فؤاد زكريا والعلاقة بين العلمانية ونقد الأصولية الدينية

طلعت رضوان

رحل عن عالمنا المفكرالكبيرد. فؤاد زكريا (ديسمبر1927- 11مارس 2010) والراحل الجليل شغل عدة مناصب ، كأستاذ للفلسفة بمصروالكويت ، وعمل مستشارًا لشئون الثقافة والعلوم باليونسكو، ورأس تحريرمجلتىْ الفكرالمعاصروتراث الإنسانية المصريتين وعمل لعدة سنوات مستشارًا لهيئة تحريرسلسلة كتاب عالم المعرفة الكويتى. وبخلاف مؤلفاته العديدة ترجم (العقل والثورة) لماركيوز، (الفن والمجتمع عبرالتاريخ) لهاوزر، (حكمة الغرب) لرسل فى مجلدين ، كما كانت له مؤلفات فى الموسيقى مثل (التعبيرالموسيقى) ، ((فاجنر) ، (مع الموسيقى : ذكريات ودراسات) .
كتب د. فؤاد زكريا أنّ العالمانية من الممكن أن تُكتب بدون ألف نسبة إلى العلم بمراعاة ((زاوية المضمون وليس من زاوية الالتباس اللغوى)) ثم أكدّ على أنّ الربط بين المصطلح ومعنى (العالم) أدق لأنّ الترجمة الصحيحة للكلمة هى (الزمانية) لأنها ((ترتبط فى اللغات الأجنبية ، بالأمورالزمانية ، أى بما يحدث فى هذا العالم وعلى هذه الأرض ، مقابل الروحانية التى تتعلق أساسًا بالعالم الآخر)) ( العلمانية ضرورة فكرية- مجلة قضايا فكرية- أكتوبر1985).
لعلّ هذا التعريف الذى كتبه د. فؤاد زكريا للعالمانية ، أنْ يكون مدخلا للتعرف على مشروعه الفكرى ، من خلال قراءة كتبه التى ربط فيها بين سبب تقدم بعض الشعوب ، وتخلف البعض الآخر. الأولى تأخذ بالمنهج العلمى وتتأسس على (عالمانية) مؤسسات الدولة والفصل بين المؤسسات الدينية وباقى مؤسسات الدولة . والثانية تعتمد المرجعية الدينية أساسًا لكل ما يتعلق بشئون الحياة ، فكانت النتيجة تحررالشعوب الأولى من كل معوّقات النهضة والتنمية والفوز بكل الحريات الفردية والاجتماعية والسياسية ، وعلى العكس ظلت الشعوب الثانية مقيّدة بسلاسل التخلف لأنها لم تتحررمن قيود الماضى ، حيث ترى ضرورة تطبيق ميراثه على الحاضر .
فى معظم إنتاجه الفكرى نجد هذا الربط بين سرالتقدم وسبب التخلف ، ولعلّ نظرة سريعة إلى عناوين دراساته أنْ توضح ذلك : (سبينوزا ونظرية المعرفة) ، (الإنسان والحضارة) ، (مشكلات الفكروالثقافة) ، (خطاب إلى العقل العربى) أو حتى وهو يؤرخ لحياة وفلسفة الفيلسوف هربرت ماركيوز، فكتب فى بداية كتابه عنه أنّ موقف ماركيوزمن الفلسفة يسيرفى إتجاهين متكاملين : ((أولهما الإتجاه إلى كشف الأساس العينى- المستمد من تجربة المجتمع الفعلية- للمعانى والأفكار الرئيسية التى تحكمت فى مسارالفكرالفلسفى . وثانيهما هوالإتجاه المقابل الذى لايكتفى ، فى تحليله لأية حركة اجتماعية ، بالوصف المباشر، بل يمضى فى التحليل حتى يكتشف لها أسسًا فلسفية عميقة)) ولأنّ ماركيوزتأثرببعض أفكارماركس الفلسفية لذلك أضاف د. فؤاد زكريا ((ولا جدال فى أنّ التشابه واضح بين نظرة ماركيوزالديناميكية العملية إلى الفلسفة ، وبين رأى ماركس القائل أنّ على الفلسفة ألاّ تكتفى بفهم العالم ، بل ينبغى أنْ تعمل على تغييره)) (هربرت ماركيوز – دارالفكرالمعاصر1978 من ص 13- 16) .
