زخم شديد ودستور جديد

بقلم : عبدالجواد سيد عبدالجواد 

زخم اليومين الأخيرين كان شديدا ، الأربعاء والخميس 16/17/3/2011م. مساء الأربعاء محاضرة ألقاها الدكتور عمر حمزاوى فى مكتبة الإسكندرية حضرها معظم شباب مدينة الإسكندرية تقريبا وسيطرت عليها الروح الليبرالية والتطلع إلى إقامة دولة مدنية ورفض التعديلات الدستورية الأخيرة. كان إجتماعا حاشدا بشكل غير مسبوق وقد نجح الدكتور حمزاوى وحفاظا على حيادية المكان كما قال فى إدارة الندوة أكاديميا وليس سياسيا وحاز قبول وإعجاب معظم الحاضرين بشكل عام. إمتلأت قاعة المؤتمرات الكبرى بالحاضرين ووقف الباقون خارج القاعة وأمام أبواب المكتبة المواجهة للبحر بشكل لم تعهده مدينة الإسكندرية منذ فترة طويلة. كان ذلك دليلا على الروح الجديدة التى بدأت تسرى فى المجتمع المصرى. روح البحث عن المستقبل.

كان ذلك يوم الأربعاء أما يوم الخميس فقد شاهدت رحلة بحث أخرى ، رحلة بحث عن الماضى . كان الأبطال هذه المرة هم الإخوان المسلمون. فقد سافرت إلى القاهرة يوم الخميس لحضور لقاء مع وفد أحد منظمات المجتمع المدنى الأمريكية بفندق سميراميس ومع الأسف فقد تأخرت عن الحضور بسبب تأخر القطار وإنتهى الإجتماع قبل وصولى لكن أصدقائى إنتظرونى ومن هناك ذهبنا جميعا إلى ميدان التحرير القريب..كان هناك تجمع من نوع آخر لبعض شباب الإخوان . كان الإجتماع من أجل حشد الرأى للموافقة على التعديلات الدستورية الأخيرة المزمع إجراء الإستفتاء عليها يوم السبت 19/3/2011م. فرق كبير بين الإجتماعين وبين الموقفين وبين اليومين. فالأول يتطلع إلى المستقبل والثانى يحاول جاهدا تكريس الماضى فمن المعروف أن معظم التعديلات المذكورة تحمل نفس روح الدستور القديم وخاصة المادة 76 المتعلقة بإنتخاب رئيس الجمهورية والتى  ربما لن  يستطيع الأستفادة منها سوى الإخوان وبقايا النظام القديم.

إنتظرنا قليلا نشاهد هؤلاء الأشرار الذين لن يهدأ لهم بال قبل أن يقضوا على أى أمل لنا فى حياة محترمة بين الأمم المحترمة ثم ودعنا بعضنا البعض وإنصرفنا. ذهبت إلى مدينة نصر لقضاء بعض شئونى الخاصة وفى طريق الذهاب والعودة عشت موقفبن آخرين لهما نفس ملامح المشهدين الأولين بكل تناقضهما وكل دلالتهما وبنفس القدر تقريبا. كان البطل هذه المرة هو سائق التاكسى. أحدهم االذى اقلنى ذهابا وثانيهما الذى أقلنى فى طريق العودة. لاأذكر من بدأ الحديث أثناء رحلة الذهاب أنا أم السائق ولكنه سألنى عن رأيى فى التعديلات الدستورية فأجبته بالرفض صمت وسألنى لماذا شرحت له رأيى فقال عندك حق فسألته بدورى هل تؤيد حكم الإخوان لمصر فأجاب مبتسما أنا أريد من يحكمنى يرعى مصالحى وليس دينى فدينى أنا أستطيع رعايته بنفسى ولو كانت المصالح يعالجها الدين فلكان من الأولى أن يحكمنا شيخ الأزهر إذن. بهت للرد الحكيم وتأملت السائق وكأننى أراه لأول مرة ولاحظت المصحف الموضوع أمامه فى تابلوه السيارة. إنسان مصرى نموذجى فى العقد الخامس حكيم وهادئ يبدو نصف متعلم لكنه ذو أخلاق يحب الدنيا والآخرة معا كعادة المصريين.

