التعليم الأزهرى والاعتقال فى كهوف الماضى

طلعت رضوان

أثبتتْ تجارب التاريخ أنّ التقدم صناعة بشرية . وأنّ الشعوب المتحضرة هى التى آمنتْ بأنّ التطور معناه أنْ : ” تعيش المستقبل فى الحاضر” أى أنّ بذرة المستقبل توضع فى الحاضر . ومن هنا كانت تلك العلاقة غير المنظورة بين الحاضر والمستقبل . وأنّ ترجمة هذه الرؤيــــــة تؤكد على أنّ صناعة المستقبل تتم فى المعمل . والمعمل تسبقه الجامعة ، نزولا إلى الحضانة ، أى تجهيز الطفل كى يكون صانعًا للمستقبل . وهذه الرؤية للنهضة تحكمها مناهج تعليمية ترتكز على رفض كل الثوابت ، إنْ تعارضت مع إيقاع العصر . والإيمان بقوانين النسبية والسببيـــة ، وتكريس حق الخطأ وحق الاختلاف ، وهما الحقان اللذان أزهرا التحضر والتقدم ورسّخا قيـــــم الليبرالية بشقيها الفكرى والسياسى وآليات الديموقراطية ، وأنّ كل ذلك لم يكن له أنْ يتحقـــــــــق إلاّّّّّّّّ بعد أنْ مهّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّد التعليم ل ( صناعة العقل الناقد ) .
اختلفتْ حظوظ الشعوب من التنمية والرفاهية والحرية والعدالة ، باختلاف مناهج التعليــــــــم وبرامج الإعلام. فإذا كانت تلك المناهج والبرامج تحترم عقل الإنسان ، وتُعلى من شأن البحـــث العلمى ، وتُساهم فى حل مشاكل العصر ، كنا إزاء شعب يعيش المستقبل فى حاضره . أمــــا اذا كانت تلك المناهج والبرامج تُكرّس للغيبيات وضد البحث العلمى ، وتكتفى بإدعاء أنّ تراثها سبق علماء أوروبا ، وأنه ما فرّط فى شىء ، تكون النتيجة أنّ شعوبها لاتعيش الماضى فى حاضرهــا فقط ، وإنما تعيش أسيرة ذاك الماضى وسلاسله فى أعناقها .
أعتقد أنّ الدراسة الأمينة لمناهج التعليم وبرامج الإعلام فى أى منظومة سياسية ، هى المحـك فى تحديد التوجه : هل يتجه نحو المستقبل ، أم يرتد إلى الماضى ؟ وفى هذه الدراسة سوف يكون التركيز على مناهج التعليم فى المعاهد الأزهرية ، خاصة وأنّ هذه المعاهد أصبحت منتشرة فـــى كل مدن وقرى وكفور مصر . وبعد أنْ أصبحت ملاذًا للفقراء بسبب المزايا التى يحصل عليهـــا التلاميذ ، وترفع الكثير من الأعباء عن أهاليهم . وهى المزايا المحروم منها تلاميذ التعليـــــــــم المدنى . إنّ نظرة سريعة فى مناهج تعليم هذه المعاهد ، تُقدم لنا مؤشرًا دالا على مستقبل شعبنــا المصرى : هل يخطو نحو التقدم مع الوعى بميكانيزمات العصر ، أم يتراجع ليعيش بعقليــــــــــة العصور الوسطى ؟ وها أنا أدعو القارىء ليتأمل معى الأمثلة التالية :
فى كتاب ( تقريب فتح القريب ) المقرر على الصف الثالث الإعدادى الأزهرى ص 17 يتعلم التلاميذ من الإناث والذكور ما يلى : (( الاستبراء : هو انتظار الأمة ( = المرأة العبدة ) مــــــــدة بسبب حدوث البلل فيها ( أى بعد ممارسة سيدها للجنس معها ) أو زواله عنها تعبدًا أو براءة مــن الحمل . وأسبابه هى : أنْ يموت سيدها عنها أو يعتقها أو يريد السيد تزويج موطوءته ، فيجــــب استبراؤها قبل تزويجها حذرًا من اختلاط الماء )) .
ماذا تفعل هذه الفقرة فى وجدان وعقل التلاميذ ( من سن 14 – 15 ) أثناء عملية الــــــدرس والحفظ ؟ هل يمكن أنْ تُرسّخ شيئًا آخر غير المعانى التالية ؟
• ترسيخ معنى العبودية . وأنّ البشر ينقسمون إلى عبيد وأسياد .
• أنّ السيد له أنْ يُطْلق سراح العبد ( نظام العتق ) وله أنْ يحتفظ به فى معتقل العبودية إلى أنْ يموت أحدهما . فإنْ مات السيد قبل العبد ، انتقل الأخير إلى ورثة الأول ، مثله مثـــل العقارات أو المواشى .
• أنّ السيد له حق الجماع مع أية فتاة تدخل ضمن عبيده ( يُسميها موطوءته ) دون زواج .
وبعد أنْ تتسلل هذه المعانى وتترسخ وتتجذر فى وجدان وعقل التلاميذ ، يتم الانتقال إلـى المرحلة الأخطر ، أى مرحلة النتائج المترتبة على ترسيخ هذه المعانى . وهذه النتائــــج هى :
• الإحساس بالدونية لدى أبناء الفقراء أصحاب الدخول المنخفضة ، فى مقابل الإحساس بالاستعلاء لدى أبناء الأثرياء ، وذلك وفق المعادلة العصرية : فقير = عبد ، غنــــى = سيد .
