اليهودية والمحروسة السفر السابع

محمد شومان

وبموت إبراهيم يتسلم الراية من بعده المقدس إسحق ويكمل مسيرة الطهر التى بدأها أبيه “غنى عن القول أن البكورية كانت من حق إسماعيل إبن إبراهيم البكر ولكن لأنه ابن الجارية المصرية الشريفة فاليهود يرفضونه ويعدون إسحق هو الأحق بالخلافة”، ويتزوج إسحق برفقة التى كانت عاقرا فى البداية “نلاحظ أن الرب يهوه التوراتى يجد سعادة طاغية فى فتح أرحام النساء فعلى الرغم من وعوده المتكررة لإبراهيم ونسله أن يجعل نسلهم كرمل البحر إلا أننا نجد النساء التوراتيات فى الغالب تعانين من العقم حتى يأتى الرب يهوه ويمتع نفسه بفتح أرحامهن” ويدعو إسحق إلهه أن يفتح رحم زوجته وهو مايستجيب له الرب، ولكن يبدو أنه قد فتحه بعنف ليتمكن إسحق من أن يضع فيه توأم هما عيسو البكر ويعقوب التالى، ويكبر الولدان ليبيع عيسو ليعقوب حق البكورية بصحن من العدس–نعم هكذا تقول التوراة-..!
“فقال يعقوب بعنى اليوم بكوريتك فقال عيسو ها أنا ماض إلى الموت فلماذا لى بكورية؟ فقال يعقوب احلف لى اليوم فحلف له فباع بكوريته ليعقوب فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس”.(تك 25: 31-33)
ولا يحسبن أحد أن “الطفاسة” وحب العدس هى السبب الوحيد لبيع البكورية من عيسو ليعقوب، بل على الأدق هى عملية إنتخاب طبيعى لنسل معين لهدف محدد ألا وهو إعلاء شأن النسل الموعود وتصفية كل ماعداه سواء من حيث الأشخاص أو حتى من حيث طبيعة العمل.
ثم يحدث جوع فى الأرض ليرحل منها يعقوب بزوجته إلى مملكة جرار حيث نفاجأ بأبيمالك الشهير مازال ملكا عليها بعد موقعته مع إبراهيم بثمانين عاما:
وسأله أهل المكان عن إمرأته فقال هى أختى لأنه خاف أن يقول إمرأتى لعل أهل المكان يقتلوننى من أجل رفقة لأنها كانت حسنة المنظر”.(تك 26: 7-8)
وهنا يثبت إسحق عمليا أنه مستحق لخلافة أبيه إبراهيم فيدعى أن رفقة أخته وليست زوجته إلى أن يراه أبيمالك فى وضع غير أخوى معها فيتأكد أنه إبن إبراهيم مربوب يهوه فيأمر أتباعه بعدم التعرض للزوجة المقدسة خوفا من إنتقام الرب الإله:
“الذى يمس هذا الرجل أو إمرأته موتا يموت”.(تك 26: 11-12).
وهكذا نزداد يقينا فقرة بعد أخرى من التقدم الخلقى الذى جاء به شعب الله المختار ليخرجوا البشرية الضالة من ظلمات الجهل إلى نعمة الإيمان بالنماذج المشرفة لرجالهم الأطهار الذين ستصبح تصرفاتهم المسطورة هذه مادة للعبادة، فنحن جميعا نتقرب إلى الله بتلاوة كلماته المقدسة فى معابدنا يوميا حتى يرضى عنا ويسدد خطانا.
ويشيخ المقدس إسحق ويكف بصره فيخدعه المقدس يعقوب ويسرق منه البركة التى كان ينوى منحها لعيسو ويفر هاربا إلى حاران موطن جده خوفا من إنتقام عيسو، وهناك يظهر له الرب ويجدد معه العهد بأن يكثر نسله ويعطيهم أرض الكنعانيين، ولأن يعقوب يهودى صرف يعقد إتفاقا مع الإله بأن يرضى به يعقوب ربا فى نظيرأن يحفظه يهوه فى طريقه ويعطيه خبزا وثيابا ويرده سالما إلى بيته ويوافق الرب يهوه على الإتفاق، ثم يتزوج يعقوب من إبنتى خاله “راحيل وليئة” وكذا من جاريتاهما”زلفة وبلهة” لينجب منهن إثنى عشر إبنا الذين سيصبحوا هم أسباط إسرائيل الشهيرة.