ويذهب ظنى إلى أنّ من يريد التعرف على المشروع الفكرى للمفكرالكبيرد. فؤاد زكريا ، عليه أنْ يقرأ كتابه (التفكيرالعلمى) الصادرعن سلسلة عالم المعرفة الكويتية ، ونظرًا لأهمية هذا الكتاب ، فقد نفدت طبعته الأولى والثانية ثم صدرت الطبعة الثالثة عام 1988 . فى مستهل هذا الكتاب يُقدّم تعريفًا لأهم سمات التفكيرالعلمى ، منها التراكيمة ، ويضرب مثالا ب فيزياء نيوتن التى دام الاعتقاد بصحتها وأنها تُعبرعن حقيقة مطلقة ما يقرب من قرنين . حتى جاءت فيزياء أينشتين فابتلعت فيزياء نيوتن وتجاوزتها وأثبتت أنّ ما كان يُعد حقيقة مطلقة ليس فى الواقع إلاّ حقيقة نسبية . ينطلق د. زكريا من هذا المثال لمناقشة العقلية العربية التى تتهم العقل الإنسانى – وبالتالى العلم- بالقصورفكتب ((هذه السمة التراكمية التى يتسم بها العلم هى التى تقدّم إلينا مفتاحًا للرد على انتقاد يشيع توجيهه فى بلادنا الشرقية على وجه الخصوص إلى العلم ، وهوالانتقاد الذى يستغل تطورالعلم لكى يتهم المعرفة العلمية والعقل لعلمى بالنقصان . فمن الشائع أنْ يحمل أصحاب العقلية الرجعية على العلم لأنه متغيرولأنّ حقائقه محدودة ولأنه يعجزعن تفسيرظواهر كثيرة . وهم بذلك يفتحون الباب أمام أنواع أخرى من التفسيرالخارجة عن نطاق العلم أوالمعادية له . وواقع الأمرأنّ هذا ليس إتهامًا للعلم على الاطلاق . فإذا قلت أنّ العلم متغير، كنت بذلك تُعبر بالفعل عن سمة أساسية من سماته . واذا اعتبرت هذا التغيرعلامة نقص فإنك تخطىء ، إذْ تفترض أنّ العلم الكامل لابد أنْ يكون ثابتًا ، مع أنّ ثبات العلم فى أية لحظة واعتقاده أنه وصل إلى حد الاكتمال ، لايعنى إلاّنهايته وموته . ومن ثم فإنّ الثبات فى هذا المجال هوالذى ينبغى أنْ يُعد علامة نقص)) (من ص 17- 22) وفى فصل آخريناقش هذه القضية من منظورجديد ، فكتب عن أعداء التفكيرالعلمى الذين يبدأون من مقدمة صحيحة ، ثم يستنتجون منها نتيجة باطلة . أما المقدمة الصحيحة فهى أنّ العقل مازال عاجزًا عن كشف كثيرمن أسرارالكون . وأنّ هناك مشكلات كثيرة يعجزالعقل عن حلها . وأما النتيجة الباطلة فهى أنّ العقل بطبيعته عاجزوأنه سيظل إلى الأبد قوة محدودة قاصرة ومن ثم فلابد من الاعتماد على قوة أخرى غيره . وهذا أسلوب مخادع لأنّ أصحاب هذه الحجة الباطلة ينكرون تمامًا دورالتاريخ . فلو قارنّا حالة المعرفة البشرية منذ 500 سنة مثلا بما هى عليه الآن ، لاتضح لنا أنّ العقل حقق انجازات رائعة . ولو قارنّا نمط الحياة البشرية منذ 100 سنة فقط لتبيّن لنا أنّ العقل (الإنسانى) غيّروجه حياتنا تغييرًا تامًا (ص97) وفى فصل آخركتب عن تطورالعقل الإنسانى فى مجالات التطبيق العملى للنظريات العلمية ، فكتب ((أجرى بعض العلماء مقارنة بين الفترات الزمنية التى كان يستغرقها الوصول من الكشف العلمى النظرى إلى التطبيق فى ميدان الانتاج ، منذ عصرالثورة الصناعية حتى اليوم ، فتبين لهم ما يلى : احتاج الإنسان إلى 112 سنة (أى من 1727- 1839) لتطبيق المبدأ النظرى الذى يُبنى عليه التصويرالفوتوغرافى . وإلى 56 سنة (من 1820- 1876) لكى يتوصل من النظريات العلمية الخالصة إلى اختراع التليفون ، وإلى 35 سنة (من 1867- 1902) لظهورالاتصال اللاسلكى وإلى 15 سنة (من 1925- 1940) للرادار، وإلى 12 سنة (من 1922 – 1934) للتليفزيون ، 6 سنوات (من 1939- 1945) للقنبلة الذرية ، وخمس سنوات (1948 – 1953) للترانزستوروثلاث سنوات (1959- 1961) (الصحيح سنتين) لإنتاج الدوائرالمتكاملة)) (ص 184 ، 185) ورغم أنّ الدراسة المقارنة عن التطورالمتسارع فى إنتاج تكنولوجيا قائمة على علوم نظرية توقفتْ عند عام 1961 ، فإنّ د. زكريا يضرب مثالا بإنجازعلمى يرد به على أصحاب المرجعية الدينية الذين يُردّدون مقولة عجزالعقل الإنسانى ، ألا وهواختراع العقول الالكترونية بفضل العالم نوبرت فينرالذى كانت أبحاثه هى الأساس الأول فى هذا المجال عندما أسس لعلم جديد هو(السيبرنطيقا) هذه العقول الالكترونية تقوم بعمليات حسابية وذهنية يعجزالعقل البشرى عن الاتيان بمثلها ، كما هوالحال فى الحسابات المتعلقة بتوجيه سفينة فضائية إلى كوكب بعيد ، يكون فى استطاعة العقل الالكترونى أنْ يحسب بسهولة إتجاه المسارالصحيح من خلال عمل حساب مجموعة من العوامل شديدة التعقيد ، مثل سرعة السفينة وسرعة دوران الأرض والجاذبية وحركة الكوكب وجاذبيته إلى آخرتلك العوامل التى يستحيل على العقل البشرى أنْ يجمعها فى عملية حسابية واحدة)) وإذن فإنّ العقل البشرى ((اخترع العقل الالكترونى نتيجة لبلوغه مستوى عاليًا من التقدم ، والعقل الالكترونى يعود فيساعد العقل البشرى على إحراز المزيد من التقدم ، وهذا التقدم الجديد يؤدى إلى تطويرالعقول الالكترونية بحيث تؤدى وظائف أوسع وأعقد . وهكذا تستمرالحركة الحلزونية فى صعودها ، فاتحة بذلك آفاقًا لم تكن البشرية تحلم بها فى وقت من الأوقات)) (من ص 204- 207) إنّ ما ذكره د. زكريا وهويؤلف كتابه فى سبعينات القرن العشرين ، تأكد بصورة أعمق فى بداية الألفية الثالثة ، إذْ تمكن فريق من العلماء اليابانيين من تصميم جهازكمبيوترغاية فى التعقيد هدفه محاكاة ما يحدث على الكرة الأرضية بالكامل من ظواهرطبيعية مختلفة فى وقت واحد كالأمطاروالرياح وإتجاهات السحب الخ ويستطيع هذا العقل الالكترونى إجراء 35 ترليون عملية حسابية فى الثانية (صحيفة الأهرام – 6/5/2003 صفحة لغة العصر) وفى هذا الاطاريرد د. زكريا على بعض الكتاب الذين يتباهون بالدورالذى قام به (العلم العربى) فى العصورالوسطى ، فكتب ((ويصل هذا الحرص إلى حد تأكيد ريادة كثيرمن العلماء العرب فى ميادين علمية غيرقليلة . وربما بالغ البعض فأكدوا أنّ أصول عدد من النظريات المعاصرة ، كنظرية النسبية مثلا، موجودة لدى العرب فى العصورالوسطى . وهوتأكيد واضح البطلان ، لأنّ ظهورنظرية كهذه يحتاج إلى تطورمعين فى العلم ، ولايمكن تفسيره إلاّفى ضوء ظروف عصر معين (فى حين) كان العصرالذى ظهرفيه العلم العربى مختلفًا عنه كل الاختلاف)) (ص 329 ،330) .