• الإنشقاق العقلى والنفسى الذى يشعر به التلاميذ ، نتيجة التناقض الصارخ بين منهــــج تعليمى يحرص على نقل نظام اجتماعى لاإنسانى كان سائدًا فى عصور الظلمــــــات ، وواقع معاصر ، تنص مواثيقه ودساتيره على أنّ الإنسان يولد حرًا ولايجوز أنْ يمتلكه إنسان مثله ، كأنه عقار أو منقول .
• تبلد المشاعر الإنسانية تجاه الآخرين . إذْ أنه فى غيبة حق النقد ( حق التلميذ فى نقـــد ومناقشة ما يُدرّس له ( كما هو الحال لدى الشعوب المتحضرة ) فليس أمام التلميــذ إلاّ الاستسلام لمنهج تعليمى يُحرّض على التفرقة بين البشر ، وأنهم إما سادة أو عبيد .
• انشغال التلميذ والتلميذة بمسألة اختلاط السائل المنوى لرجل بسائل منوى لرجل آخر ، أى سحب هؤلاء التلاميذ إلى مسائل أكبر من أعمارهم وإهتماماتهم ووجدانهم ، وبالتالى فض غشاء الحياء فى مرحلة عمرية ، ترى العلوم الإنسانية ضرورة ترسيخ قيمة الحياء فيها وليس تدميرها . ناهيك عن أنّ المثال المضروب للتلاميذ مستمد من عصر كانـــت العبودية فيه شائعة وغير مستهجنة ومعترف بها . فما هو الهدف من أنْ يتعلم تلاميــــذ مصر ، فى عصر الفضائيات وغزو الفضاء وحقوق الإنسان ، خصائص عصر العبيد ؟
• تعميق الإحساس بالاغتراب عن روح العصر الحديث . فإذْ نقرأ أن الشعوب المتحضـــرة أنتجت جهاز كمبيوتر يستطيع إجراء مليارىْ ( 2 مليار) عملية حسابية فى الثانية الواحـــدة ، فإنّ أولادنا محاصرون بمناهج تعليم تسحبهم إلى عصور الظلمات
واذا انتقلنا من كتب التعليم الإعدادى إلى كتب التعليم الثانوى ، سنكتشف إصرار واضعـــــى المناهج على تدمير عقول التلاميذ المصريين . وفيما يلى بعض الأمثلة من كتاب ( الإقناع فــــى حل ألفاظ أبى شجاع ) وهو شرح على متن فى الفقه على مذهب الإمام الشافعى فى 375 صفحـة من القطع الكبير . مقرر على طلبة الصف الأول الثانوى الأزهرى . طبعة العام الدراســـــــــى 97/1998 وطبعة عام 2002/2003 .
الكتاب يستند على فقه الإمام الشافعى ( 767 – 819 م ) أى مضى على وفاته أكثر من ألف ومائتى سنة . واذا كانت الموضوعات التى تناولها ( باستثناء العبادات ) فرضها واقع موغل فـى أزمنة قديمة ، وتعبر عن بيئة وثقافة مجتمع بدوى رعوى ، فإنّ السؤال هو ماجدوى هذا التعليم ؟ وهل يساعد فى صناعة النهضة ؟ سنتعرف على الإجابة من خلال محاور الكتاب التى يمكـــــــن تقسيمها إلى : 1- تعميق الاغتراب الوجودى 2- ينقسم البشر إلى أحرار وعبيد ( بالضبط كما ورد فى التعليم الإعدادى ) ومسلمين وكفار ( = غير المسلمين على الإطلاق ) 3- دونية المـــــــــرأة 4- معاداة العلم 5- تعظيم الخرافة .
نماذج من الاغتراب الوجودى :
اذا تغاضينا عن مادة الكتاب ، فإنّ لغته صادمة للقارىء المتمرس فى قراءة العلوم الإنسانية ، فما هو حال التلميذ ابن ال 16 سنة وهو يقرأ ” الماء المطلق يشمل المتغير بما لايستغنى عنــــــه حكمًا أو اسمًا ” ويقرأ عن ” الماء الطاهر فى نفسه مطهر لغيره إلاّ أنه مكروه ، لأنّ الشمــــــس بحدتها تفصل منه زهومة .. الخ ” (ص25) وفى الهامش : زهومة : مثل أثر أو الشحم أو الدسم على وجه الماء كالزيوت والدهون . ومن الألفاظ الغريبة على أذن المصريين ( متعلميــــــــــــن وأميين ) القرظ . وفى الهامش : شجر عظام له سوق غلاظ .. الخ وكذلك كلمة ( العفـــــــــص) وفى الهامش : شجرة البلوط .. الخ ( ص 35) ويقرأ التلميذ أيضًا ” يُغسل الميت ( وترًا) ويكون فى أول غسله سدر أو خطمى . ومعنى السدر : شجر النبق . والخطمى : نبات يُغسل به ” (ص317) فهـل يمكن للصبى المصرى استيعاب غسل الميت بالسدر والخطمى ، وهو ابن حضارة نهرية ، لـــــم يكن فيها غسل الميت بالماء فقط ، وإنما كانت حضارة عرفت تعميد الأطفال فى فروع النيــــل ؟ ويقرأ التلميذ : ” فى الإبل صدقتها وفى الغنم صدقتها وفى البز صدقته وهو يقــــــال لأمتعة البزاز ” أما الشرح فيزيد الأمر تعقيدًا ، إذْ جاء فيه ” البز : نوع من الثياب والبزاز نــوع من البز ” (ص339) وفى فصل ( نصاب الغنم ) يقرأ التلميذ ” أرحبية عن مهرية وعكسه مــــن الإبل وعراب عن جواميس وعكسه من البقر ” ودع عنك الشرح لأنه يزيد الغموض غموضـــــًا ( ص 343 ) .