أخذنا الحديث منحى آخر حتى وصلنا إلى مدينة نصر ونزلت من السيارة وقضيت حاجتى التى جئت من أجلها وعدت لأستقل  تاكسى آخر إلى محطة مصر حتى أعود إلى الإسكندرية وكان حظى هذه المرة مع سائق آخر من نوع آخر ، مصرى نموذجى أيضا ،  متعصب  يكره الحضارة  لكنى لم اسأله ولم يسألنى فى طريق العودة المزدحم الطويل وفجأة رن تليفونى كان صديق قديم عرفته خلال السنوات الطويلة التى عملت فيها فى دولة الإمارات. تطرق بنا الحديث إلى السياسة بعد أن استرجعنا الذكريات وكأن السائق كان يسترق السمع فبمجرد أن أنتهيت من المكالمة لاأعرف لماذا سألنى إذا كنت أستاذا فى الإقتصاد وعندما قلت له لا بدا وكأنه لايصدق ثم بادرنى بالسؤال عن رايى فى التعديلات الدستورية فأجبته بالرفض وشرحت له وجهة نظرى فى أنها تكرار للماضى وسوف تأتى بمن ينتمون للماضى مرة أخرى وهنا ثارت ثائرته وأخذ يصيح يعنى عاجبكم العطلة دى والفوضى وإنعدام الأمن إلى إحنا فيه يلا نوافق خلينا نخلص وأمور البلد تنتظم فقلت له لن تنتظم وإذا تسرعنا فسوف يحكمنا الإخوان أوبقايا النظام القديم فحدق فى غاضبا وصرخ قائلا وهو يلوح بيديه ناسيا قواعد القيادة ومالمانع فى أن يحكمنا الإخوان لن ينصلح حالنا إلا بحكم الإسلام حاولت تهدئئته وأنا اسأله وهل فى حكم الإسلام تحديد لسلطة الرئيس أو فترة رئاسته وإنظر مثلا إلى الدول الأوربية وما أن نطقت بهذه الكلمة حتى صرخ قائلا أنا أكره هذه الكلم نحن دولة إسلامية ولسنا دولة أوربية. قلت له نعم لكنهم أكثر تقدما منا ويجب أن نتعلم منهم. بدأ على وجهه الغيظ وبدا أن الود قد فُقد بيننا إلى الأبد. وأخذ طوال الطريق يتمتم عن الخراب الذى جلبته الثورة تارة وعن الحل الإسلامى تارة وعن الحوادث الأمنية المرعبة التى تشهدها مدينة القاهرة حاليا تارة  وعن أنه قد منع زوجته وكل أخواته البنات من النزول بعد السابعة تارة وعن وعن حتى وصلنا إلى ميدان رمسيس.

شكرته وأنا أنزل من التاكسى فرد ردا مقتضبا كان غاضبا من كل شئ. وخاصة ممن هم أمثالى ممن لايرون أن الإسلام هو الحل ولاأعرف ماذا كان سيفعل لو كنت صارحته برأيى فى الإسلام هو المشكلة وليس هوالحل. توجهت إلى محطة القطار المهدمة الكئيبة وإشتريت تذكرة بعد أن إهتديت إلى مكان شباك التذاكر بصعوبة وبصعوبة أكبر إهتديت إلى رصيف إثنين الذى إنطلق منه قطار التاسعة مساءا إلى الإسكندرية. وعدت إلى الإسكندرية مرهقا وقد بدا لى واضحا من قصة اليومين الماضيين كيف أن مصر قد إنقسمت تماما إلى فريقين مختلفين يحمل كل منهما نفس القوة ونفس الإيمان ونفس الحماس ، فريق يتطلع إلى المستقبل وفريق يتطلع إلى الماضى  فياترى أى طريق تختار مصر لنفسها طريق الماضى أم طريق المستقبل؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , . Bookmark the permalink.