أسطورة المعجزة اليونانية
فى الوقت الذى يُردّد فيه البعض إدعاءات بعض الأوروبيين من أنّ اليونان هى أصل الحضارة الإنسانية وأنها مهد العلوم والفلسفة الخ فإنّ المفكرالكبيرد. فؤاد زكريا امتلك شجاعة الرد على هذا الإدعاء كما فعل بعض المثقفين المصريين الذين امتلكوا الشجاعة بجانب المنهج العلمى وفنّدوا هذا الإدعاء مثل الشاعرحسن طلب فى رسالته التى نال عنها درجة الدكتوراه وطبعها فى كتاب بعنوان (أصل الفلسفة : حول نشأة الفلسفة فى مصرالقديمة وتهافت نظرية المعجزة اليونانية) الصادرعن دارعين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية- ط 1 عام 2003) ومثل المترجم والمفكرالكبيرشوقى جلال الذى ترجم كتاب (التراث المسروق- تأليف جورج جيمس – الصادرعن المجلس الأعلى للثقافة ط1 عام 96 وط 2 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2008) كما أنه صاحب الفضل فى اقتراح ترجمة الكتاب الموسوعى (أثينة إفريقية سوداء) لمؤلفه مارتن برنال . ولم يكتف أ. شوقى جلال بذلك وإنما أصدركتابه المهم (الحضارة المصرية : صراع الأسطورة والتاريخ) الصادرعن دارالمعارف المصرية عام 96) عن خرافة المعجزة اليونانية يرى د. فؤاد زكريا إنها صورة لاتخلومن التحيزالحضارى مثل القول بأنّ بناء الأهرام لم يُكسب المصريين قاعدة علمية نظرية ، فكتب إنّ القول ((بأن هناك شعبًا لم يعرف طوال تاريخه إلاّ تطبيقات وخبرات عملية ، وشعبًا آخرتوصل لأول وهلة ومن تلقاء ذاته إلى الأسس النظرية للعلم ، فإنه زعم يتنافى مع التجارب الفعلية للبشرية فضلا عن تناقضه مع المنطق السليم)) كما أشارإلى الدراسات الأوروبية التى أكدت على أنّ الكلام عن (معجزة يونانية) ليس من العلم فى شىء . كما أنّ أفلاطون شهد بفضل الحضارة المصرية على العلم والفكراليونانى وأكد أنّ اليونانيين إنما هم أطفال بالقياس إلى الحضارة المصرية . بالاضافة إلى إقامة عدد كبيرمن الفلاسفة اليونانيين فى مصروتعلمهم أصول الفلسفة من الكهنة المصريين . كما أنه من الصعب أنْ يتصورالمرء أنّ أولئك العباقرة الذين بنوا الأهرام بتلك الدقة المذهلة فى الحساب ، بحيث لم يُخطئوا إلاّ بمقداربوصة واحدة فى محيط قاعدة الهرم الأكبرالبالغ 4/3 , 755 قدمًا والذين ابتدعوا فن الضرب والقسمة ، لايستحقون اسم (العلماء) ومن الظلم أنْ نأبى اسم (العلم) على تلك المعلومات الفلكية الرائعة التى توصل إليها هؤلاء (المصريون) القدماء . وعلى الكشوف الرياضية المهمة التى كانت ضرورية من أجل إجراء الحسابات الفلكية ، وغيرها من الأغراض . ومن قصرالنظرأنْ نتصورأنّ تلك المعلومات الكيمائية العظيمة التى أتاحت للمصريين القدماء أنْ يصبغوا أنسجة ملابسهم وحوائط مبانيهم بألوان مايزال بعضها زاهيًا حتى اليوم ، أوالتى مكنتهم من تحنيط جثث ظلت سليمة لمدة تقرب من أربعة آلاف عام ، لاتستحق اسم (العلم التجريبى) وقل مثل هذا عن مجالات كثيرة ، لابد أنّ هذه الحضارة (المصرية) قد جمعت فيها بين الخبرة العملية والمعلومات النظرية ، كالطب وصناعة العقاقيروالهيدروليكا (الرى والسدود والخزانات) الخ وإذن فلم تكن نشأة العلم يونانية خالصة . لم يبدأ اليونانيون فى استكشاف ميادين العلم من فراغ كامل ، بل إنّ الأرض كانت ممهدة لهم فى بلاد الشرق التى كانت تجمعهم بها صلات تجارية وحربية وثقافية)) ( من ص 125- 134) .
الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل
يرى د. فؤاد زكريا أنّ المفكرإنْ لم يكن عقله ووجدانه مع نبض واقعه ومتابعة المتغيرات فى مجتمعه ، لاتساوى كتاباته شيئًا ، لأنها لاتدخل فى جدل مع هذه المتغيرات ، ولا تثيرالعقل والخيال لمقاومة الأفكارالتى يريد أصحابها أنْ تستديرعقارب الزمن إلى الخلف ، فيفرضون على شعوبهم التخلف . وعندما شاعت فى السبعينات من القرن العشرين مقولة (الصحوة الإسلامية) التى تبنّتها الجماعات الإسلامية فى مصر، كان المفكرالكبيرد. فؤاد زكريا من بين أصحاب الضمائرالحية والعقول الحرة (وعددهم قليل) الذين تصدوا لهذه الظاهرة . ولكنه لم يكتف بكتابة دراسة صغيرة تصلح كمقال ، وإنما أفرد لها كتابًا بعنوان (الصحوة الإسلامية فى ميزان العقل- دارالفكرالمعاصر- ط 2 عام 1987) فى بداية الكتاب يرصد الحقيقة التى يتعمد كثيرون تجاهلها وهى أنّ أمريكا هى من أكثرالمهتمين بظاهرة (الصحوة الإسلامية) والسبب ((لأنّ أمريكا هى راعية الاستراتيجية الغربية بأكملها . والحارس الذى يسهرعلى أمن وسلامة النظام الرأسمالى فى العالم . وهكذا بدأت موجة عارمة من الإهتمام بالإسلام ، تبدوأكاديمية فى ظاهرها ، ولكن كل دراساتها موجهة إلى معرفة ما يدورفى عقول سكان هذه المنطقة حتى لاتحدث مفاجأة فى المستقبل . وكل من يعرف شيئًا عن الجوالعلمى الحالى فى الجامعات ومعاهد الأبحاث الأمريكية ، يعلم جيدًا أنّ الأبحاث المتعلقة بالإسلام ، حتى فى أدق تفاصيله وأكثرجوانبه خفاءً ، لها فرصة هائلة فى الحصول على التمويل السخى وعلى كل ما يلزم القائمين من تيسيرات . وقد أثمرذلك بالفعل مشاريع بحث تفصيلية عديدة . يشارك فى الكثيرمنها- للأسف- باحثون عرب أو عرب أمريكيون ، مع أنهم يعلمون حق العلم أنّ أبحاثهم سوف تصب نتائجها قطعًا بعد تحليلها وتنظيمها ، فى ملفات الشرق الأوسط على مكاتب صناع القرارالسياسى من الأمريكيين . كما أنّ (الصحوة الإسلامية) تُقدّم أيديولوجية بديلة عن الشيوعية أوالاشتراكية التى كانت تتبناها معظم الحركات المضادة للامبريالية الغربية)) (ص 13) .
ويرى المفكرالكبيرأنّ تعدد فرق الجماعات الإسلامية إنما ((يُعبرعن رغبة فى البحث عن مخرج ، لمن لامخرج لهم . إنّ الطرق جميعها مسدودة أمام المجتمعات الإسلامية ، والقهرهو الوسيلة الوحيدة لضمان بقاء الأنظمة القائمة . وأهم ما يترتب على القهرهو تلطيخ سمعة البدائل الأخرى : كالليبرالية وحكم الأحزاب واليساروالإتجاه الديموقراطى بكافة أشكاله . فهذه البدائل تتعرض للنقد والتجريح ليل نهار، دون أنْ تكون قادرة على الرد أو على الدفاع عن نفسها . وفى ظل فقدان العدالة الاجتماعية وضياع الرشد الاقتصادى وضلال التوجه السياسى الخ ما الذى يتبقى أمام الإنسان- خاصة اذا كان شابًا- إلاّ أنْ يُعلن كفره بكافة الأنظمة الدنيوية والبشرية من خلال تأكيد إيمانه بالنظام الإلهى ؟ .. وهكذا يقترن الانتشارالكمى الهائل بخواء وهزال فى المضمون . وتصبح اليقظة التى لاتقاس إلاّ بالعدد والمقدارغفوة فكرية وتغدوالصحوة كبوة عقلية. ويظل أعداؤنا (الأمريكان) – رغم هذا كله- يهتفون : أحذروا الصحوة الإسلامية . ولكن لسان حالهم يقول : مرحبًا بها مادامت لاتُهدد شيئًا من مصالحنا ولامن مصالح حلفائنا الممسكين بدفة الأمورفى العالم الإسلامى)) (ص 35) ولأنّ د. زكريا يعى خصائص شعبه المصرى ومفردات وجدانه المكتسبة عن ثقافته القومية ، فإنه يرى أنّ شعارات الجماعات الإسلامية لم تخدع الأميين المصريين لأنّ ((أمثلتنا ونكتنا (جمع نكتة وهى صحيحة لغويًا) الشعبية حافلة بالسخرية من أولئك الذين يؤدون فروض الصلاة والصوم والحج ولكنهم يغتالون أموال الناس أويغشونهم . ومعنى ذلك أنّ القيمة الحقيقية للشعائرإنما تكمن فى تلك القوة المعنوية التى تُمكن الإنسان من مواجهة الظلم والطغيان . والسعى إلى أداء عمل نافع للمجتمع . أما التركيزعلى شكلية الشعائردون اكتراث بما تؤدى إليه من مضمون ، فهوفى حقيقته تسترعلى المظالم ومساندة للاستبداد)) (ص 21) .
