المبدعة اللبنانية هدى بركات وجدل العلاقة بين الحياة والموت

ظلعت رضوان

جدل العلاقة بين الحياة والموت فى حجر الضحك
تميّز لبنان بخاصيتين : الأولى شعب محب للحياة إلى أقصى درجات العشق . والثانية طبيعة خلابة وموقع جغرافى متميز. فإذا أضفنا إلى هاتيْن الخاصيتيْن النشاط الثقافى الملحوظ ، فإنّ المتابع كان يشعر بارتياح عندما يسمع أنّ لبنان باريس الشرق الأوسط .
ولكن كان لهذه الخصوصية أكثر من عدو : يعتقد البعض أنّ إسرائيل هى العدو الوحيد . بسبب أطماعها فى لبنان ( وهذا صحيح ) ولكن يشاء قانون الأقدار العبثى ، أنْ ينقسم هذا الشعب الجميل إلى أديان ومذاهب متعددة . وكانت الكارثة عندما انعكس هذا التعدد على مجمل الحياة السياسية والاجتماعية والحزبية. وكانت النتيجة ظهور الأصوليات الدينية والمذهبية. والأخطر فى الأمر أنّ لغة الحوار بين هذه الأصوليات كانت للسلاح وليس للعقل أو للضمير الوطنى . ومن هنا نشأت ظاهرة الميلشيات المسلحة. وبدأت حرب الطوائف التى مزّقت لبنان لأكثر من خمسة عشر عامًا. ولم يُفكّر أحد فى إبداع صيغة لهذا التعدد الدينى والمذهبى وصهره فى إطار وحدة لبنان .
هذا الواقع المعقد المتشابك ، الذى حوّل بيروت الجميلة إلى خرائب ، وملأ شوارع بيروت بجثث القتلى . وجعلت العيون لا ترى إلاّ الدم . هذا الواقع المعتم . كيف نفك شفراته ونعيد صياغته إبداعـــيًا ؟ وهل يستطيع المبدع أنْ يبتعد عن الصورة ، بسواد الدم المتجلط فيها ، برائحة العفن ، بكل الخراب وكل التشوهات التى أحدثتها الحرب الأهلية ، هل يستطيع أنْ يجعل كل هذا الواقع الكابوسى فى خلفية دماغه وهو يُبدع ؟ أى وهو يعيد تركيب الواقع بلغة الفن ؟ نعم يستطيع بعض المبدعين الجمع بين الابتعاد عن صورة الواقع مع حملها فى وجدانهم أثناء عملية الخلق الإبداعى . وهذا ما حققته المبدعة اللبنانية هدى بركات فى روايتها (حجر الضحك) طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة 1998 .
تدور أحداث الرواية من خلال شخصية خليل . ورغم أنّ له العديد من الأصدقاء الذين أمسكوا ((بناصية الأمور الكبرى . أى بأدوات العقل والفهم والإدراك . ووضع الخطط لضبط طابق الحياة العلوى . فى السياسة والقيادة والصحافة)) رغم ذلك فإنّ خليل ((لايعى من المسألة سوى شدة ميله إلى السلم والسلام . وإلى عدم الرغبة فى الخروج إلى … وعدم القدرة على مشاهدة الدم . وسوى إحساس بالوحدة التى لا تنجح مطلقًا فى إتخاذ مكانها براحة وهدوء فى روحه المشوشة القلقة)) (17 ،18) ولفهم شخصية خليل أكثر جعلته الكاتبة يقول عن نفسه ((هلعى الحقيقى هو أنْ أتشابه مع قطعان الناس تحت . سوف ألف نفسى بحافظة سميكة فلا أسمعهم ولا أشم روائحهم)) ولأنه يرفض أنْ يمشى مع القطيع ، أى يرفض أنْ يكون مثل الخراف ، فإنه يرى أنّ ((العبد الذى يكره سيده ، ولو كان محكومًا حتى أظافره لهذا السيد ، هو عبد حر. عبد حر لأنه يكره ويُسوّر كراهيته يومًا بعد يوم . العبد الذى يكره سيده يحب نفسه ويكون حرًا. أكثر حرية من السيد . يكون أعلى من سيده)) (241 ، 242).