هذا عن الاغتراب اللغوى . وهناك اغتراب آخر هو رفض مفردات الحاضر ، مثال ذلــــــك عندما يشرح شروط ( قصر الصلاة ) ومنها تحديد المسافة ( وهذا لااعتراض عليه ) ولكن لنفكر فى أثر التفاصيل فى عقل التلميذ وهو يقرأ ، فالمسافة لابد أن تكون ” ثمانية وأربعين ميـــــــــلا” ( أيضًا لااعتراض ) ولكن تبدأ المأساة عندما يُنبه مؤلف الكتاب على التلميذ بأنه ” لابد مــــــــن الاحتياط فى تقدير المسافة . والميل أربعة آلاف خطوة . والخطوة ثلاثة أقدام . والقدمان ذراع والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضات . والإصبع ست شعيرات معتدلات . والشعيــــــرة ( تصغير شعرة ) ست شعرات من شعر البرزون . وفى الهامش : البرزون : خيل غير عربـى” (ص262) وهكذا : على من يتأكّد من شروط المسافة لصحة صلاة ( القصر ) أنْ يأتى بشعــــــر خيل غير عربى ( البرزون ) وبكمية تكفى مسافة 48 ميلا . ولنا أنْ نتخيّل تلميذًا وهبته الطبيعة خاصية ( الحفظ ) وخاصية إبهار غيره بما ( حفظ ) وهو ينشر هذا الهراء على أقاربه وجيرانــه وأصدقائه . أما طريقة تحديد وقت الصلاة ، فهى إما الخروج لرؤية الفجر ورؤية الشمــــــــــس وسماع صوت ديك مجرب ( ص 188 ) .
نوع آخر من الاغتراب يتأسس على افتراضات ذهنية لاعلاقة لها بالواقع مثل : ” اذا أولــــج الخنثى فى الرجل المولج فإنّ كلا منهما يجنب ” ومثل ” من أولج أحد ذكريه أجنب إنْ كان يبـول به وحده ” (ص91) ومثل ” لو خُلق للمرأة فرجان فيكون الخارج من كل منهما حيضًا ” (145) وفى فصل بعنوان ( قاعدة فقهية ينبنى عليها كثير من الأحكام ) يقول المؤلف ” من القواعــــــــد المقررة التى ينبنى عليها كثير من الأحكام الشرعية استصحاب الأصل وطرح الشك وإبقاء مـــــا كان على ما كان . وقد أجمع الناس على أنّ الشخص لو شكّ هل طلّق زوجته أم لا : أنه يجــــوز له وطؤها ( أرجو عزيزى القارىء ملاحظة أنّ هذا الافتراض محل خلاف بين الفقهاء . وكـــان يجب على المؤلف ذكر هذا الخلاف بين الفقهاء ، خاصة وأنّ هذا التلقين موجه لتلاميذ فى ســـــن ال 16 سنة . فما هى النتيجة عندما ينشر التلاميذ هذا الكلام فى قراهم وكفورهم ؟ أما الافتراض الثانى فهو : ” لوشكّ فى امرأة هل تزوجها أم لا ؟ لايجوز له وطؤها ” (ص88) افتراض عبثـى لم يخطر على با ل كتاب مسرح اللامعقول
ينقسم البشرإلى أحرار وعبيد :
فى الجزء الثانى من كتاب ( الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع ) المقرر على تلاميذ الصــــــف الثانى الثانوى الأزهرى ( أدبى وعلمى ) العام الدراسى 2002/2003 يتعلم التلميذ أنه فى حالــة استلام العبد ، فيُشترط ذكر نوعه ( يقصد المؤلف ذكر جنسيته ) لأنه يقول بعد هذه الجملـــــــــــة مباشرة ” فإنْ اختلف صنف النوع كرومى وجب ذكره وذكر لونه وذكر سنه وذكر قده طولا الخ ويُعتمد قول الرقيق ( = العبد ) فى الاحتلام وفى السن إنْ كان بالغًا ، وإلاّ فقول سيده إنْ كان وُلد فى الإسلام ، وإلاّ فقول النخاسين – أى الدلالين – وذكر ذكورته أو أنوثته . ويشترط فى ماشيته من بقر وإبل وغيرها ما ذُكر فى الرقيق ( = العبد ) إلاّ ذكر اللون والقد فلا يُشترط ذكرهمـــــا ” (ص141) وهكذا يتم تكريس منظومة العبودية فى عقل التلاميذ . ليس هذا فقط ، وإنما أيضًــــا يتم تكريس أنّ هذا الإنسان الذى ظلمته منظومة اجتماعية معينة ، يتساوى مع الماشية .
