عن حدود الأجور والوهم اللذيذ

د. اميل صابر

حدود الأجور والوهم اللذيذ

ترتفع مطالبات فئوية عديدة للمطالبة بوضع حد أدنى و/أو حد أقصى للأجور، وبعيدا عن أغراض كل طرف في مطالباته، سواء كانت لكسب منفعة شخصية مباشرة، أو لحجب منفعة يراها زائدة عن القيمة عن آخرون، أقول بعيدا عن الأغراض سأحاول دراسة الفكرة كفكرة.

كيفية تحديد الأجر:

يحدد أجر العامل (الموظف، المسئول، .. إلخ)  بناءا على عدة عوامل منها:

1-  كم الربح العائد من عمله إلى جهة العمل

2-  كم وفر النفقات المحتمل تحققه نتيجة مهارة العامل

3-  القدرة التنافسية الإجمالية لجهة العمل في السوق على كسب أمهر العمال

4-  درجة توافر تخصص العامل في السوق (الندرة ترفع القيمة، والوفرة تخفضها)

5-  بعض الوظائف الخدمية والمعاونة لا تدر ربحا مباشرا ويصعب تقييم عائدها

صعوبة تحديد حد أدنى:

رغم ما تبدو عليه قضية الحد الأدنى من إبهار لصغار العاملين ومتوسطيهم، إلا أنها عمليا تبدو مستحيلة التحقق لما يلي:

1-   لا يمكن أن تفرض الدولة حدا أدنى للأجور على مؤسسات لا تملك إدارتها بشكل مباشر، وإلا كان لزاما عليها أن تضمن تحقق حد أدنى للربح لهذه المؤسسة.

مثلا، لو أن متجرا يحقق أرباحا شهرية قدرها 5000 جنيه وضرورة العمل تحتاج ثلاثة عمال غير صاحب العمل فكيف يمكن تدبير حد أدنى للعامل 1200 جنيه، مع ضمان أجر أعلى لصاحب العمل نظير المخاطرة وأيضا حساب عائد رأس المال.

هل ستعوضه الدولة عن الفرق؟،

أم سيضطر لرفع الأسعار ليزيد الربح حتى يقدر على الوفاء بما تلزمه به الدولة من حد أدنى للأجور؟

2-  لو افترضنا أن الدولة اكتفت بالتزامها وحدها بالحد الأدنى للأجور، وتركت المؤسسات الخاصة كل حسب العرض والطلب والقدرة التنافسية:

–       تحتاج الدولة لزيادة مواردها وذلك سيحدث عن طريق زيادة الضرائب ورفع أسعار المنتجات والخدمات الحكومية بما يضمن تعويض الفرق المطلوب

–       سيزداد الطلب على الوظائف الحكومية ويقل على القطاع الخاص

–       ضغوط عمالية على القطاع الخاص لرفع الأجور والاستجابة لها تعني رفع الأسعار على الجميع

ومن هذا نخلص إلى أنه: ستظل حالة التنافس بين القطاعين الحكومي والخاص وداخليا بين مؤسسات الخاص على جذب أفضل المهارات لتحقيق أفضل النتائج مما يصبح معه الحد الأدنى هذا غير عادل مهما ارتفع.

خطورة تحديد الحد الأقصى:

يطرح البعض حلا لتمويل الحد الأدنى للأجور هو تحجيم الحد الأقصى للأجور مما يضمن عدم زيادة الأسعار والضرائب، وهو حل يبدو لطيفا ومانعا للفوارق الطبقية الشاسعة في نفس الآن، وهنا لابد لنا أن نستوضح الآتي:

1-  لو أن الدولة التزمت بسياسة الحد الأقصى للأجور فهل هذا يضمن أن يلتزم به القطاع الخاص ولا ينافس الدولة لاستقطاب العمالة المتميزة؟

(يرجى الرجوع لتجربة السبعينيات من القرن الماضي)

2-  إذا تمكنت الدولة من إلزام القطاع الخاص على اعتبار وجوده على أراضيها، فهل قادرة على منافسة سوق العمل الخارجي؟

(يرجى دراسة سوق العمل الدولي منذ خمسينيات القرن الماضي)

3-  لابد لنا أيضا أن نعي فائدة عدم تحديد حد أقصى للأجور، وذلك فيما يلي:

–       فتح المجال للمبدعين والمهرة في الابتكار والتطوير لتخطى ما هم عليه من أجر

–       توسيع المجال التنافسي بين المؤسسات لإنتاج أعلى جودة يرضى عنه المستهلك

–       زيادة التدفقات النقدية في أيدي المتميزين من العاملين مما يضمن زيادة التدفقات النقدية في السوق ككل ما يؤدي لرواج في السلع وزيادة الطلب على المنتجات مما يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة

–       زيادة فرص العمل في أسواق مثل البناء والديكور ورفع أجور المهرة من العاملين في هذا المجال نتيجة توافر سيولة نقدية في أيدي البعض تمكنهم من توسعة منازلهم وتجديد هيئتها.. إلخ

النتيجة:

ببساطة الحالة الوحيدة التي يمكن معها تطبيق الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور هو الشيوعية الاقتصادية والتي تملك فيها الدولة كل شيء والجميع موظفين عندها تمنح من تريد كيفما تريد وتساوي بين الماهر وغيره، والتي بالضرورة تلجأ لوسائل قمعية لكبح رغبات مواطنيها.

هل ما سبق يعني إظلام الرؤية وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان؟

بالطبع، وإنما يعني أننا نحاول حل المشكلة بخلق مشاكل جديدة أسوأ تأثيرا على المجتمع. ولمعرفة حل أزمتنا الحالية، يلزم لنا أن نحدد :

ما هي مشكلتنا بالضبط؟

مشكلتنا ليست إلا في:

1-  غياب دور أجهزة قياس المهارات وحسن توظيفها في أماكن تجيد الإنجاز فيها.

2-  غياب دور أجهزة تنمية المهارات الفردية من أجل تطوير الأداء وبالتبعية تحسين الدخل عن استحقاق.

3-  خلل ترتيب الشرائح الضرائبية وحدود الإعفاءات المباشرة وغير المباشرة وسوء توزيع الدعم المادي والعيني.

4-   وهنا الأهم ولب الداء المصري كله في كل مناحي الحياة: فساد تقييم استحقاقات الأفراد، وأخطاء تسكينهم في المناصب.

 مشكلتنا في أن تقييم العامل لا يتوقف على مهارته وعلمه وخبراته، وإنما على نسبه، ودينه، وصلاته، وجغرافيته،

وانحرافه. 

مشكلتنا تكمن في الخبث الطافي على سطح المجتمع

 مشكلتنا تبدأ من طالب غير مستحق يتم تعديل نتيجته ليعين في الجامعة، وطالب عبقري يبخس حقه في هذا التعيين.

المشكلة تتنامى حينما يتساهلوا معه في الدرجات العلمية فيما يلي مرحلة التعيين.. ويصبح هذا المعيد المعين بالفساد يوما ما من علماء الوطن ومن ثم مرشحا لرئاسة الجامعة أو الوزارة.

مشكلتنا في ترقيات وتعيينات في مناصب قيادية لمجرد أنه فلان، وليس لأنه قادر على كذا.. وكذا.. وكذا.

مشكلتنا في فساد شامل لابد من اجتثاثه من جذوره، وأهواء لابد من ضبط انحرافها عن طريق قوانين تضمن المساواة في الحقوق والواجبات والحريات بنزاهة كاملة.

 لهذا ورغم يقيني التام بأن الكثيرون لا ينالوا ما يستحقون من أجور إما لأنهم تحت الحد الأدنى ظلما فقيمة عملهم تعود بأكثر مما ينالون أضعافا، أو لأنهم لا يتخطون الحد الأقصى ظلما أيضا، لأن فاسدا ما أخذ فرصتهم،

وعكسهم من ينالوا أكثر كثيرا مما يستحقون فسادا،

ورغم أنني –على المستوى الشخصي- لن أستفيد من رفع الحد الأدنى للأجور، ولن أضار من وضع حد أقصى للأجور.. بل بالعكس سأضار من الحد الأدنى بسبب ارتفاع الأسعار مع ركود السوق مما سيؤدي لتحويلي لفئات تحت الحد الأدنى المقبول،

أنادي بكل قوتي وأقول ورغم كل هذا:

 أيها المصريون

إن كنا نريد حلا فلا تبددوا جهودكم سعيا وراء وهم الحد الأدنى والأقصى للأجور إنما لابد لنا من أن نجتث الفساد ونهتم بالتنمية البشرية بطريقة علمية.

  في كل الأحوال.. لابد أن يكون هناك تفاوت مجتمعي؛ جُل أملنا أن يكون عادلا حسب الأداء والقيمة، وليس ظالما نتيجة فساد

This entry was posted in د. اميل صابر. Bookmark the permalink.