كانت المبدعة موفقة عندما جعلت بطل روايتها مثل (المرصد) الذى يرصد الأحداث. صحيح أنه يتأثر بها ولكنه لايشارك فيها. لأنها أحداث عن القتل والثأر بين الفصائل المسلحة. فهو يرصد نجاة أحد الزعماء ، ولكنه يرصد أيضًا أنّ الجفاء سيقوم عمليًا بين سكان الحى ذى الأغلبية المذهبية المعينة ، بمراعاة أنّ الزعيم الذى نجا من مذهب آخر (23) وعن خاصية الثأر (المترسبة فى العقل العربى) فإنّ إحدى الفصائل المسلحة عندما يُقتل لها عضو وتعجز عن العثور على القاتل الهارب ، فى هذه الحالة يتم قتل أى قريب له ، أى أنهم ((يغضون الطرف عن القاتل الهارب ويختارون بريئًا ، ضحية كضحيتهم)) (60) ويصل أمر الحرب الأهلية إلى درجة أنْ بعض الصحف كانت تتاجر بهذه الحرب ، فكان الصحفيون العاملون بها ((يُسجّلون نسبة سقوط القذائف بالدقيقة. وكأنهم يبتهجون كلّما ارتفع الرقم . ويُهنّئون بعضهم . فالجريدة تعمل بإنتاجيتها القصوى . والجميع يستحقون أكثر من رواتبهم . ولوجودهم فى هذا المكان يستحقون أقصى التقدير لولائهم ولمنسوب الصمود فى الجريدة)) والأخطر أنه فى تلك المنظومة الدموية ، فإنّ (( القصف العشوائى ليس عشوائيًا تمامًا. يعرف الجميع أنّ الجريدة لن تُقصف . لأنّ لكل عشوائية نظمها وقواعدها )) ولأنّ الحرب الأهلية تحوّلت إلى تجارة ، فإنّ أية محاولة لرأب الصدع ولم شمل الفرقاء فى وحدة تستهدف مصلحة لبنان ، فإنها مرفوضة لدرجة إقامة حفلة رقص ضد الوحدة (43 ، 44) وفى هذه الحرب التى يراها خليل عبثية ، فإنّ الضحايا ليسوا من الأعضاء المسلحين من كل طائفة فقط ، وإنما الضحايا أيضًا من المدنيين (حتى الأطفال) الذين لا علاقة لهم بهذه الحرب (46 ،47) وفى حوار بين خليل ونايف الذى يشترك مع حزبه فى الحرب الطائفية ، يُقر الأخير أنها حرب أهلية . ورغم ذلك يدافع عن نفسه بأنه لا يقتل أهل بلده كما قد يقتل الإسرائيليين . فيرد عليه خليل ((لكن لحزبك مواقع تشترك فى القصف العشوائى)) فيقول له نايف بعفوية ((نرد بالمثل لنسكتهم)) ثم يعود ليدافع عن نفسه من جديد فيقول ((الفوضى هى التى عيّشتنى صغيرًا فى الفقر وهى التى تغتال رفاقى . وهى التى خطفت وقتلت جارى محمود لأنه مسلم)) (65 ،66) فى هذا المناخ تتردد على ألسنة الفرقاء تهمة العمالة لإسرائيل (66 ، 141) ولأنّ خليل هو ( الراصد ) الخارجى لهذا الجنون الطائفى ، فإنه يقول لنفسه ((المدفع لا يقصف . الذى يقصف هى الفكرة التى سكبته)) (117) وخليل كما تصفه الكاتبة (( لم يشتغل بالسياسة. وكان يتكلم قليلا فى محاولة منه للفهم )) لذلك فهو يرصد كلمات عمه بإهتمام عندما كـان (( يلعن السياسة والزعماء الذين أوصلونا إلى هذه الحال)) ورغم ذلك فإنّ هذا العم مايزال تحت تأثيرالشعارات العروبية والأغانى التى كانت البديل عن الفعل ، فيُردد احدى هذه الأغانى ((أخوى فى بغداد / خلّى الرصاص ينادى / أخوى فى الأردن / خلّى الرصاص يُغنى / أخوى فى الحجاز/ أمم أنبوب الجاز)) كما أنّ هذا العم يعيش وهم العروبة ويهتف ((تحيا الأمة العربية)) رغم أنّ الواقع المادى يؤكد ليس تفتت (الأمة العربية) فقط ، وإنما تفتت البلد الواحد (لبنان) هذا التفتت الذى حوّل اللبنانيين إلى أعداء ، لدرجة أنّ الفتاة الصغيرة تموت برصاص جارهم القناص . والفتى الصغير الذى يعانى من آثار شلل الأطفال ، فجّر نفسه وسط دورية إسرائيلية. وفى نفس اللحظة كانت أخته تعانى من ولادة متعسرة فى مستشفى إسرائيلى . حيث يعمل زوجها ويقبض راتبه بالدولار. وعندما عادت إلى بيتها المنسوف عاجلها ابن عمه الأصولى بطلقة فى رأسها ، فماتت هى ووليدها (119 – 121) وإذا كان الشعب اللبنانى يعانى من نقص فى المواد التموينية ، فإنّ ذوى البدلات المرقطة (الميليشيات العسكرية) لم تكن لديهم مشكلة فى المواد التموينية. ولذلك يقول يوسف (ابن عم خليل) أنّ كل الناس يلعنون المسلحين . ويعتبرونهم زعرانًا بلا تربية. يقتلون وينهبون . وأنهم متعصبون لطوائفهم (123 – 125)
وتكمن مأساة يوسف فى أنه رغم إدانته للطائفية ، إنضم لتنظيم طائفى . وقد استغلّه التنظيــــــــم ( لصغر سنه ) وأمره القادة بركوب سيارة للذهاب إلى الفرن . لم يقولوا له إنّ السيارة مفخخه وسوف تنفجر (127) ولأنّ القصف الدموى أخذ شكل الروتين ، لذلك بات ((القصف يُعيد توزيع المواقيت على المدينة كإمساكيات شهر رمضان . قبل القصف . خلال القصف . بعد القصف)) وإذا كان القصف لم يمس سكان حىٍ ما ، فإنه ((القصف السعيد)) الذى ((يرد إليك الوقت الأصلى)) ورغم ذلك فإنّ ((الموت هو غراء المدينة الوحيد . الموت هو أبو المدينة. وحين يشتد القصف يجلس الموت وراء مكتبه. ولايخرج إلى الشوارع إلاّ المتقاتلون ومنظمو القتل . أما من لا عمل له فيتلظى فى أقبيته. فلا تختلط الأمور. ولا تسير النعجة إلى جانب الذئب . ولا يكون مكان للالتباس عندما تتساءل إذا كان بائع الأحذية أحد تجار الدم . فى هذا المناخ فإنّ زوجة رئيس أحد التنظيمات تقول إننا سوف ((نغسل صور الشهداء بأمصال جرحانا ونُلمع زجاج المراكز الحزبية بماء مآقيهم . وننقع الرصاص بلبن الرضع ليجلو ويلمع)) لذلك فإنّ خليل كان يتقيأ دمًا . ولا يستطيع مسك أمعائه ولا مسك زوجة رئيس التنظيم التى راحت تُنهى خطابها راقصة على أدراج البركة ذات النافورة التى تفيض دمًا (161 – 165) وتصل جرائم التعصب الطائفى إلى درجة قتل الجرحى فى سيارات الإسعاف . لذلك فإنّ خليل يخاطب روحه فى لحظات الرعب قائلا ((النساء اللواتى يُشبهن أمى ويُشبهن أخواتى هل متن ؟ هل أمطروهن بالرصاص فى سيارة الإسعاف وقُتلن كما قُتل يوسف ؟ هل أنا أعرف ما أعرفـه ؟ هل أوقن منه ؟ مسكين يا خليل . مسكين خجلك بنفسك يا خليل الذليل )) (170 ، 171) .