وعن الأشياء التى يصح رهنها ولا يصح بيعها : الأمة ( = المرأة العبدة ) التى لها ولد غيـــر مميز ولايجوز إفراد أحدهما بالبيع ويجوز بالرهن . وعند الحاجة يباعان ويقوم المرهون عنهمـا موصوفًا بكونه حاضنًا أو محضونًا ” (ص153) والأشخاص الذين يجوز الحجر عليهم هــــــم : ” الصبى والمجنون والسفيه المبذر . ويُطبّق على العبد الذى لم يؤذن له فى التجارة ، لحق سيده وعلى المكاتب لحق سيده ولله تعالى . وعلى المرتد لحق المسلمين ( من ص 162 – 164 ) .
وكتب المؤلف أيضًا ” لايملك العبد بتمليك العبد سيده ولابتمليك غيره ، لأنه ليس أهلا للملـك لأنه مملوك ، فأشبه ب البهيمة ” ( ص 168 ، 169 ) ومن الأسئلة التى تُفرض على التلميــــــذ وعليه أنْ يعرف إجابتها : سؤال ” هل يصح نكاح المحجور عليه لزوجته لو كان عبــــــــــدًا؟ أما الإجابة فهى ” إنْ أذن لعبد فى نوع لم يتجاوزه كالوكيل . وليس له بالإذن فى التجارة النكاح” ( ص169 ، 170) وكما ساوى المؤلف بين الإنسان ( العبد ) وبين المواشى ، ساوى بينه أيضـــًا وبين الثياب ( ص 175) وفى شروط صحة الحوالة كتب ” تصح بالدين المثلى كالنقود والحبوب وبالمتقوم كالعبد والثياب ” ( ص185) وفى فصل ( الوكالة ) ذكر المؤلف ” لابد أنْ يكـــــــــون الموكل فيه معلومًا ولو من وجه : كوكلتك فى بيع أموالى وعتق أرقائى . ويجب فى توكيله فـــى شراء عبد بيان نوعه ( يقصد جنسيته ) كتركى ” ( ص208) .
ينقسم البشرإلى مسلمين وكفار(غيرالمسلمين على الاطلاق) :
فى فصل بعنوان ( حكم استعمال أوانى الكفار وأشباههم ) كتب المؤلف أنه يجوز استعما ل أوانى المشركين إنْ كانوا لايتعبّدون باستعما ل النجاسة كأهل الكتاب ، فهى كآ نية المسلميـــــن ( الجزء الأول ص 42 ) ومن الأسئلة المفروضة على التلميذ وعليه أنْ ( يحفظ ) إجابتها كــــــى يضمن النجاح فى نهاية العام السؤال التالى ” هل هناك فرق بين الكافر الأصلى والمرتد ؟ علّــــل ما تقول ( ص 172 ، 213) واذا كان الإعلام يقوم بحملة ( شجب ) بعد كل اعتداء على كنائـس المصريين ، فإنّ من يُحرّضون على هدم الكنائس والمنفّذون ، اقتنعوا بما درسوه فى المعاهــــــد الأزهرية . ففى فصل ( مبطلات الصلاة ) يتعلّم التلميذ الآتى ” تُكره الصلاة فى الأسواق وفـــى الحمام وفى المزبلة وفى الكنيسة وهى معبد النصارى . وفى معبد اليهود ونحوهما من أماكــــــن الكفر ” وهكذا يتعلم التلميذ أنّ الكنيسة مثلها مثل المزبلة. ولايكتفى واضع الكتاب بهذا ، وإنما يختتم هذه الفقرة قائلا ” قال صلى الله عليه وسلــــــم ” لعن الله اليهود والنصارى ، إتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد ” (ص232) وفى فصل ( صــــــــلاة الاستسقاء ) يتعلّم التلميذ أنه لامانع من حضور ( أهل الذمة ) لأنّ فضل الله واسع و ( لكــــــــن ) يُكره إخراجهم للاستسقاء ، لأنهم ربما كانوا سبب القحط . قال الشافعى : ولا أكره من إخـــراج صبيانهم ما أكره من إخراج كبارهم ، لأنّ ذنوبهم أقل ، لكن يُكره لكفرهم . قال النووى : وهــذا يقتضى كفر أطفال الكبار . وقد اختلف العلماء فيهم اذا ماتوا . فقال الأكثرون إنهم فى النــــار ” ( ص 297 ، 298 ) .
وهذا التعليم يزرع فى عقول التلاميذ أنّ المصريين (المسيحيين) ليس لهم الحق فى موارد الوطن الطبيعية . وليس لهم حق الإقامة فى مصر، فيقول لهم ” يُمنع الذمى من أخذ المعدن والركــــاز ( = الموارد الطبيعية ) بدار الإسلام . كما يُمنع من الإحياء بها ، لأنّ الدار للمسلمين وهو دخيل فيها ” ( ص355) وفى فصل بعنوان ( الوقف ) يتعلم التلاميذ أنّ الوقف لايكون فى محظور . فما هو هذا المحظور ؟ يقول لهم الكتاب المدرسى أنّ المحظور هو أى شىء محرم مثل ” عمارة الكنائس ونحوها من متعبدات الكفار . أو كتب التوراة أو الإنجيل أو السلاح لقطّاع الطريق لأنه إعانة على معصية ” ( ص 309) ويشرح المؤلف للتلميذ أنواع ( القتل ) فيقول ” يمكن انقسام القتل إلى الأحكام الخمسة : واجب وحرام ومكروه ومندوب ومباح . فالأول قتل المرتد اذا لــــم يتب . والحربى اذا لم يُسلم أو يُعطى الجزية ( ص171) هكذا يتم تحريض التلاميذ على قتـــــل أى إنسان يراه الأصوليون ( مرتدًا ) عن الدين الإسلامى . كما يتم غزو عقول التلاميذ بكراهية المختلف دينيًا . وأنّ هذا المختلف عليه أنْ يؤدى ( الجزية ) للمسلمين .