فى نقده للجماعات الإسلامية التى ترى الجمع بين الدين والدنيا ومن ثم بين العقيدة والسياسة ، على مبدأ صلاحية النص الدينى لكل زمان ومكان ، كتب د. زكريا أنّ هذا المبدأ يولد تناقضًا أساسيًا عند تطبيقه ، لأنّ (الدنيا) بطبيعتها متغيرة وأحوال المجتمع والإنسان والسياسة لاتكف عن التطور. وهذه فى نظرأى إنسان لديه الحد الأدنى من الثقافة العصرية بديهية لاتناقش . فكيف يمكن التوفيق بين مبدأ سريان النص على كل زمان ومكان ومبدأ (الإسلام دين ودنيا) اذا كانت (الدنيا) لاتكف عن التغير؟ والتغيرمعناه أنّ ما يصلح لها فى زمان معين ومكان معين ، قد لا يصلح فى زمان ومكان آخرين ؟ واذا كان النص إلهيًا مقدسًا فإنّ من يُطبقه ويُفسّره إنسان يتصف بكل جوانب الضعف البشرية . وأخطرما فى الأمرأنّ الإنسان الذى يتصدى لهذا التفسيروالتطبيق ، سواء أكان رجل دين يشغل منصبًا كبيرًا ، أم كان حاكمًا تستند سلطته إلى أساس دينى ، يضفى على نفسه قدرًا (يزيد أوينقص) من تلك القداسة التى تتسم بها النصوص الدينية . ويُقدّم أوامره أو فتاويه بوصفها تعبيرًا عن رأى الدين ذاته ، لاعن فهمه للدين ، ويصف معارضيه بأنهم أعداء الدين ، وليس لأنهم أعداء طريقته الخاصة فى تفسيرالدين)) ونظرًا لأنّ الأصوليين يُعطون لأنفسهم قداسة تساوى قداسة النص الدينى ، فإنهم يُغلقون عقولهم ويرفضون الحقيقة التى تنص على أنّ ((الحكم تجربة بشرية ، قد تصيب وقد تخطىء . وحين نعترف منذ البداية بهذا المبدأ ، يصبح إمكان تصحيح هذه التجربة قائمًا على الدوام . ولكن الحكم الذى يرتكزعلى السلطة الدينية- والذى هوعلى الدوام حكم بشرى- يعطى نفسه سلطة تفوق سلطة البشر- لايصحح خطأه بسهولة وربما أضفى على نفسه نوعًا من العصمة تمنعه من الاعتراف بأى خطأ (وبالتالى) فإنّ أعظم مزايا الديموقراطية- بوصفها تجربة بشرية فى الحكم- تكمن فى نفس تلك الصفة التى يعيبها عليها خصومها من أنصارالحكم المرتكزعلى سلطة الدين . فالبشر حقًا كائنات تتسم بالضعف ، غيرأنّ الديموقراطية هى التى تتيح للبشرفرصة التعلم من أخطائهم وتصويبها بالتدريج . واذا كان جوهرالإيمان الطاعة . واذا كان الحاكم بشرًا كسائرالناس ، فإنّ أعظم صفة يستطيع أنْ يبثها فى المحكومين هى أنْ يناقشوه ويعارضوه . أما صفة (الطاعة) فهى أسوأ علاقة يمكن أنْ تربط محكومًا بحاكم . وكل الكوارث التى لحقت بالعالم الإسلامى عامة والعالم العربى خاصة ، على يد الحكومات العسكرية أو (ثورات الضباط) إنما ترجع إلى أنّ العسكريين يقيمون فى ميدان السياسة علاقات مع المحكومين توازى علاقات الضابط بالجندى . وأخشى أنْ أقول أنّ الدعوة إلى الحكومة الدينية هو الوجه الآخرلهذا النمط من الحكم . فكلا النوعين حكم سلطوى ، لايرتكزعلى العقل والإقناع والنقد . وكل ما فى الأمرأنّ الحكم العسكرى يرتكزعلى سلطة القوة والبندقية ، والحكم الدينى يرتكزعلى سلطة الإيمان والمنبر. واذا كانت أقطارعربية خضعت كثيرًا لحكم النسر، فإنّ حكم النسرهذا هو خيرتمهيد لحكم العمامة لأنه عوّد الناس طويلا على الطاعة وأفقدهم ملكات النقد والاعتراض (من ص 30- 33 ، 167) .