فى هذا المناخ تحوّلت الكلاب إلى ذئاب . وانفصلت سماء المدينة الى اثنتيْن . هواء علوى يمشى من تحته من يهتمون بأمور السياسة. وهواء سفلى لسماء أقل ازرقاقًا لناس لا علاقة لهم بما يجرى فوق (36 – 38) فى هذا الواقع الكابوسى يتابع خليل إذاعة الأغانى ، فيلاحظ أنّ المستمعين يتكلّمون مع المذيع الذى لا يتوقف عن الكلام الذى لا يقول شيئًا البتة. فقط يملأ الأذن بحسه الإنسانى الفارغ . وفى نهاية الحديث يهدى المستمع أغنية المطربة الفلانية لأسرة الإذاعة وللمذيع . يغلق خليل الراديو ويخاطب روحه : أناس ولكن غير حقيقيين . أصواتهم فقط حقيقية. ولكنها فارغة وكاذبة هى إذن الأصوات الحقيقية لمدينة كهذه. الناس الذين يُشبهوننى موجودون إذن . لا يُشبهون جرذان الأنفاق . إنهم المدينة الحقيقية. وهؤلاء الذين فوق هم الكذب (80 – 82) والحرب الأهلية ضمّت مناضلين ومرتزقة من البلاد المجاورة. يتباكى عبدالنبى (أحد هؤلاء) على لبنان ويرفض تصديق أنّ بيروت انتهت . ماتت . وأنّ بريقها قد خبا . يقول ((فى كل مرة أعود لأتأكد . لكن غليلى لايُشفى . أرحل أكثر ضياعًا وتشكيكًا . كلنا من أى قطر شئت ضائعون)) ويصل تطرفه إلى درجة الاعتراف ((بعد الذى جرى ويجرى فى بيروت ، كم أتمنى أن أكون لبنانيًا)) ولكن (كلود) زوجة نايف ترد عليه أنتم الآن يا عبدالنبى ((تُشغّلون اللبنانيين بالقروش لإذلالهم . كل كلامك وأغانيك الحزينة ليست سوى هبلا وشماتة. لو تحل عنا يا عبدالنبى أنت وعشيقتك الخرا بيروت)) من هو عبدالنبى الذى يتباكى على بيروت ؟ إنه منفى من نظام بلده الذى لا يقبل أى شكل من أشكال المعارضة. فليكف عن المعارضة حيث لا نظام بالمرة. فليدمر ويستشهد فى بلده . والله مسخرة (107- 110) جمعت الحرب الأهلية بين الشرفاء والمرتزقة من العروبيين . بل إنّ بيروت أصبحت مهددة بقيم البداوة. فهذا ((يرى أنّ بلاده فارغة أصلا . وهو حين يغادرها لا يحمل منها سوى بعض ذكريات البداوة المذلة (112) ونتيجة لكل هذا الخراب الروحى أصبحت بيروت ((عاصمة الكلام)) (122) وأصابت البلادة الناس . فإذا كان القصف بعيدًا عنهم ، فهم يُرسلون زفرات ارتياح وفرح يشبه أنْ يُهنىء الناس بعضهم البعض على السلامة. لقد انفجرت فى الشارع الآخر ونحن بخير. الحمد لله فهو الرحمن الكريم الذى لا نعرف سببًا محددًا لشكره على سلامتنا)) (127 – 128) من خلال هذا التراكم الحياتى فإنّ خليل يرى قرب نهاية الرواية أنّ مدينته فريدة فى بشاعتها . ويتساءل : كيف يتغنى الشعراء بجمالها ؟ ((هذا فسق . إنهم فقط لايريدون أنْ يتورطوا برؤيتها فى بشاعتها . رؤيتها فى بشاعتها تردهم إلى بشاعتهم)) وترى الراوية التى عرفت خليل وأحبته. وأخفت الكاتبة شخصيتها حتى السطر الأخير من الرواية ، أنّ خليل برىء من هذه المدينة. هو برىء منها تمامًا. وحر تمامًا. ولذا فهو يعرف كيف يكرهها)) (238) .
000000