ويتعلم التلميذ فى فصل ( شروط وجوب القصاص ) أنْ لايكون المقتول أنقص من القاتل بكفر أو رق . فإنْ كان أنقص بأنْ قتل مسلم كافرًا فلا قصاص حينئذ (ص176) وهكذا يتعلم التلميــــذ المسلم قتل كل مختلف مع دينه . ويتعلم أيضًا أنّ عصمة القتيل تكون ” بإيمان أو أمان كعقد ذمـة أو عهد لقوله تعالى ” قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ” وقوله ” وإنْ أحد من المشركين استجــارك ” فيهدر الحربى ولو صبيًا وامرأة وعبد لقوله تعالى ” أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ” ومرتــــد فى حق معصوم لخبر ” من بدّل دينه فاقتلوه ” ولا قصاص بين عبد مسلم وحر ذمى ، لأنّ المسلم لايُقتل بالذمى والحر لايُقتل بالعبد ” ويتعلم التلاميذ أنه يجوز قتل عدد كبير من الناس مقابل فــرد واحد ، فيقول لهم الكتاب المدرسى ” تُقتل الجماعة وإنْ كثروا بالواحد ، لما روى مالك أنّ عمـــر ( رضى الله عنه ) قتل نفرًا – خمسة أو سبعة – برجل قتلوه غيلة ، أى حيلة وقال عمر رضــــى الله عنه لو تمالأ ، أى اجتمع عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا ” ولم ينكر عليه أحد فصار ذلــك اجماعًا ” ثم يشرح للتلاميذ طريقة قطع الأطراف وأسلوب الأخذ بالقصاص ، فيقول لهم ” يُقطع الرجل بالمرأة وعكسه . والذمى بالمسلم والعبد بالحر ولاعكس فيهما ” ( من ص 176- 178) .
وفى فصل ( إقامة الحدود ) يتعلم التلاميذ أنّ حد السرقة ( قطع اليد ) لايُطبّق فى حالـــــــــة سرقة ” مزمار وصنم وصليب وطنبور ، لأنّ التوصل إلى إزالة المعصية مندوب إليه فصـــــار شبهة كإراقة الخمر ” كما يتعلم التلاميذ أنّ من حقهم سرقة حصير المساجد والقناديل والمفروشات ، والسبـــب كما يقول الكتاب المدرسى ” لأنّ ذلك لمصلحة المسلمين فله حق كمال بيت المال . وخـــــــــرج بالمعدة حصر الزينة فيقطع بها (أى تقطع اليد) كما قاله ابن المقرى ” (240 ، 241) والأخطــر من ذلك أنّ الكتاب يُعلم التلاميذ أنه لايجوز إقامة حد السرقة على سرقة المال العام ولا على الاختـــلاس ويقول لهم ” لا يُقطع مختلس لحديث ” ليس على المختلس والمنتهب والخائن قطع ” وهــــــــــذا الحديث صححه الترمذى ( ص 242) .
ظلّ المصريون ( مسلمون ومسيحيون ) يؤدون طقوس الفرائض الدينية . وكانوا يتسامحون مع الإنسان الذى يتكاسل فى تأدية فريضة الصلاة . وكانوا يفرقون بين من يؤمن بالصلاة كركن من أركان الإسلام ، وبين من يجاهر برأى مخالف . وبالتالى كانوا ينصحون المتقاعس عـــــــن تأدية فريضة الصلاة بالكلمة الطيبة والنصيحة المحببة . وكان هذا الأسلوب يأتى بالنتيجـــــــــة المطلوبة ، فإذا بهذا الإنسان يبدأ فى الانتظام فى الصلاة . ولكن الكتاب المدرسى الأزهـــــــرى يرى غير ذلك ، فيقول للتلاميذ أنّ ” تارك الصلاة كسلا يُقتل حدًا على الصحيح ” وإذا كان تارك الصلاة كسلا سوف يقتل على يد أى أصولى ، فمن باب أولى قتل المرتد فيقول الكتاب المدرسى للتلاميذ ” المرتد اذا تاب تُقبل توبته ويسقط القتل . أما إذا أصرّ يُقتل كفرًا لا حدًا ” (ص249) .
