ليلة العوده إلى الغربه

سوسن الجمل

مكثت فى الغربه لأكثر من عشرين عاما، خمسة أعوا م فى انجلترا وسبعة عشر عاما فى أمريكا، وصلت إلى أعلى مستويات النجاح العلميه والعمليه، حققت ثروة لابأس تتمثل فى علم ومال وقررت الآن أن أعود إلى وطنى، أعود بعلمى واستثماراتى إلى مصر.
باقى سبع ساعات على موعد اقلاع الطائره، لا استطيع الانتظار، كم أنا سعيده بعودتى إلى مصر لا لست سعيده ولكننى قلقه لا ليس قلقا بل هو خوف… ما كل هذه المشاعر والهواجس المتداخله لآ أفهم سر هذا التناقض فى المشاعر، يجب أن أكون سعيده وفقط فبعد اثنين وعشرين عاما سوف أرجع لأشعر بالدفء والود مرة أخرى.
كنت فى مصر منذ ثلاثة أشهر لكى أجهز لانتقالى للعيش هناك ولم أشعر بأى دفء ولم أرى أى ود فى عيون المصريين، ماذا حدث للمصريين هناك، لقد تذكرت الآن تعجبى عن سبب العدوانية التى عوملت بها فى شوارع مصر من بائعين لساثقين التاكسى للماره فى الشوارع… أناس لاتربطنى بهم أى صله ولم يسبق لى معرفتهم لماذا كان كل هذه العدوانيه والحده فى تعاملهم معى، أين ذهب الود الذى كان يكمن فى عيون المصريين وما كل هذا الحزن وهذه الكآبه التى أصبحت لا تفارق وجوههم.
أعتقد أنها مرحله وسوف تمر نتيجة للمعاناه التى عاناها هذا الشعب من ديكتاتوريه وجهل وفقر، انا واثقة أن مخزون الحضاره لدى الشعب المصرى سوف يتغلب على هذه الحاله من العشوائيه التى يعيشونها الآن، يكفى أننى سأكون وسط أهلى.
أهلى…. أخر مره اتصل بى أحد أقاربى كان عادل ابن عمى منذ ثلاثة عشر عاماعندما طلب منى أن أساعد ابنته فى الالتحاق باحدى جامعات امريكا لاستكمال دراساتها العليا، رحبت بالفكره جدا وطلبت منه أن يرسل لى صور شهاداتها وسيرتها الذاتيه، كانت الاولى على كلية علوم جامعة عين شمس وكانت بطلة سباحه وعازفة بيانو وتهوى القراءة والشعر. وبالفعل بدأت فى اجراءات الحاقها باحدى الجامعات هنا وكلى أمل أن تصبح هذه الفتاه عالمه وذات شأن كبير فى البحث العلمى فعندما تحدثت معها على الهاتف كانت كلها حماس واندفاع إلى النجاح والتفوق، ولكن للأسف تلقيت مكالمه من عادل وكانت اخر مكالمه له يخبرنى بأنه عدل عن فكرة سفر ابنته بلاد الخواجات خاصة وانه تقدم لها عريس مناسب يعمل كمهندس بترول فى احدى دول الخليج وهذا انسب لها كفتاة شرقيه مسلمه.
كم حزنت على هذه الفتاه وتذكرت وقتها امى وابى عندما أخبرتهم على البعثه فى انجلترا وكيف شجعانى ولم يترددا للحظة واحده على توفير كل الامكانيات لسفرى إيمانا منهما بأهمية العلم والدراسه رغم أننى كنت وحيدتهم وكنت فتاة شرقيه ومسلمه. كيف تدهور الفكر فى مصر إلى هذا الحد، عادل من عمرى تقريبا، كان يدرس ماجستير الطب عندما تخرجت أنا من كلية الهندسة وكانت ميوله يساريه فى ذلك الوقت واتهمنى بالبرجوازيه والرأسماليه والعديد من التهم الأخرى التى لا أتذكرها الآن عندما علم بقرار سفرى إلى اوروبا.