من هو خليل ؟ إنه يعيش حالة اختلاط جنسى ((فبقى وحيدًا فى معبر ضيق . وعلى تماس بين منطقتيْن شديدتى الجذب . مقيمًا فيما يشبه الأنوثة الراكدة المستسلمة. والرجولات الفاعلة المفجرة لبركان الحياة)) (17) فى البداية يعشق خليل ابن الجيران (ناجى) لدرجة أنه ((حين تختفى رائحة سجاير ناجى من المكان ، فإنّ المكان يفرغ منه لا منها . وحين يتأخر ناجى يخون خليل بذخ الأفكار وتنطفىء لعبتها . يحل خليل فى الفراغ ويصير شبه بوصلة ذات إبرة واحدة ترتجف)) ( 28-29) والراوية التى عرفت خليل وأحبته تؤكد أنه كان ((يعرف أنّ الخوف من الدم حتى الإعياء . وأنّ قصر الساقين وضمور القامة إلخ كل هذه الأشياء لا تجعل من الرجل خنثى . أو ذكرًا ضعيف الذكورة أو شاذًا . وأنّ ما يعانيه من أعطال مؤقتة ما هو إلاّ أزمة نفسية فرضها الخارج المجنون . وأنه يُفضل هرمونات الأنثى التى فيه بنسبتها الطبيعية ، إذْ هى تقيه إجرام الفعل . ولذا فهى أزمة عابرة وستزول . وهو حتمًا يشتهى النساء)) (89) ولكن هذا التأكيد من الراوية ينفيه سلوك خليل ، إذْ بعد وفاة ناجى يقع خليل فى غرام يوسف ، لدرجة أنّ يوسف اللاهى بتجاربه الجديدة وبفتيان من عمره كان يكسر قلب خليل بقوة. وعشق خليل ليوسف يتعاظم . ويعتقد أنّ يوسف القديم (التراثى) لو رأى يوسف الذى أحبه خليل ، لوقع القديم ومات . لأنّ يوسف (الرواية) كان جميلا لدرجة تجعل نحاتى عصور النهضة يبدون كالبلهاء بأجسامهم البيضاء المنفوخة المعروقة كأجساد الأبقارالسعيدة. ولكن خليل يدرك أنّ عسل يوسف كان عسلا سامًا . لذلك كان خليل يحب أنْ يرى يوسف ويكره أنْ يراه (96- 98) فهل هو صراع الهرمونات داخل جسد خليل ؟ أم أّ هناك سببًا آخر؟ يعيش خليل وهم إعادة أسطورة يوسف التوراتية / القرآنية ، لأنه عندما سأل نفسه ((ماذا أريد من يوسف ؟)) أجاب ((إننى أطوق يوسف كما طوّقته زليخة)) ويصل هوسه بالأسطورة إلى درجة أنْ يقول ((كل ذلك الشقاء لأنّ يوسف جميل. ولأننى زوجة جنس آخر. أدفعه لكل ما هو كريه وفاسد ومسموم وأروح ألطم وأجمع نسائى . أجمع نسائى وألطم مشيرة إليه وهنّ لا يرينه ولا يتقطع سوى يدى . وتبقى برتقالات شهوتى كاملة ومستديرة وحمراء . كلّما لمستُ طرف ثوبه شققته من دبر. شققته آلاف المرات من دبر لكنه لم يرنى ولم يستدر ولم ينشق له ثوب . شققتُ ثوبى وصرختُ أنظروا إلى الفاسق . أنظروا إلى ما يفعل بى يوسف . أنا زوجة جنس آخر. كأننى فى هبلى أنتظر أنْ يأتى يوسف ذات يوم لخطبتى . يقرع الباب وهو فى أبهى أثوابه ويطلبنى . وأنا أحمر خجلا وأتلكأ قليلا قبل أنْ أهز رأسى بالموافقة)) (137 ، 138) فى هذه المناجاة الذاتية جمع خليل بين حالة أنوثة كاملة وبين تلبس شخصية زليخة الأسطورية. وتتعملق الأسطورة داخله بعد أنْ تم اغتيال يوسف داخل سيارة الإسعاف ، ويتخيل خليل أنّ البطانية التى كانت تغطى يوسف شبيهة بالبئر. بل هى بئر حقيقية وأنّ يوسف كان داخلها ولم يخرج منها . ولأنّ خليل لم يتمكن من إنقاذه ، لذلك يعتقد أنه ليس سوى اخوة يوسف الاثنى عشر ((إنه أخوة يوسف الألف الذين ألقوا يوسف فى البئر. وإنّ يوسف لم يخرج من بئر أخوته)) (157 ، 158) .
