مصر ليبرالية ليبرالية ليبرالية

عبدالجواد سيد عبدالجواد

حضرت منذ أيام قليلة إجتماع دعى إليه بعض الشباب الليبرالى فى مدينتى مدينة الإسكندرية لدراسة مايمكن عمله فى المرحلة القادمة من توعية الناس بمعنى الديموقراطية والدولة المدنية وضرورة رفع المادة الثانية من الدستور المصرى وكل ماتتطلبه المرحلة القادمة من عمل وجد نحو تأسيس الدولة المدنية وذلك فى مقابل الطرح الدينى للدولة الذى تتزعمه جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية حديثة الظهور فى المشهد السياسى المصرى. وكم كانت فرحتى عظيمة بهذه الدعوة فقد تعرفت أخيرا على تجمع كبير لليبرالى مدينتى مدينة الإسكندرية. وبصرف النظر عن مكان وموعد الإجتماع فقد كان المجتمعون معظمهم من الشباب حوالى ثلاثين فتى وفتاة معظمهم فى العشرينيات من العمر تقريبا وقليل منهم فى الثلاثينيات وثلاثة فقط ينتمون إلى عالم الزمن الجميل أنا وإثنين آخرين أحدهما يكبرنى سنا والآخر يصغرنى بسنوات قليلة.

وفى اللحظات الأولى من اللقاء ظل كل شئ على مايرام ولم أشعر بفارق السن الذى يفصلنى عن هؤلاء الشباب وظللت أشعر بالإرتياح متأهبا بالمشاركة بكل ماعندى من جهد وطاقة. ثم بدأ ألإجتماع وبدأت الإقتراحات المذهلة. وبسرعة شديدة إقترح التخلى عن كلمة ليبرالى لإنها غير مفهومة ومثيرة للريبة وكلمة علمانى لإنها مثيرة لمشاعر المصريين الدينية و كذلك التخلى عن معارضة المادة الثانية للدستور لإن وجودها يساوى عدم وجودها وعن معارضة الإخوان المسلمين لإنهم قاموا بدور رئيسى وهام فى الثورة وفى النهاية إقترح تشكيل جمعية تبتعد تماما عن أى  شبهة ليبرالية  إقترح تسميتها كما أذكر جمعية مصر لكل المصريين أو شئ كهذا.

وإزاء هذه التطورات المذهلة للأحداث لم أجد ماأعلق به سوى نكتة  فقلت لهم ولماذا لاننضم إلى جماعة الإخوان المسلمين ونخلص ؟ ولم يضحك أحد. سجلنا أسمائنا وارقام هواتفنا فى ورقة وزعت على الجميع وخرجنا على أن نلتقى فى موعد آخر وبالطبع لم أذهب إلى هناك مرة أخرى. أثار هذا اللقاء فى نفسى مشاعر كثيرة وجعلنى أسترجع  تاريخ الحقبة الليبرالية المصرية منذ ثورة 1919م وحتى سنة 1952م وتذكرت أننى قرأت مرة أن النحاس باشا كان يقول فى خطبه صراحة أن إدخال الدين فى السياسة دجل وأن الناس كانت تصفق له بينما يخشى هؤلاء الشباب الآن كلمة ليبرالى وليبرالية . وتوارد على ذهنى  قصة حزب الوفد  الليبرالى وسيطرته على الحياة السياسية المصرية قبل ثورة يوليو  فى مواجهة القصر وكل التيارات الفاشية وعلى رأسها الإخوان.

بالطبع كان لذلك الزمن ظروف أخرى فبالإضافة إلى الزعامات التاريخية التى وهبها القدر لمصر فى ذلك الزمن كسعد زغلول ومصطفى النحاس  فقد كان هناك قمم فكرية تأثرت بثقافة الغرب وأثرت بدورها فى مجتمعها  كأحمد لطفى السيد وطه حسسين وسلامة موسى   وغيرهم  وبالإضافة إلى وجود عدد كبير من الأجانب المقيمين فى مصر والذين أثروا فى ثقافتها فقد كانت مصر نفسها جزءا من العالم الغربى بحكم كونها مستعمرة بريطانية.