كانت أعوامى الخمس فى انجلترا شاقة جدا بين دراسة وعمل ولكننى اكتسبت العديد من الخبرات التى أهلتنى للعمل فى احدى اكبر شركات المتعددة الجنسيات وحصلت على العديد من الترقيات ووصلت إلى مركز ممتاز وكانت مفاجأة للجميع هناعندما قررت العوده إلى مصر وخاصة باميلا وزوجها سميث وابنتها كريستين، اتذكر الآن يوم ولادة كريستين كانت سعادتى غامرة بهذه الفتاه وظلت معتقدة اننى خالتها حتى عمر الست سنوات قبل أن تعى أننى صديقة أمها وابيها، لم يتركانى أشعر بغربه منذ وطأت قدماى أمريكا، كانا دائما معى فى محناتى وكنت معهما فى كل تفاصيل حياتهما.
أتذكر الآن عندما اكتشفت مرضى واضطررت لدخول المستشفى، كانت باميلا تلازمنى ولم تتركنى يوما واحدا حتى استرديت عافيتى ورجعت إلى عملى.
عملى… كونت صداقات عديده فى عملى، ودودن جدا الأمريكان، لم احتفل بعيد ميلادى وحدى طوال السبع عشر عاما التى أمضيتها فى أمريكا… كانت دائما تنتظرنى مفاجأة يوم عيد ميلادى حتى أننى أصبحت انتظرها كل عام من زميلاتى وزملائى فى العمل، لقد دعوتهم جميعا لزيارتى فى مصر ولكنى طلبت منهم أن يمهلونى عاما واحدا فانا أنوى بناء فندق فى مرسى علم وسوف يكونوا جميعا ضيوفى فى الافتتاح، أعتقد أن عاما واحدا كافى لبناء فندق وتجهيزه خاصة بعد الثوره حيث لا مجال للبيروقراطيه وتعطيل الأعمال.
ولكنى سمعت فى اكثر من حديث تليفزيونى وأنا أتابع أخبار مصر أناس لايريدون سياحه فى مصر وهناك دعوه من الاخوان المسلمين والسلفيين تسمى “لا للخمور ولا للبيكينى” كيف لى أن أحكم على السيدات بعدم ارتداء البيكينى ما هذا الهراء الذى يدعو له السلفيين.
السلفيين… هؤلاء قصة عجيبه لا أفهمها، عندما سافرت من مصر كان الرجال يرتدون البنطلون والقميص والبدله والجينز ولكنى عندما رجعت إلى مصر منذ ثلاثة أشهر وجدتهم يرتدون جلابيه قصيره ويطلقون اللحى وكانت السيدات يلبسن طبقا للموضه الأوروبيه وفوجئت بهن يرتدين كفن أسود يسمونه نقاب أو جلابيه وطرحه كحجاب، هل سيقبلوننى ببنطلونى الجينز وتى شيرتى القصير وفاستينى وجيباتى القصيره… لا أعلم ولكنى لن ألبس هذا الكفن الأسود مهما كانت العواقب.
كانت رحلتى الأخيره إلى مصر مليئة بكل ما هو عجيب وغريب، شعرت أننى فى بلد لا أعرفها، كنت نزيله فى سميراميس وسط البلد وطلبت تاكسى ليأخذنى إلى القاهره الجديده لأرى مستوى السكن هناك فقد سمعت انها منطقه تعد من المناطق الراقيه الآن فى مصر واستطيع أن أجد سكنا مناسبا لى هناك. وبالفعل ركبت التاكسى واضظر الرجل أن يلف حول القاهره عن الطريق الدائرى فى رحله استغرقت أكثر من ثلاث ساعات وذلك لآن ميدان التحرير ووسط البلد مقفول بالمظاهرات وطريق الاوتوستراد مقطوع من سكان منشية ناصر والدويقه وهناك مظاهره للسلفيين فى شارع الهرم وربنا يستر من بلطجيه الطريق الدائرى… هكذا قال لى سائق التاكسى.
وبدأ يحكى لى الحوادث التى تعرض لها صديق له فى المهندسين واخر فى مدينه نصر وقريبته التى قتلت فى منتصف النهار وهى فى طريق عودتها إلى بيتها فى الهرم وذلك لآنها كانت ترتدى سلسله ذهب وغويشه والشرطه التى لا ترد على من يستغيث وقوات الجيش لاتحمى الناس من البلطجيه وتذكرت يوم عودتى إلى منزلى فى وقت متأخر وتصادمت مع سيارة نقل على الطريق السريع انقلبت على أثرها سيارتى، وبالصدفة كان يمر جار لى لاأعرفه ولاأعرف اسمه ولكننى أراه فى المنتزه القريب من بيتى أو فى السوبر ماركت، ووقف الرجل واتصل بالشرطه والاسعاف وظل معى إلى أن تأكد أننى بخير ولم يصبنى مكروه وأن الشرطه والاسعاف سوف يتولايانى.