الموقف من المرأة :
يصر مؤلف الكتاب على التفرقة بين الرجل ( المسلم ) والمرأة ( المسلمة ) فيقول للتلاميــــذ أنّ ” الأنثى ناقصة عن الرجال ، لقوله صلى الله عليه وسلم ” لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امــرأة ” وقال ابن ماجه ” لاتؤمّن امرأة رجلا ” (ص255) وفى حالة إعطاء الزكاة لأى إنسان ، فــــإنّ الأمر يتطلب ضرورة ” إخبار عدليْن أو عدل وامرأتين ” (ص365) وفى فصل ( الوصيــــة ) يتعلم التلاميذ أنّ الوصية لاتجوز اذا ” لم تكن المرأة فراشًا لزوج أو سيد ، فإذا كانت فراشـــــًا له أو انفصل لأكثر من أربع سنين لم تصح الوصية ” (ص390) فإذا استبعدنا موضوع الحرمـــان من الوصية ، علينا أنْ نلاحظ كيف ينظر الكتاب المدرسى للمرأة ، فهى ليست إنسانًا كما هــــــو وضعها لدى الشعوب المتحضرة ، وإنما هى مجرد (( فراش)) للرجل . ويتعلم التلاميذ ونحــن فى بداية القرن الحادى والعشرين ، أنّ المسلم الحر له أنْ يجمع بين أربع زوجات من الحرائـــــر ” مع جواز الجمع بين الإماء بملك اليمين من غير حصر ، سواء أكنّ مع الحرائر أم منفردات ، أما ( العبد ) فيجوز له أنْ يجمع بين إثنتين فقط ، لأنه على النصف من الحر ” (401) .
واذا كان الشائع والثابت أنّ تحريم الزواج من الأخوة فى الرضاعة ، ينطبق على الولد والبنت اللذين رضعا من ثدى واحد ، فإنّ مؤلف الكتاب يُعقد الأمور على المصريين ، فيقول ” من إرتضع ( = رضع ) من امرأة صارت بناتها الموجودات قبله والحادثات بعده أخوات له ، وأنّ كثيرًا من جهلة العوام يظنون أنّ الأخت من الرضاع هى التى إرتضعت معه دون غيرهـــــــا ” (ص437) وفى فصل ( حكم التسوية بين النساء ) يتعلم التلاميذ ما يلى ” لو كان الرجل تحتــــه ( لاحظ عزيزى القارىء نظرة هذا التراث إلى المرأة ، فهى ( تحت ) الرجل وليست زوجتــــــه أو شريكة حياته الخ ) حرة أو أمة ، فللحرة ليلتان وللأمة ليلة ” أما عن طاعة الزوجة لزوجهــــا فهى طاعة مطلقة ، وفى حالة رفض أى قرار من الزوج ، فهى فى نظر هذا التراث ( ناشــــــز ) فيقول المؤلف ” اذا قام بالزوجة نشوز بأن خرجت عن طاعة زوجها ، كأنْ خرجت من مسكنــــه بغير إذن أو لم تفتح له الباب ليدخل أو لم تمكّنه من نفسها لاتستحق قسمًا (؟) كما لاتستحق نفقــــة وللزوج إعراض عن زوجاته بأنْ لايبيت عندهن لأنّ المبيت حقه فله تركه ” (ص462) ومؤلـف الكتاب يفترض أننا لازلنا فى عصر العبودية وفى عصر ( الحرملك ) فيطرح الافتراض التالـــى ليتعلم منه التلاميذ ( الذكور ) حقوقهم المطلقة فيقول لهم ” من وهبت من الزوجات حقها لغيرهــا لم يلزم الزوج الرضا بذلك لأنها لاتملك إسقاط حقه من الاستمتاع ” ( ص 467) .
وفى فصل ( الخلع ) إهانة للمرأة ( المسلمة ) حيث يقول المؤلف ” لما جاز أنْ يملك الـــزوج الانتفاع بالبضع بعوض جاز أنْ يزيل ذلك الملك بعوض كالشراء والبيع ، فالنكاح ( = الزواج فى هذا التراث ) كالشراء والخلع كالبيع ” ( الصف الثالث الثانوى ص 71 ) وعن عدة المرأة ، فــإنّ المؤلف يفرق بين ( الحرة ) و ( العبدة ) فيقول ” عدة الأمة ومن فيها رق بالحمل أى بوضعــــــه بشرط نسبته إلى ذى العدة حيًا كان أو ميتًا أو مضغة كعدة الحرة . أما عدتها بالإقراء عن فرقـــة طلاق أو فسخ ولو مستحاضة غير متحيرة أنْ تعتد بقرأين لأنها على النصف من الحرة فى كثيــر من الأحكام ” ( المصدر السابق ص 127 ) وفى فصل ( الاستبراء ) كتب ” من ملك أمـــــــــــة ( = عبدة ) بشراء أو إرث أو هبة … أو قبول وصية أو سبى أو نحو ذلك حُرّم عليه فيما عــدا المسبية الاستمتاع بها ” لأنّ ” المسبية التى وقعت إلى سهمه من الغنيمة فيحل له منها غير وط ء من أنواع الاستمتاعات . وأخذ من الإطلاق فى المسبية أنه لافرق بين البكر وغيرها . وألحقت من لم تحصن أو أيست بمن تحيض فى اعتبار قدر الحيض والطهر غالبًا وهوشهر . ولِما روى عن ابن عمر ( رضى الله عنهما ) أنه قال : وقعت فى سهمى جارية من سبى جلواء ( قريـــــــة فارسية ) فنظرتُ إليها فإذا عنقها مثل إبريق الفضة ، فلم أتمالك أنْ قبّلتها والناس ينظرون ولـــم ينكر أحد علىّ من الصحابة ” ( ص 135 ، 136 ) ومن نماذج الأسئلة التى يُمتحن فيها التلميذ فى نهاية العام السؤال التالى ” عرّّف الاستبراء . وفرّق بين المسبية والمشتراة . ولو وطــىء أمة شريكان فى حيض أو طهر ثم باعاها أو أرادا تزويجها ، فما الحكم ؟ ” (ص139) .