فى الحلقة الثالثة من حلقات التشوش الجنسى ، يتعرف خليل على شخصية لم تُعطه الراوية اسمًا واكتفت بالرمز إليه بكلمة (الأخ) الذى له علاقات بالصحافة وتهريب الحشيش والأفيون المصنع ، مقابل شحنات من الأسلحة. والوسيط فى عملية مقايضة إسرائيل التى تأخذ حصتها من الصفقة. هذا السلاح يتم توزيعه على التنظيمات المسلحة التى أحرقت لبنان . هذا (الأخ) مصاب بالحب المثلى (الشذوذ الجنسى فى الترجمات العربية) ويحب مضاجعة الشباب الذكور. من واقع خبرته يوقن أنّ خليل هو العشيق الجديد المنتظر. وعندما يبدو التردد على وجه خليل يقول له (الأخ) : أنا لن ألمسك إلاّ إذا كنت راغبًا . ولكن خليل رغم حالة الأنوثة داخل عقله ووجدانه . ورغم الإغراء المادى الذى بشره به (الأخ) فإنّ موقفه يتغير((كان الأخ عاطفيًا جدًا وحنونًا على تكتم وحياء ، لكن خليل كان يستشعر فى جو المكان نفسًا جنسيًا خالصًا وفاضحًا . كان يجعله ينفر بقوة من مجرد تصوره للمس جلد الأخ ، الذى يتعذب كثيرًا من أجل أنْ يطالنى ويبصم على روحى ويتملكها وأصير أشبهه. وفكر خليل : إننا حتمًا نصير نشبه من نمارس معه الجنس . وأنه لايريد أنْ يُشبه هذا الرجل)) (225-232) ويكون التغير الثانى فى شخصية خليل موقفه من جارته الأرملة التى كان يعاملها بود واحتـرام . فإذا به يعتدى عليها ويحاول تقبيلها عنوة. بل إنه يصفعها على وجهها ويطلب منها أنْ تقبّل يده ورقبته (244) لماذا هذا التغير؟ هل توازنت الهرمونات الجنسية داخل جسده ؟ هل هو الذكر الذى يحن للأنثى ؟ إنه بعد أنْ رفض إقامة علاقة جنسية مع (الأخ) فكر فى البديل . ولم يكن البديل فى جارته الأرملة لأنها أنثى ، وإنما لأنها تُشبهه. فقبل الاعتداء عليها كان يقول لنفسه ((فيها شىء يشبهنى هذه المرأة. فيها شىء من الرجال لا أستطيع وضع إصبعى عليه)) (216) أى أنه عندما اعتدى عليها كان يقوم بدور الإنثى التى تتحرش بالذكر.
أعتقد أنه من حق قارىء الرواية أنْ يسأل عن مغزى شخصية خليل المعقدة نفسيًا وعقليًا . وعن مغزى اضطرابه الجنسى بين الذكورة والأنوثة. فكّت الكاتبة شفرة الغموض عندما ربطت بين كراهية خليل لمدينته وخواطره عن الأمومة. فهو يكره مدينته ((لا كما يكره ابن المرأة الجميلة أمه التى كانت جميلة. وكانت للجنرال . يلبث الابن وقتًا طويلا يحضر كراهته على نار خفيفة حتى تنضج . يلبث وقتًا طويلا يحب أمه ويكره أنها جميلة. فالأم الجميلة لا تكون أمًا لنا. تكون أمًا وتكون جميلة . ويكون هناك الجنرال فى جمالها . تُقبّلنا فى أسرّتنا قبل أنْ ننام . بشفاه تكون من الحرارة والبروز بحيث سيراها الجنرال الذى ينتظر فى صالون البيت . أى رجل ينتظر فى صالون البيت يكون جنرالا علينا . نحن صبية ألعاب الجنود واللصوص الذين ابتلوا بأم جميلة إلى هذا الحد)) (238 ،239) .
هذه الصياغة المكثفة عن الأمومة واقتحام الجنرالات لغرف نوم الأم فى وجود أطفالها . الصياغة المليئة بالإيحاءات عن الجنس والأمومة والخيانة وديكتاتورية مؤسسة العسكر، هى المفتاح لفهم شخصية خليل . فهو فى نفس الصفحة يتذكر صوت فيروز الملائكى . ورغم ذلك فإنه ((سرعان ما عرف أنّ لا شأن له بأغانى هذه المرأة. وأنّ الأمر لا يعدو كونه خطأً طفيفًا . تلك التى كانت تغنى لضياع لا يعرفها ولا يستطيع تصورها . لمرفأ قديم يدور وتدور فينا بكلام فارغ حتى قعره. لأنه رمز حتى قعره. رمزٌ لا يرمز إلى شىء عنده. أغانى فيروز كانت لأهلنا ربما . لكن المغنية لاتطالنى ولا ترفعنى إلى أى سماء كهؤلاء الذين يبكون كلّما سمعوا صوتها . فيروز التى تستمر بجمع سماءىْ الوطن . عابرة خط التماس . البجعة التى تطير رواحًا ومجيئًا بين سماءيها . البجعة العوراء بالعينيْن مداورة : يا للهرطقة. أى كمية من هواء الكراهية والتنصل الساخن يلزمنى ليعلو منطاد روحى فوق سماءيكما ذات المغنيات الملائكية والروائح الكريهة. كم فوق كم ؟ لأكون حرًا منكم . حرًا. لأنى حر. لأنّ لى الكراهية الخالصة)) (239، 240) من أين أتت لخليل هذه الكراهية ؟ ولأنه قام بدور المرصد فهو يرى أنّ لبنان ((بلد يضحك ويلعب معتقدًا أنّ سلطته لا تضحك ولا تلعب. وأنه يخدعها)) ولكن الواقع يقول أنّ ((السلطات تضحك ضحكها . لكل سلطة ضحكها . تمامًا كما فى البلاد التى تمنع الكحول . تمنع استيرادها واستهلاكها . لكنها البلاد التى تسكر باستمرار. البلاد التى لاتصحو. السلطات تشرب فى قصورها . وتمنع الشرب فى الشارع . والشارع يصنع كحوله على يده أو هو يشم الغراء أو مياه موتورات الطيارات . يتسمم أو يعمى أو يموت ولكنه يشرب . أكثر من يشرب . ممنوع الضحك إذن . لكل ضحكه الخاص . ونكون أكثر شعوب العالم ضحكًا)) (149) بل إنّ خليل عندما يسمع إذاعات الميلشيات العسكرية ، يرى أنهم يعتبرون ((الشعب كالهبر المسلوق المضغوط فى حر وعتمة طنجرة الضغط . وأنّ زعيمًا معينًا يفتح طنجرة الزعيم الآخر ويدلق الشعب الذى بداخلها فى طنجرته هو. ويروح يضغط من جديد وهكذا مع هذا الشعب القاسى كالنعال والذى لايريد أنْ ينضج)) (179، 180) لماذا هذه القسوة فى الحكم على الشعب ؟ لأنّ خليل يرى أنّ الشعب اللبنانى لا يستحق أنْ يكون مصيره فى أيدى ميليشيات الموت ، لأنه يعتقد أنّ ((أهل بلدنا يحبون الحياة. على نحو يثير دهشة العلماء الذين كلّما أتوا على ذكرنا تعجّبوا من قدرتنا الهائلة تلك على حب الحياة)) (101) .
وإذا كانت هناك علاقة عضوية بين حب الحياة والقدرة على الضحك ، فإنّ خليل يرى أنّ ((حرب المدن تكره الضحك . الناس يموتون فى الطرقات . ممنوع أنْ تتفق جماعة ما داخل مكان محدد على الضحك . تضحك لوحدك ، يبقى نشاطًا فرديًا . لكن أنْ يتحول الضحك نشاطًا جماعيــــــــًا ، فهذا مخلٌ بقانون الجماعة المحاربة. الضحك لايلائم الحس الوطنى . الحس الوطنى لا يلائمه إلاّ الحزن العميق . هذا ما رآه خليل فى معرض القاعة الزجاجية لوزارة السياحة. بركة ذات طوابق متعددة فى أعلاها نافورة تُرسل سائلا أحمر يفيض على الطبقات التحتية ويتدفق . لم يفهم . اقترب مدققًا . دم . بركة بنافورة تفيض وتُحدث صوتًا من الدم . الموت لا يقبل المزاح والضحك. والحس الوطنى يتألم إذا ابتعد عن الموت . والتاريخ لا يصنعه سوى الموت . وهو شديد الكره والاحتقار للضحك)) (129-131) ولأنّ الموت ليس هو الإنسان الذى يُحرّم ويُحلل ، يمنع هذا ويسمح بذاك ، ولأنّ القتل صناعة بشرية ، فإنّ الذين يمنعون الضحك هم جماعات التنظيمات المسلحة التى تتاجر بالموت فتمنع الضحك . ولعلّ فلسفة الضحك أنْ تكون مغزى عنوان الرواية (حجر الضحك) وقد ذكّرتنى المبدعة هدى بركات برواية (اسم الوردة) للمفكر الإيطالى (أومبيرتو أيكو) حيث نرى الراهب الأكبر- رئيس الدير- يمنع الرهبان من قراءة بعض الكتب . ولا يسمح إلاّ بالكتب التى يوافق هو عليها . وكان كتاب أرسطو عن الكوميديا من الكتب الممنوع الاقتراب منها. لماذا ؟ يقول الراهب الأكبر ((الضحك يُحرر الإنسان من الخوف . الضحك يجعل المستحيل ممكنًا. إنه أسلوب احتجاجى راق لاتستطيع مقاومته. يعطى الإنسان فوق كل شىء حرية الشك والتمرد)) وعندما يقول له وليم ((وهل إخفاء الكتاب ومنع الرهبان من قراءته سوف يمنع الضحك ؟)) يرد الراهب الأكبر((بالطبع لا. ولكن هذا الكتاب بالذات خطير لأنه يملك قوة لا يملكها الآلاف من العقارب . لأنّ كاتبه فيلسوف . ولو عرف الناس أنّ فيلسوفًا ألّف كتابًا عن الضحك ، فسوف يتسلق الضحك من المعدة إلى العقل . وسيعلو شأن الضحك وترتفع مكانته ويمتد من مجالس البسطاء إلى مجالس المثقفين والعقلاء . بل سيصبح أهم أدوات الحكماء وتلك هى بداية النهاية)) (أنظر القراءة المهمة لرواية اسم الوردة فى كتاب لماذا فقد حورس عينه – قراءة جديدة فى الفكر المصرى – تأليف د. مرفت عبدالناصر – دار شرقيات عام 2005 من ص71-74).
