كلام في الثورة

د. رياض محرم

لاشك أن مقولة أن أفضل وقت نضرب فيه على الحديد عندما يكون ساخنا، وعندما يبرد فلا جدوى من محاولة طرقه أو إعادة تشكيله هى مقولة صحيحة دائما، وكما يبدو للجميع أن الحالة الثورية التى يمربها المجتمع المصرى لم يسبق حدوثها بهذه القوة وتلك الكيفية طوال تاريخه، ولحظة التوتر السياسى ما تزال قائمة والحالة الثورية متأججة فى مواقع كثيرة ويشارك فيها فئات متنوعة من عمال ومدرسين وأطباء ومهندسين ومحامين وأساتدة وطلاب جامعات وكل فئات المجتمع تقريبا.

لاشك أن حالة الإحتقان المجتمعى تتصاعد بشكل عفوى وتلقائى وبدون رأس أو قيادة واضحة، فالحركات المطلبية والفئوية تتوالد هندسيا وتنتشر جغرافيا على مساحة الوطن، ولكنها فى حقيقتها مطالب إقتصادية ومالية وتتمحور حول الأجور والبدلات فيما يحاول البعض تغليفها ببعض المطالب السياسية، مثل عزل وزيرأو تطهير مؤسسات أو إصلاح منظومة معينة وكثيرا ما يكون هذا البعض مساهما فى إفسادها فى زمن طال فيه الفساد الكثيرين (تحركات أمناء الشرطة مثالا).

إن تعبير الأزمة هو تعبير كاشف نتوارثه جيلا بعد جيل، وإن الوضع الحالى للحراك الجماهيرى الواسع يدل على أن تعبير ازمة اليسار التى ما زال يرفعها البعض هو مؤشر على مشكلة بنيوية فى العمل التنظيمى داخل قوى اليسار نفسها بما يشوبها من إنقسامات تتمحورحول بعض االشخصيات ومحاولة افتعال اسباب موضوعية لتفسير هذه الإنقسامات بالرغم من أن كل المعطيات تؤكد أن هذا اليسار لن يجد له دور فى المشهد القائم الا بوحدة جميع القوى اليسارية ، فليست الأزمة تخص تيارا بذاته ولكنها تشمل الجميع مع الإقرار ضمنيا أنه لا توجد خلافات موضوعية تستحق الذكر بين هذه القوى ولا توجد اختلافات ذات شأن على مستوى البرامج أو الشعارات.

إن الواقع المعاش يدلل على أن الشباب الذى فجر هذه الثورة هو بمجموعه يميل الى تبنى اطروحات يسارية وانهم اقرب الى اليسار من اى تيار اخر، كما أن الحركات العمالية والجماهيرية ما زالت فى أوجها وتمتد أفقيا لتغطى كافة فئات المجتمع وكل المناطق الجغرافية، وأيضا فإن مناخ الحرية الذى خلقته الثورة يتيح حتى اللحظة الحركة العلنية الواسعة للجميع، وكما أثبتت انتخابات النقابات المهنية إمكانية انتزاع مكاسب مهمة ممن هم أكثر تنظيما وتجربة تاريخية فى هذه النقابات، وكلها مؤشرات تدل على أن الوضع القائم يعطى امكانية واسعة لليسار ان يتحرك ويبنى تنظيمه القوى والمستقل وأن يشكل القيادة المركزية للحركة الجماهيرية.

مازالت أزمة اليسار تتجلى فى مواقفه المتعالية وخطابه المتثاقف واللغة الخشبية التى مازال يستعملها الكثيرمع الإحساس الكاذب بالقوة والتاثيرالذى يقع فيه هؤلاء بقصد أو بدونه، والتعلق فى ثياب الحركة الجماهيرية والمطالب الفئوية والإنشغال المبالغ فيه بموضوع المليونيات على حساب البناء التنظيمى، وفى الواقع أن معظم القوى المضادة إن لم يكن كلها تعمل تنظيم صفوفها واحكام تنظيماتها، وبدلا من الفعل الثورى الحقيقى يتحول الموضوع الى هتافات وصراخ قليل الجدوى والدخول فى معارك جانبية حول الدستور والإنتخابات بينما الآخرين يعملون على ترسيخ وجودهم فى الشارع، وتبنى مواقف يسارية أو يمينية فى الحركة وهذه ليست قضية جديدة وعاصرت كل الثورات منذ الثورة البلشفية، فالتيار اليسارى فى الحركة يصر على الثورة الواحدة (ضد نظرية الثورتين – الديموقراطية ثم الإشتراكية) ويطرح افكارا من نوع العصيان المدنى الفورى واستيلاء العمال على المصانع، فى المقابل هناك تيار يمينى ليس فى قاموسه الا البوابة الشرعية والإنتخابات والتغيير عبر البرلمان.

لقد كانت الحسنة الوحيدة لسقوط الاتحاد السوفييتى هى رفع الوصاية المفروضة مراضاة او غصبا التى كان يفرضها بأيدلوجيه دوجمائية “ا أسرعت بإنهياره” على الأحزاب الشيوعية فى بقية دول العالم، وكان الكرملين يعتبر نفسه بمثابة فاتيكان العقيدة الماركسية، يعطى بركاته وينزل غضبه بل يقوم بالحرمان والشلح للمخالفين ويفرض على الأحزاب الشيوعية ومنها فى بلداننا العربية وصايته بما فى ذلك احيانا تحديد البرنامج والتحالفات وربما حتى فرض القيادات كما حدث مع حزب 1924 فى مصر، وتكرر ذلك كثيرا بعد ذلك مثل ما حدث فى الصراع العربى الصهيونى وقرار التقسيم وهو الموقف الذى تسبب فى خسارة كبيرة لهذه الأحزاب مازالت هذه الأحزاب تدفع ثمنها حتى الآن، وأيضا الموقف من الوحدة بين مصروسوريا والأمثلة لا حصر لها.