وبعد مغامرات توراتية يهرب المقدس يعقوب بزوجاته وأبنائه وأيضا بمواشى خاله ليرجع إلى أرض كنعان، وفى الطريق إلى كنعان يحدث أن يقابل بطلنا يعقوب الرب يهوه ويدخل فى صراع بدنى معه حتى طلوع الفجر، ولكن يبدو أن بطلنا كان قويا للغاية إلى حد أن الإله يهوه لم يستطع أن يهزمه وعندما طال الصراع حتى مطلع الفجر بدأ الإله يهوه يتوسل ليعقوب أن يتركه يمضى فيسمح له يعقوب بذلك بعد أن يغير الإله إسمه من يعقوب إلى إسرائيل:
“لايدعى إسمك فيمابعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت “(تك 32: 28-29).
التى ترى التوراة أن معناها هو “مصارع الله” فى حين يرى “فيلون” الفيلسوف اليهودى فى عصر الميلاد أن إسرائيل كلمة كلدانية وليست عبرية وتعنى “الذى رأى الله”، وأيا كان الخلاف الفقهى حول مدلول الكلمة إلا أن الذى يعنينا فى هذه النقطة هو مدلولها عن كيفية تصور اليهودى للإله الذى يدخل فى صراع مع بشرى ولايستطيع الإنتصار عليه …!
ويصل البطل يعقوب الذى أصبح الآن إسرائيل إلى مدينة شكيم فى أرض كنعان حيث يعجب إبن الملك بالأنوثة الطاغية للآنسة “دينة” إبنة إسرائيل فلايتمالك نفسه أمام جمالها الفتان فيغتصبها- ملحوظة: كانت دينة طفلة فى الرابعة من عمرها- وعندما يحاول الملك “حمور”إصلاح غلطة إبنه ويطلب يد الفاتنة دينة لإبنه شكيم يشترط عليه إخوتها أن يختتن شكيم وكل أهله حتى يرضى إسرائيل بمصاهرته، فيوافق الرجل الطيب ويختن جميع رجاله، وفيما هم يعانون من الألم فى تلك المنطقة الحساسة يدخل عليهم شمعون ولاوى ويقتلا جميع شعب شكيم بحد السيف إنتقاما لشرف أختهما المهدر- ملحوظة: كان أحدهما طفلا فى الحادية عشرة والثانى فى الثانية عشرة- ولكننا نسينا التعجب من بداية مسيرتنا مع التوراة ولانجد عندنا حتى رغبة فى التعليق .
وتموت رفقة زوجة إسرائيل ويستغل رأوبين إبنه البكر فترة الحداد فيعتلى زوجة أبيه “بلهة” ويزين رأس أبيه المقدس بقرنين جميلين– ونحن نؤمن طبعا بأنها ذرية بعضها من بعض فالجد يتاجر بعرض إمرأته والإبن يسرق البكورية من أخيه والغنم من خاله فيأتى الحفيد ويمتطى زوجة أبيه- وهو ما يدفعنا إلى التساؤل المشروع عن منظومة القيم الخلقية التى جاء بها الدين اليهودى والأنبياء الكبار، وعن التطور الخلقى الذى أحدثه تدخل الإله يهوه فى حياة الشعب اليهودى، لنكتشف أن المقياس الخلقى لم يظهر عند أنبياء اليهودية ولا حتى عند يهوه نفسه إلا بعد خروجهم من مصر على يد موسى، أما قبل ذلك فنجد الأنبياء العظام يتصرفون تصرفات قذرة لا يرضى عنها ولا حتى يمارسها حثالة البشر من غير المتدينين، كما رأينا منذ قليل مع فرعون مصر وإبراهيم وكذا مع أبيمالك وإبراهيم وإبنه، ومع لوط وبنتيه مما يدفعنا إلى الشك بأن منظومة القيم الخلقية عند الشعوب الوثنية كانت أعظم من منظومة يهوه الخلقية، هذا إذا كان يهوه له منظومة خلقية من الأساس.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد شومان. Bookmark the permalink.