المشاعر المعادية لإسرائيل في مصر لا علاقة لها بفلسطين

إيريك تراجر  

لم يكد يتوقف تطاير الوثائق الدبلوماسية من السفارة الإسرائيلية في مصر حتى أشار كاتب العمود في صحيفة “نيويورك تايمز” نيك كريستوف إلى الأسباب الأساسية للهجوم، كما رآها. فقد كتب من على موقع “تويتر” للتدوين المصغر، “إن الهجوم على السفارة الإسرائيلية لا يساعد سكان غزة، كما لا يعيد الموتى، وبدلاً من ذلك، يساعد المتشددين الإسرائيليين”. كان ذلك الرد المعتاد لمحلل جالس على أريكة يرى أن كافة الأحداث الحالية في الشرق الأوسط — لا سيما الأكثرها شناعة — ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

لكن الافتراض بأن المحتجين المصريين الذين هاجموا السفارة الإسرائيلية في القاهرة الجمعة الماضية، وهدموا الجدار الواقي ونهبوا محتويات السفارة كانت لديهم دوافع غير محلية مؤيدة للفلسطينيين، يتجاهل تماماً الحقيقة المحزنة وهي أن الأغلبية الساحقة من المصريين يكرهون إسرائيل لأسباب تتعلق كلياً بمصر: فرغم 32 عاماً من السلام في إطار “اتفاقات كامب ديفيد”، لا تزال الكرامة الوطنية المصرية مرتبطة بحروب البلاد السابقة مع الدولة اليهودية. ومن ثم فمن الممكن التنبؤ بأن ذلك الدفق في الوطنية المصرية التي أسقطت حسني مبارك هذا الربيع كان مصحوباً بارتفاع قوي مماثل في المشاعر المعادية لإسرائيل.

إن تمجيد بسالة الحرب مع إسرائيل هو شيء يعايشه ملايين المصريين يومياً أثناء قيادتهم سياراتهم فوق “كوبري السادس من أكتوبر”، وهو أحد الطرق السريعة الأكثر ازدحاماً في القاهرة الذي سُمي بهذا الإسم لإحياء تاريخ هجوم مصر على إسرائيل عندما شنت الأولى حرب عام 1973. وفي غضون ذلك، ترك نحو 500,000 مصري ازدحام القاهرة متوجهين إلى “مدينة السادس من أكتوبر” الواقعة إلى الجنوب الغربي من المدينة، والتي هي مقر “جامعة السادس من أكتوبر”. كما يعيش حالياً نحو 140,000 مصري آخر في “مدينة العاشر من رمضان”، التي سُميت بالتاريخ المقابل في التقويم الإسلامي والتي تقع فيها “جامعة العاشر من رمضان”. ومن ناحيتهم، يزور تلاميذ المدارس في القاهرة “بانوراما حرب أكتوبر”، حيث يتعلمون بأن القوات المصرية هزمت “العدو” في حرب عام 1973، دون أي ذكر للدبابات الإسرائيلية التي كانت متجهة نحو القاهرة عندما انتهت الحرب. وفيما تمضي الذكرى السنوية لـ “اتفاقات كامب ديفيد” دون أي ذكر، يحيي المصريون كل من “ذكرى 25 أبريل”، عندما أكملت إسرائيل انسحابها من شبه جزيرة سيناء عام 1982، و”ذكرى 6 أكتوبر” كأعياد وطنية.

وفي ظل تلك الخلفية، كان هجوم يوم الجمعة على السفارة الإسرائيلية حتمياً من الناحية العملية: فالنجاح المبكر لثورة كانون الثاني/يناير في مصر وإرغام حسني مبارك على التنحي أطلق موجة غير مسبوقة من الوطنية المغروسة بالناصرية، مما ألهم [الناشطين] على إصدار دعوات عبر الطيف السياسي المصري لإعادة النظر في “اتفاقات كامب ديفيد”. لقد ثار غضب المصريين بشكل خاص من بنود “كامب ديفيد” التي تُحد من عدد القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء، ويعتبرون أن تعديل هذه البنود هو الخطوة التالية نحو استعادة الكرامة الوطنية بعد الإطاحة بالدكتاتور. لكن انتقام إسرائيل على الهجوم الإرهابي عبر الحدود في 18 آب/أغسطس، الذي قُتلت خلاله خطأً ستة جنود مصريين أثناء مطاردتها للإرهابيين الفلسطينيين الذين تسللوا إلى إسرائيل عبر سيناء وقتلوا ثمانية إسرائيليين، كان بمثابة الشرارة التي أشعلت برميل بارود مصر. ففي أعقاب ذلك مباشرة، احتج ائتلاف من الليبراليين واليساريين والإسلاميين أمام السفارة الإسرائيلية، مطالبين مصر بطرد السفير الإسرائيلي ومنع القوات البحرية الإسرائيلية من عبور قناة السويس وزيادة التواجد العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء — وهي إجراءات من شأنها أن تشكل انتهاكات خطيرة لمعاهدة السلام بين البلدين.