إن دعوات مقاطعة الإنتخابات البرلمانية القادمة رغم مشروعيتها تظهر فى الحقيقة ضعفا بنيويا وجماهيريا لدعاة المقاطعة، فمجلس الشعب القادم لن يعبر عن الثورة فى قليل أو كثير، بل إنه سوف يكون الأسوأ خلال قرن من الزمان وذلك لخلوه تقريبا من تمثيل النساء والأقباط ومن الشباب الذى حمل لواء هذه الثورة وقدم أغلى التضحيات فى سبيلها، مجلس يصطبغ بأغلبية من ألوان طيف إسلامية متطرفة وبقايا الحزب الوطنى المنحل مع تمثيل شكلى لقوى ليبرالية تعبر عن مصالح رأس المال المدنى المتهافت.

كما جاء تفصيل قانون الأنتخاب ليعطى  الأفضلية لرجال الأعمال والتيار الدينى للسيطرة وفرض إيقاعهم، وذلك لأن الذين صنعوا الثورة لم ييصلوا الى سدة الحكم، لو أرادها المجلس العسكرى متوازنة لكان قد صنع قانونا مختلفا مبنى على القوائم النسبية المغلقة وإستبعاد الفردى، وبدلا من أن ينص على تمثيل امرأة واحدة فى القائمة الحزبية دون تحديد لترتيبها مما أتاح الفرصة لهذه الأحزاب لوضع إمرأة فى ذيل القائمة كما حدث فى أغلب القوائم، وكان بالإمكان أن ينص القانون على أن تمثل النساء فى القوائم بنسبة 50% كما حدث فى تونس، وتحديد نسبة للأقباط تساوى نسبتهم العددية، وكان يمكن للقانون أن يشترط أن يمثل الشباب أو المرحلة السنية تحت الأربعين بنسبة 50% من مجموع المرشحين على القائمة.

أعتقد أن ذلك حلما بعيد المنال من مجلس عسكرى محافظ بطبيعته وقعت الثورة فى حجره بعد رحيل مبارك، يذكرنى ذلك بتعبير أنيق ذكره كارل ماركس فى الثامن عشر من برومير واصفا لويس بونابرت بأنه ” رجل متوسط الذكاء، متوسط الموهبة، سقطت على كتفيه عباءة فرنسا”.

رغم كل هذه الصورة الضبابية فإن الفرصة لم تفلت من أيدينا بعد، فما زال الحراك الجماهيرى قائما ويتصاعد وإن كان بدون قيادة ثورية، وحتى اليسار المشارك فى هذه الحركات ينجرف نحو مطالبها النقابية والإقتصادية، ومازال العمود الفقرى للثورة وهم مجموع الشباب الواعى النشط على الفيسبوك حاضرا ونشيطا ويملأ الصفحات كلها إحتجاجا، ومازالت القضايا الإجتماعية والإقتصادية من أسعار وبطالة وأسكان وغيره متفاقمة وتضخ بالعديد من شرائح المجتمع فى طاحونة الثورة، ولكن كل هذا لا يحدث تقدما حقيقيا إلا إذا إستغل اليسار هذع الفرصة السانحة وتقدم بجسارة لإلتقاطها من خلال البناء التنظيمى الثورى يحمل رؤية واضحة تشمل:

1-   برنامج وطنى يسعى الى التماس مع رغبات الجماهير فى تحقيق الإستقلال الوطنى الناجز وإستعادة الدور الوطنى لمصر لبناء إقتصاد مستقل بعيدا عن المشاريع الإمبريالية التى تسعى لتطويعه فى إطار العولمة وسيطرة شركات النهب الإستعمارى، وإستعادة السيادة الوطنية الكاملة على سيناء، واقامةعلاقات تضامنية مع حركة الثورات العربية لبناء وحدة حقيقية تعتمد على الشعوب العربية الثائرة وليس على الأنظمة الإستبدادية التى تقهر شعوبها.

2-   تبنى حركة شعبية ديموقراطية تهدف الى بناء الدولة المدنية الخالية من التمييز والمنحازة الى الأغلبية الكادحة والمقهورة وبناء عدالة إجتماعية يتمتع فيها أبناء الوطن بخيراته وليس طبقة واحدة.

3-   ثورة ثقافية فى جميع ميادين الفكر وصناعة الرأى العام من تعليم وإعلام ومؤسسات دينية من أجل إحلال ثقافة المواطنة والتسامح وحرية الاعتقاد والتفكير والحركة.

أختتم كلامى ببعض كلمات المناضل الثائر ” أرنستو تشى جيفارا”:

*إن الطريق مظلم وحالك فاذا لم تحترق أنت ولم أحترق أنا فمن سينير الطريق.

* إما أن ننتصر أو نموت وكثيرون سقطوا في طريق النصر الطويل….

* الثوار يملأون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء .

* لن يكون لدينا ما نحيا من أجله، إن لم نكن على استعداد أن نموت من أجله..

* أنا لست محررا، المحررين لا وجود لهم، فالشعوب وحدها هي من تحرر نفسها ، إن الثورة تتجمد وإن الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمدة داخلي.”

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم. Bookmark the permalink.