهذا الأصل يوضح حكم الفاسق في الدنيا عند المعتزلة، وهي المسألة التي اختلف فيها واصل بن عطاء مع الحسن البصري، إذ يعتقد المعتزلة أن الفاسق في الدنيا لا يسمى مؤمنًا بوجه من الوجوه، ولا يسمى كافرًا بل هو في منزلة بين هاتين المنزلتين، فإن تاب رجع إلى إيمانه، وإن مات مصرًّا على فسقه كان من المخلَّدين في عذاب جهنم.

4- الوعد والوعيد: والمقصود به إنفاذ الوعيد في الآخرة على أصحاب الكبائر وأن الله لا يقبل فيهم شفاعة، ولا يخرج أحدًا منهم من النار، فهم كفار خارجون عن الملة مخلدون في نار جهنم، قال الشهرستاني: “واتفقوا – أي المعتزلة – على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار وسموا هذا النمط وعدًا ووعيدًا”.

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا الأصل يوضح موقف المعتزلة من أصحاب الكبائر سواء أكانوا حكامًا أم محكومين، قال الإمام الأشعري في المقالات: “وأجمعت المعتزلة إلا الأصم على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإمكان والقدرة باللسان واليد والسيف كيف قدروا على ذلك”، فهم يرون وجوب قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، ووجوب الخروج عليهم عند القدرة على ذلك وغلبة الظن بحصول الغلبة وإزالة المنكر.

هذه هي أصول المعتزلة الخمسة التي اتفقوا عليها، وهناك عقائد أخرى للمعتزلة منها ما هو محل اتفاق بينهم، ومنها ما اختلفوا فيه، فمن تلك العقائد:

6- نفيهم رؤية الله عز وجل: حيث أجمعت المعتزلة على أن الله لا يُرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، قالوا لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله وهو منزه عن الجهة والمكان، وتأولوا قول القرآن: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} أي منتظرة.

7- قولهم بأن القرآن مخلوق: وقالوا إن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.

8- نفيهم علو الله، وتأولوا الاستواء في قول القرآن: “الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” بالاستيلاء.

9- نفيهم شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته. قال الإمام الأشعري في المقالات: “واختلفوا في شفاعة رسول الله هل هي لأهل الكبائر فأنكرت المعتزلة ذلك وقالت بإبطاله”.

10- نفيهم كرامات الأولياء، قالوا لو ثبتت كرامات الأولياء لاشتبه الولي بالنبي.

وفي المقال المقبل نتحدث عن مفاهيم العدل والحرية من منظور اعتزالي، ونقيم تجربة إعادة الاعتبار لتيار العقل المسلم، في مواجهة تيار النقل، وتأسيس أصول الاعتزال المعاصر، في ضوء إعادة موضعة التجربة بعيدًا عن سياقاتها التاريخية، هنا والآن

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ايمن عبد الرسول. Bookmark the permalink.