وعندما تجاهل “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” الحاكم في مصر هذه المطالب، رأى المحتجون أن ذلك أمراً غير وطنياً إلى حد بعيد. وقالت لي إحدى المحتجات البارزات التي طلبت عدم الإفصاح عن اسمها خوفاً من الانتقام “إنني غاضبة على ‘المجلس الأعلى للقوات المسلحة’، فقد مات جنود، ولم يفعلوا أي شيء حيال ذلك”. وبالنسبة لأولئك الذين يتظاهرون خارج السفارة الإسرائيلية، فإن رد مصر على قتل جنودها جاء ضعيفاً مقارنة برد تركيا، التي طردت السفير الإسرائيلي كانتقام لحادث أسطول غزة في عام 2010. وأضافت المحتجة، “إن ما قامت به تركيا بسبب أسطول غزة أظهر لمصر أن الحكومة يمكنها بالفعل القيام بشيء ما [حول إسرائيل]”

ومن ثمّ بدأ الناشطون المصريون البحث عن نماذج وطنية بديلة ضد إسرائيل. وقد استقروا على أحمد الشحات البالغ من 23 عاماً، الذي أصبح — في 21 آب/أغسطس — بطلاً وطنياً عندما تسلق الجدران الخارجية للمبنى السكني الذي تقع فيه السفارة الإسرائيلية وأزال العلم الإسرائيلي من الطابق الثالث عشر. وقد منحه المصريون في تغريديتهم من على موقع “تويتر” لقب “رجل العلَم”. أما الحكومة المصرية، فربما إحساساً منها بالإحباط العام المتزايد، فقد حذت حذوهم بمكافأتها الشحات — على عمله الفذ المعادي لإسرائيل — بوظيفة حكومية ومنحه شقة جديدة ودعوته لاجتماع مع رئيس الوزراء. ويقول الزعيم الليبرالي في “حزب الغد” شادي طه، “ذهب أناس آخرون إلى السفارة الإسرائيلية محاولين فعل الشيء نفسه، معتقدين أن القيام بذلك هو عملاً بطولياً، لأن الحكومة الانتقالية قد كافأت مثل هذا العمل”.

ومع ذلك، فبعد أن ساعد بعض المحتجين رجلاً على الهروب بعد إطلاقه الرصاص على السفارة في 26 آب/أغسطس، عكست الحكومة المصرية مسارها وشيدت حاجزاً خرسانياً حول المبنى. لكن الحاجز الجديد، الذي شابه إلى حد ما البناء الفاصل الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية، أصبح هدفاً فورياً للناشطين، الذين دعوا أتباعهم إلى تفكيكه خلال احتجاجات يوم الجمعة. وقد أخبرني الزعيم في “ائتلاف شباب الثورة” شادي الغزالي حرب، “بدلاً من التعامل مع مطالبنا السياسية، قام ‘المجلس الأعلى للقوات المسلحة’ بتشييد جدار. لذا لم يعد بإمكان الناس تقبل هذا الأمر، فقاموا بهدم الجدار وأنا أتفهم ذلك. إلا أن اقتحام السفارة يثير مئات من علامات الاستفهام”.

ومثل غيره من الناشطين، يرى حرب أن الجيش المصري سمح بالهجوم على السفارة الإسرائيلية لكي يتمكن من تبرير قمع الاحتجاجات، ويضيف بقوله، “لقد كانوا يعلمون أن البيتزا في طريقها، وتركوا الباب مفتوحاً على مصراعيه”. والواقع أن الجنود لم يتدخلوا على الفور لوقف الهجوم على السفارة. وبعد ذلك بوقت قصير استخدم “المجلس الأعلى” الهجوم كذريعة لاتخاذ العديد من التحركات الاستبدادية، بما في ذلك توسيع قوانين الطوارئ الوحشية في مصر، ومراجعة تراخيص القنوات الفضائية، ومداهمة مكاتب “الجزيرة مباشر”، التي غالباً ما تبث الاحتجاجات المصرية. ويخشى حرب بأنه نظراً للقلق الداخلي الذي حفزه الهجوم على السفارة، فسوف يحتشد الجمهور وراء الإجراءات الجديدة التي اتخذها “المجلس الأعلى”. ويقول، “سوف يتقبل الناس هذه الإجراءات. ولديهم الحق في ذلك، لأنهم ليسوا راضين عن الفوضى التي يعانون منها، وعلى الرغم من أن هذه فوضى متعمدة إلا ان ‘المجلس الأعلى للقوات المسلحة’ لا يريد وقفها”.

وقد سألتُ حرب، إن كانت الهجمات على السفارة الإسرائيلية ضارة للغاية بقضيتكم، أليس هناك شيء يمكنكم القيام به لوقفها أو الثني عنها؟ فرد قائلاً “لا شيء. كيف يمكننا منع البلطجية من مهاجمة السفارة؟” وفي الواقع، إن الكراهية المناهضة لإسرائيل المتأصلة في الفكر المصري القومي قد تنذر بانهيار الثورة المصرية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة and tagged , , , . Bookmark the permalink.