أوروبا وكيف انتصرالنورعلى الظلام
الحقيقة التى يتعمد كثيرون تجاهلها ، تتلخص فى سؤال واحد : اذا كانت الشعوب الأوروبية عاشت أسوأ فترات حياتها لعدة قرون بسبب سيطرة المؤسسات الدينية على كل ما يخص شئون البشر، فكيف انتهت هذه الفترة مكللة بانتصارالنوروفلسفة التنويرعلى الظلم والظلام ؟ يخصص د. زكريا فصلا مهما لمناقشة هذا السؤال ، ويرى- مثل غيره من المفكرين العلمانيين- أنّ أوروبا لم تستطع أن تُحقق نهضتها الفكرية والعلمية والفنية الرائعة فى العصرالحديث إلاّ بعد صراع مريرمع الكنيسة . وكان كل كشف جديد وكل تقدم للروح البشرية فى أى ميدان من ميادينها الواسعة ، يتحقق بعد مقاومة عنيفة من الأوساط الدينية وبعد محاولات تبذلها هذه الأوساط للحفاظ على التخلف السائد . وفى هذا الصراع سقط شهداء كثيرون أشهرهم جوردانو برونوالذى أحرق حيًا فى مطلع القرن السابع عشرلأنه كان يؤمن بدوران الأرض حول الشمس ويدعوإلى ذلك علنًا . وظلت مقاومة الكنيسة للفكرالتنويرى حتى القرن التاسع عشر. ولكن الأمرالمؤكد هوأنّ الكنيسة بدأت تنتقل إلى موقف الدفاع منذ عصرالتنوير، أى فى القرن الثامن عشر، على حين أنها كانت فى القرنين السابقين تهاجم بشدة وبلا رحمة دفاعًا عن مصالحها التى كان معظمها دنيويًا خالصًا ، وإن كانت المبررات التى كانت تقدمها على السطح الظاهرى ذات طابع روحى . وفى هذا الفصل امتلك د. زكريا شجاعة الاختلاف مع الكتاب المصريين والعرب الذين يزعمون أنهم مع العقل والتنوير، ومع ذلك يتعمدون الإشادة ب مارتن لوثروإصلاحاته الدينية ، ولكنهم يصمتون تمامًا عن جرائمة ضد ثورة الفلاحين عام 1626 بزعامة (توماس مونتسر) للمطالبة بأدنى الحقوق الإنسانية للفلاحين فى عصربلغ الاقطاع فيه أقصى درجات استبداده . هذا (المصلح الدينى) مارتن لوثروقف إلى جانب المصالح القائمة التى تحرص الكنيسة على بقائها لاستنزاف عرق الفلاحين . ودعا الأمراء إلى سحق الفلاحين بلا رحمة . وكان هذا ما حدث بالفعل فى مذبحة من أشهرالمذابح فى التاريخ الأوروبى الحديث (ص 203 ، 204) ولمزيد من التفاصيل عن جرائم مارتن لوثروجون كالفن بإعتبارهما أهم قطبين فى مذهب البروتستانتية (أنظركتاب د. إمام عبدالفتاح إمام المعنون الطاغية- دراسة فلسفية لصورمن الاستبداد السياسى- سلسلة عالم المعرفة الكويتية- رقم 183 مارس 1994- من ص 169- 178) وعن استغلال الدين وتوظيفه لصالح السياسة رصد د. زكريا بعض وقائع التاريخ ، مثل أنه باسم الدين تعاون رجال الدين فى إيران مع أمريكا لاسقاط تجربة د. مصدق . وباسم الدين انقلب رجال الدين على نظام سوكارنوالذى كان مخلصًا فى إيمانه وأرتكبت فى أندونيسيا مذبحة من أفظع مذابح التاريخ قتل فيها كل من كان له إتجاه تحررى وطنى على أساس أنه شيوعى . وباسم الدين حورب نظام سلفادوراللندى الوطنى وحلت محله دكتاتورية بلغ جبروتها وإرهابها حدًا جعل أولئك