امتلكت الأديبة اللبنانية هدى بركات شجاعة استخدام بعض الكلمات التى يرفض مصريون كثيرون استخدامها . إذْ فى حين يستخدم المصريون كلمة (بنطال) تكتب هدى بركات (بنطلون) وهى هنا تراعى واقع العصر، خاصة وأنّ العرب لم يخترعوا البنطلون . ويكون جهد العرب هو تغيير الاسم . وكذلك تستخدم كلمة (زبالة) التى نستخدمها نحن المصريين . ولم تستخدم كلمة (قمامة) التى يحرص العروبيون على استخدامها . والكاتبة اللبنانية هنا انحازت للغة العلم ، حيث يتم بسهولة استخراج (زبّال) من زبالة ، فى حين يصعب نطق (قمّام) من قمامة. كما أنها لا تتحرج من استخدام كلمة (ينف) بدلا من (يتمخط) ولا تتحرج من استخدام التعبير الشائع لدينا نحن المصريين ، عن الشخص الذى يتظاهر برجولة ليست فيه فنقول عليه (بيتمرجل) (ص123) ويسخر خليل من الأستاذ مقبل المدرس الثانوى لأنه كان يُصر على لفظ القاف مقعرة ومن أسفل الحلق . ولم يكن الصبية يفهمون سببًا لهذا التشدد . فكان غالبًا ما يثير الضحك (133) ولعلّ الكاتبة هنا تشير بشكل فنى إلى بعض العروبيين الذين يتغاضون عن الخصوصية اللغوية لكل شعب ، خاصة إذا عرفنا أنّ البينية اللغوية للشعب اللبنانى تميل إلى استخدام حرف الألف بدلا من حرف القاف . وهو ما يُعبر عنه علماء علم اللغويات بتوفير الجهد العضلى للحلق . عند استخدام الحروف التى لا تحتاج إلى مجهود مثل حرف الألف وهو من ضمن الحروف المخففة وسهلة النطق .
وإذا كانت الرواية تطرح موضوع العلاقة الجدلية بين حب الحياة وحتمية الموت ، فإنها تُثير إشكالية العلاقة بين الأنوثة وتجار الموت . فإذا كان بطل الرواية يكره القتل ويُدين الحرب الطائفية وكل أشكال العنف ، وإذا كان عقله ووجدانه يميلان إلى الأنوثة ، فهل مغزى الرواية ، أنّ (تأنيث) المجتمعات البشرية هو الأمل فى الخلاص من شرور الحروب ، كل أشكال الحروب ؟ خاصة إذا كان التاريخ يقول أنّ الرجال – غالبًا – هم مشعولو الحروب . مجرد سؤال تذهب إليه قراءتى لتلك الرواية البديعة. واذا كان هذا هو الانطباع الذى تنثره الرواية ، منذ صفحاتها الأولى ، فإنّ المبدعة وفى السطورالأخيرة من الرواية قدّمت مفاجأة درامية . إذْ أشارت إلى جدل الحياة القائمة على الأنوثة والذكورة عندما كتبت ((غاب خليل . وصار ذكرًا يضحك . وأنا بقيتُ امرأة تكتب . خليل بطلى الحبيب)) (246) بل إنها مهّدت لذلك (بشكل فنى) عندما ذكرت أنّ الاضطراب الجنسى لديه سيزول . وأنّ (( مايعانيه من أعطال مؤقته ما هو إلاّ أزمة نفسية فرضها الخارج المجنون)) (89) .




Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged . Bookmark the permalink.