وفى فصل ( الدية ) يتعلم التلاميذ ما يلى ” المال الواجب فى جناية على الحر : مائة مـــــن الإبل فى القتل العمد . وذلك فى قتل الذكر المسلم الحر . ولاتختلف الدية بالفضائل والرذائـــل وإنْ اختلفت بالأديان والذكورة والأنوثة ، بخلاف الجناية على الرقيق ، فإنّ فيه القيمة مختلفة . أما اذا كان ( القتيل ) غير محقون بالدم كتارك الصلاة كسلا والزانى المحصن ، إذا قتل كــــلا منهما مسلم فلا دية فيه ولا كفارة ( 182 ، 183) أما دية المرأة ( الحرة ) سواء أقتلها رجل أم امرأة فهى نصف دية الرجل الحر ممن هى على دينه . أما دية كل من اليهودى والنصرانــــى والمعاهد والمستأمن إذا كان معصومًا تحل مناكحته ثلث دية الحر نفسًا وغيرها ( ص187) .
تعظيم الخرافة :
فى فصل الحدود يتعلم التلاميذ أنّ الإنسان الذى ” وطىء زوجته ظانًا أنها أجنبية فلا حـــد فيه . ولو وطىء البهيمة والميتة فلا حد فيه ” ( ص213) لهذه الدرجة يتم تغييب عقل التلاميذ ويُقدم لهم وجبة من الافتراضات السقيمة التى يرفضها العقل السليم ، ناهيك عن روح العصــــر الذى نعيش فيه ، فيطرح عليهم تصورًا لإنسان يضاجع زوجته وهو يظن أنها أجنبية أو يضاجع البهيمة والميتة . وتكون الكارثة أنه إنْ فعل ذلك فلا يقام عليه الحد ، أى لاعقوبة بلغة عصرنا .
ويتعلم التلاميذ أيضًا أنّ ” الجنين اليهودى أو النصرانى بالتبع لأبويه تجب غرة فيه كثلـــــث غرة مسلم كما فى ديته وهى بعير وثلثا بعير وفى الجنين المجوسى ثلث خمس غرة مسلم كما فى ديته وهى ثلث بعير . أما الجنين الحربى المرتد تبعًا لأبويهما فمهدران ” (ص202) ويصــــــل الأمر إلى درجة أنْ يُنسب إلى الرسول الكريم حديث يقول فيه ” من أتى بهيمة فأقتلوه وأقتلوهـــا معه ” وأنّ هذا الحديث رواه الحاكم وصحح إسناده ( ص219) فهل يُعقل أنْ يكون ( التعليـــم ) بهذا المستوى ، فيتم التحريض على القتل لأنّ إنسانًا ضاجع بهيمة ؟ واذا كان الإنسان هــــــــــو الفاعل فما ذنب البهيمة المفعول بها والتى لاتملك الدفاع عن نفسها ؟ وفى فصل ( الرضــــــاع ) يقول المؤلف للتلاميذ ” لو إرتضع صغيران من شاة لم يثبت بينهما أخوة فتحل مناكحتهما وكذلك الجنية إنْ تصور إرضاعها بناءً على عدم صحة مناكحتهم وهو الراجح ” ( الصف الثا لـــــــــث الثانوى ص 140) فإذا تخيّلنا أنّ الشاة من الممكن أنْ تُرضع طفلا من البشر ، فهل يمكـــــــــــن أنْ نتخيّل وجود لأنثى ( الجان ) وأنها سوف تتولى رضاعة الأطفال من بنى الإنسان ؟
أما عن عداء الكتاب المدرسى الأزهرى للعلم ، فإنّ المؤلف يقول للتلاميذ ” لايصح بيع كتب الكفر والتنجيم والشعوذة والفلسفة ” ( ج2 ص108) وفى فصل آخر بعنوان ( الوصية ) يُكــــرر نفس المعنى فيقول أنه يُشترط فى الوصية أنْ لاتكون فى معصية مثل كتابة التوراة والإنجيـــــــل وقراءتهما وكتابة كتب الفلسفة وسائر العلوم المحرمة ” ( ص390 ، 391) وهكذا يوجه المؤلف عقل التلاميذ ويُصنّف لهم الكتب ، فهى إما كتب إيمان أوكتب (كفر) واذا كان قد وضع كتــــــب الفلسفة فى نفس الجملة التى ينصح فيها التلاميذ بعدم بيع كتب ( الكفر ) فإنّ كتب الفلسفة ينطبــق عليها ما ينطبق على الكتب التى يتصور أنها كتب الكفر . كما أنّ سيادته وضع كتب الفلسفــــــــة بجوار كتب التنجيم والشعوذة ، أى ساوى بين الكتب التى تُروّج للخرافة ( الشعوذة ) والكتب التى أنارت العقل البشرى ( الفلسفة ) كما أنّ سيادته يرى أنّ المعصية تكون فى ” سائر العلـــــــــــوم المحرمة ” دون أنْ يذكر ما هى ( العلوم المحرمة ) واذا كان قد اعتبر كتب الفلسفة من كتـــــــب الكفر ، فمن البديهى أنْ تكون علوم الفيزياء والأحياء وميكانيكا الكم والهندسة الوراثية الخ مـن بين العلوم التى يرى سيادته أنها محرمة ، ويمنع التلاميذ من الاطلاع عليها أو الاقتراب منها .