الذين أقاموها يخجلون من انتسابهم إليها ويتبرأون منها ظاهريًا حتى لايفتضحوا أمام العالم المتحضر. وباسم الدين قُتل مجيب الرحمن وأفراد أسرته بطريقة فيها من الخسة والجبن ما يثيرالاشمئزازدون تمييزبين رجال ونساء وأطفال (ص 208) لذلك ركزد. فؤاد زكريا على حقيقة ((ألوهية التشريع وبشرية القائمين بفهمه وتطبيقه)) واذا كانت الشريعة الإسلامية مطبقة فى السعودية وإيران الخ فمن أين أتى الاختلاف بين هذه النماذج إنْ لم يكن من البشر؟ وهكذا فإنّ النصوص لايمكن أنْ تحكم مجتمعاتنا بنفسها ، وإنما هى تحكم من خلال بشر، فيهم كل العيوب والتقلبات التى ينسبها الفكرالدينى إلى ما هو (علمانى) وإذن فالعلمانية لامفرمنها ، سواء أردنا أم لم نرد حتى فى صميم الحكم المرتكزعلى المصدرالدينى (من ص 174- 176) .
هيكل المقدس فى الثقافة السائدة
رفض د. فؤاد زكريا أنْ يكون نسخة كربونية من الثقافة السائدة التى تسبح بحمد الناصرية التى أجهضت المشروع الليبرالى الذى تبنّاه المثقفون المصريون قبل يوليو 52 ، وكما انتقد د. مصطفى محمود الذى هاجم العلم والعلماء وسفه العقل البشرى لصالح الغيبيات ، انتقد – كذلك – أ. محمد حسنين هيكل فى كتابه المهم (كم عمرالغضب : هيكل وأزمة العقل العربى) أورد فيه بالتحليل الدقيق ، حجم التضليل والتناقضات التى وقع فيها هيكل . والعلاقة بين هيكل والإدارة الأمريكية ، ومن واقع كتابات هيكل نفسه ، وبهذا أسهم فى إثراء الواقع الثقافى ، بنقد الرموز المقدسة التى رسّختْ لفاشستية الفكرالواحد ، وإقصاء كل مختلف ، وتكفيرمنهج التسامح الفلسفى.
جائزة المبدع : إنتصارالعقل
لم أندهش لأنّ د. فؤاد زكريا لم يحصل على جائزة مبارك ، وحصل عليها من هم أقل منه بكثيرفى مجال العلوم الإنسانية . ولا أعرف اذا كانت جهة ما رشحته ورُفض ترشيحه ، أم لا. وفى كل الأحوال النتيجة واحدة ، تجاهل اسم هذا المفكرالكبير، مثلما تم تجاهل اسم شهيد الفكرالمرحوم فرج فودة ، واسم كل من تعرّض لمحاولات الاغتيال ومصادرة كتبهم أمثال المرحوم المفكرالكبيرخليل عبدالكريم والمستشارمحمد سعيد العشماوى . وهكذا كان مصيرالمفكرالكبيرد. فؤاد زكريا الذى وهب قلمه لترسيخ قواعد دولة الحداثة العصرية ، وامتلك شجاعة نقد الأصولية الإسلامية التى تحتفظ لنفسها بحق الاستمتاع بمنجزات التكنولوجيا التى أنتجها الأوروبيون (الكفار) وفى نفس الوقت (تجاهد) لفرض قيم التخلف على المجتمع العصرى . كما امتلك شجاعة إعلاء شأن العقل والعلوم ودورالفلسفة فى ترسيخ عصرالتنوير. وشجاعة الإقراربأنه لامفرمن العلمانية . والأهم من ذلك أنه رفض أنْ يكون مختومًا بختم الثقافة السائدة ورفض أنْ يقف فى طابورها ، حتى لو كان الثمن عدم الاعتراف به كمفكركبيرلايستحق الحصول على جائزة مبارك ، لأنه يُدرك أنّ المبدع يرفعه إبداعه ولا تصنعه الجوائز

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.