باقى من الزمن أربع ساعات، بعد ساعة واحده ستمر على باميلا وسميث ليقلانى إلى المطار، وأبدأ رحلة العوده والاستقرار فى وطنى مصر، يا له من شوق إليك يا مصر، سوف أذهب لزيارة الأقصر وأسوان، لم أرى الأقصر وأسوان منذ رحلة الجامعه، كم كانت رائعه هذه الرحله مازلت أذكر كل تفاصيلها، كنت مبهوره بكل شىء هناك، المعابد والصوت والضوء وجزيرة النباتات وأبو سمبل ووادى الملوك، لازلت أباهى بها أصدقائى فى أمريكا، أرجو ألا يكون السلفيين هدموا المعابد فقد سمعت أنهم يعتبرونها أصناما، يالها من مصيبة حضارة السبعة آلاف عاما أصبحت كفرا.
منذ أسبوعين كان أخر يوم لى فى العمل، وأصر زملائى على الاحتفال بى وقدموا لى الهدايا وأخذنا صورا تذكاريه وبعد يومين أقام لى جيرانى حفلة وداع فى النادى الخاص بالمنتجع الذى نقيم به ومنذ ذلك الحين لم تفارقنى باميلا وكريستين وسميث، لم يسعنى الوقت لانهاء كل متعلقاتى فى أمريكا وتركت لهم بعض الأشياء ليستكملوها فسميث محامى وأثق به وسوف يتولى كل شىء هنا. لقد عشت فى هذا البيت قرابه الثمانى سنوات لم اتحمل ان أبيعه بنفسى، سوف يقوم سميث بهذا الاجراء نيابة عنى.
صوت الهاتف يرن، أكيد باميلا، لا انه براين، كان مساعدى فى العمل وعندما تركت عملى حل محلى، انه يتمنى لى حظ سعيد ويريد التأكد أن هناك من سيقلنى إلى المطار. كم لطيف منك براين الاطمئنان على. حقا سأفتقد براين وكل زملائى فى العمل وكل جيرانى وأصدقائى، ولكننى دعوتهم جميعا إلى مصر، ووعدونى بالزياره.
حاول العديد من زملائى وأصدقائى احادتى عن قرارى بالسفر وعندما أوضحت لهم اننى تعبت من الغربه رد على رئيسى فى العمل قائلا “لم أشعر للحظه أنك غريبه بيننا … أى غربة هذه التى تتحدثين عنها بعد كل هذا النجاح فى العمل والحياة الاجتماعيه… هل الوطن بالنسبه لك مجرد محل ميلاد أم هى مجرد شعارات مخزونه لديك منذ الطفوله”.
معك حق يا ادم، هل الوطن هو محل الميلاد أم هو انتماء وأحلام مشتركه… انتماء لمن؟ للسلفيين والاخوان المسلمين الذين يحاولون السيطره على عقول البسطاء من جموع الشعب المصرى والرجوع بمصر إلى عصر الخلافه والجزيه أم انتماء للبلطجيه الذين يسيطرون الأن على الشوارع فى مصر أم لشباب الثوره الذين يبحثون عن دور لهم ويترنحون بين الليبراليين والاسلاميين أم للأقباط الذين يقفون متفرجون مكتوفى الأيدى ليروا أى كفه سترجح ام للعسكريين المتربصين لأى فرصه يعلنوا فيها الحكم العسكرى ام لمستقبل مشوش لا أحد يعلم إلى أين يذهب… اى من هؤلاء سيقبلنى وأقبله؟ أى من هؤلاء سأطمئن إلى مستقبل بلدى معه؟ أى من هؤلاء يريد فعلا مصلحه مصر؟
هذا هو الموعد المحدد للذهاب إلى المطار، باميلا على الهاتف ” ألو باميلا… لا لن أسافر.. الغربه فى الغربه أهون بكثير من الغربه فى وطنى”.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سوسن الجمل. Bookmark the permalink.