هذه نماذج قليلة من مقررات المعاهد الأزهرية . وهذا هو ( فضل ) تحويل الأزهر من جامع إلى جامعة بالقرار رقم 103 الذى أصدره عبدالناصر بتاريخ 5يوليو 1961 . وهو القرار الذى باركته الثقافة السائدة وباركه كثيرون من الكتاب ( الكبار ) فكانت النتيجة أنْ أصبح لدينا الطبيب ( المسلم ) و المهندس ( المسلم ) و المحامى ( المسلم ) الخ الذين يُكفّرون المجتمع ( مسلميــــــن ومسيحيين ، حكامًا ومحكومين ) والمسكوت عنه فى هذا الأمر أنّ عدد طلاب المعاهد الأزهرية ( ابتدائى وإعدادى وثانوى ) خلال عام دراسى واحد ( 94/95) وصل إلى مليون وستين ألــــف تلميذ ، حسب إحصاء الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ( نقلا عن أ. علاء قاعــــود – نحو إصلاح علوم الدين – مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عام 2000 ص 68 ، 73 ) وهذا الرقم يمكن ضربه × 10 وهم أصدقاء وجيران التلميذ الواحد .
ورغم ما حدث فى حرم جامعة الأزهر فى بداية عام (2007) من تدريب على القتل قام به طلاب هذه الجامعة ، فإنّ الثقافة السائدة فى مصر تُصر على أسلوب وضع المراهم المرطبة على الجرح الدامى . بدلا من الجراحة العلمية . إذْ قال كتاب وسياسيون أنّ ما حدث شــــــــىء عارض واستثنائى وفردى وعفوى وغير مخطط الخ ووصل الأمر بالبعض إلى إدانة القبـــــــض على الطلبة الذين قاموا بإرهاب كل مصرى من خلال تدريباتهم ، بزيهم الموحد ، وأقنعة الموت الموحدة والمكتوب عليها كلمة ( صامدون ) والسؤال هو : صامدون ضد من ؟ هل هناك إجابة أخرى غير أنهم صامدون ضد كل مختلف مع مرجعيتهم الدينية ؟ حتى يستولوا على السلطة ويفرضون قناعاتهم على كل أبناء مصر ، مثلما فعل طلبة الشريعة ( الطالبان ) فى أفغانستان . بل إنّ الثقافة السائدة وصفتْ ما حدث بأنه ” تدريبات على فنون القتال ” وأرجو كل مـــــن يستخدم هذا التعبير أنْ يراجع نفسه ، لأنّ الفنون تُهذ ب النفوس ولاتُحرّض على القتل .
إنّ هؤلاء الطلاب لم يأتوا من كوكب غير كوكب الأرض . وإنما خرجوا إلينا مــــن أرض المعاهد الأزهرية التى تبث فيهم كراهية الآخر المختلف الذى يجب قتله . والأخطر أنهـــــــــــا تُحرّضهم على تبنى آلية من آليات عصور البطش والظلام ، أى آلية غزو الشعوب المسالمة ، ففى فصل بعنوان ( الصدقات ) يقول لهم المؤلف أنّ من بين المستحقين للصدقة الشخص الذى يقوم فى ” سبيل الله تعالى ، وهو غاز ذكر ، متطوع بالجهاد ، فيعطى ولو غنيًا ، إعانة له على الغزو ” ( ج1 ص364) فهل نلوم الطلبة ونلوم كل أصولى يدافع عن آلية غزو الشعوب الآمنة المستقرة ؟ أم نلوم التعليم الذى صبّ هذه الأفكار التى تتنافى مع أبسط القواعد الإنسانية فى عقول التلاميذ ؟ وهـل أطمع فى أنْ يطّلع أحد من المسئولين على دراستى هذه ، حتى يتم إعادة النظر فى التعليـــــــــم الأزهرى ؟ وأنْ يتم دمج المعاهد الأزهرية ضمن منظومة التعليم المدنى تحت إشـــــراف وزارة التربية والتعليم ، وهو الأمر الذى نادى به عميد الثقافة المصرية ( طه حسين) ولم ينصت إليــه أحد . إنّ الاستمرار فى التعليم الأزهرى يعنى هزيمة مصر العصرية ، التى أسّس تاريخهــــــا القديم ثقافة التسامح والتعددية واحترام العلوم والفنون . فهل تقبل الثقافة السائدة التحدى؟ هـــــل تقبل مجابهة الواقع ومراجعة الذات ؟ هل تقبل بأنْ يضع مناهج التعليم لأولادنا الليبراليون ؟ هل تسمح لمن يحملون فى وجدانهم وفى عقولهم مصابيح النور والتنوير ، بأنْ يؤدوا دورهم لهزيمة جيوش الظلام ؟ هل يمكن أنْ يأتى يوم على مصر تكون فيه مناهج التعليم مشغولة بالمستقبل وليـــــــــس الإرتداد إلى كهوف الماضى ؟ هل مكتوب علينا التراجع فى انتظار لحظة الانقراض ؟ أم نتشبث بإرادة التغيير ؟ وهل سيأتى يوم نكون فيه مثل الشعوب المتحضرة ، فنعيش المستقبل فــــــــــــى حاضرنا ؟ أعتقد أنّ البداية هى الاقتناع بأنّ النهضة لن تتحقق إلاّ اذا آمنا بالعلم وبذواتنا القومية ، أى عندما تكون لنا روح : مصرية عصرية

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.