ومع ثورة يوليو 1952م إنتهى كل ذلك وبدأ عصر جديد بطروحات سياسية وفكرية جديدة هو عصر الإشتراكية العربية الذى أسدل الستار على تاريخ الحقبة الليبرالية المصرية وعلى دور جماعة الإخوان المسلمين فى التاريخ المصرى مؤقتا. قدمت ثورة يوليو طروحات سياسية جديدة  إستلهمتها من الثورة الإشتراكية العالمية ومن التراث القومى العربى فظهرت إلى الوجود فكرة القومية العربية الإشتراكية والتى سادت مصر والعالم العربى خلال الحقبة الناصرية. ولكن بعد رحيل جمال عبدالناصر أطلق أنور السادات جماعات الإخوان من السجون ومنحها فرصة العمل السياسى مرة أخرى لضرب التيارات اليسارية كما سمح بتكوين الأحزاب السياسية وهكذا عاد الوفد المصرى إلى الوجود أيضا تحت إسم حزب الوفد الجديد وأصبحت معادلة الصراع السياسى المصرى ثلاثية الأبعاد ، يسارية عروبية نشأت فى ظل ثورة يوليو من جهة والوفد من جهة والإخوان من الجهة الثالثة. ولكن مع سقوط الإتحاد السوفيتى سنة 1990م بدأت قيم الإشتراكية العربية تتهاوى إلى الأبد وعاد الصراع السياسى المصرى ثنائى الأبعاد بين التيار الليبرالى والإخوان كما كان قبل الثورة تماما.

شق الإخوان طريقهم بثقة بين صفوف الجماهير المصرية وحتى فى ظل غياب الزعامة الكاريزمية فقد إستطاعوا بطبيعة الفكرة الإسلامية عميقة الجذور فى المجتمع المصرى شق طريقهم بين الجماهير والسيطرة تدريجيا على الشارع المصرى. لكن الحال كان مختلفا بالنسبة لحزب الوفد الجديد الممثل التقليدى لليبرالية المصرية. لم يستطع الوفد الجديد شق طريقه بين الجماهير كما فعل الإخوان فقد كان الزمن قد تغير حوله وبصرف النظر عن الأسباب التى أدت إلى فشل الوفد فى إسترجاع مكانته التاريخية بين الجماهير المصرية كغياب الزعامة الكاريزمية وإفتقاده إللى الروح القتالية والميل إلى التوافق مع السلطة الحاكمة فقد مثل ذلك خلللا كبيرا فى التوازن السياسى للمجتمع المصرى لم يعالجه نشأة أحزاب ليبرالية جديدة بجانب الوفد كحزب الغد وحزب الجبهة الديموقراطية بحيث لم يعد هناك فى نهاية الأمر سوى قوتين حقيقيتين على مسرح السياسة المصرية هما الجيش والإخوان. لكن مصر الليبرالية بطبيعتها وروحها وعقلها الباطن بدأت تنتفض وتثور على هذا الخلل وبدأت تظهر فى سماء السياسة المصرية قوى ليبرالية جديدة تكونت من جماعات الشباب على الفيس بوك كجماعة 6 إبريل وغيرها من جماعات  متفرقة كثيرة بدأت تتشكل على هيئة جزر ليبرالية صغيرة منعزلة  تائهة فى محيط واسع تبحث عن قائد يجمعها تحت لوائه لتعود لأخذ مكانها الطبيعى فى الحياة السياسية المصرية مرة أخرى.

كانت عودة الدكتور محمد البرادعى من الخارج فى 19 فبراير 2010م هى تلك اللحظة التى إنتظرتها تلك التجمعات الشبابية الحائرة والتى كان يمكن لها أن تكون لحظة فارقة فى التاريخ المصرى فعلا لو كان الرجل قد قرأ ذلك التاريخ بشكل صحيح وأدرك أن ماكانت تبحث عنه مصر فى تلك اللحظة هو زعيم ليبرالى كبير يجمعها تحت لوائه وليس زعيم حائر يتشاور مع الإخوان تارة ومع الناصريين تارة أخرى. لقد كان يمكن لتاريخ مصر المعاصر كله أن يتغير لو كان محمد البرادعى قد عاد ليرشح نفسه لقيادة حزب الوفد مثلا ويفوز بذلك  المنصب فعلا ويقبل دخول المعركة ضد الحكم العسكرى وضد سطوة الإخوان كما كان يفعل الوفد القديم فى مواجهة القصر والإخوان. فلو كان قد فعل ذلك لربما لتغير مصير الوطن وتغير مصير الرجل ولما خفت نجمه ولإستطاع أن يقود الثورة التى فجرها الشباب فى يناير 2011م. ومع ذلك تبقى فى قصة البرادعى عبرة. فمصر ليست إخوانية لإن من يتحالف مع الإخوان يسقط ويخفت نجمه كما سقط البرادعى وخفت نجمه.

مصر ليبرالية تبحث عن قائد ليبرالى يقودها إلى تأسيس الدولة المدنية.

مصر ليبرالية تبحث عن مكان لها فى العالم المتحضر الذى تستحق أن تكون جزءا منه فعلا. مصر ليبرالية  بتاريخها وروحها وعقلها

مصر عاصرت وعاشت تاريخ الجنس البسشرى كله

مصر ليبرالية منذ أن خلقها الله تعايشت فيها الأديان والثقافات وهاجرت إليها الشعوب من الشرق والغرب

مصر أرض لكل دين ووطن لكل إنسان

مصر ليبرالية ليبرالية ليبرالية

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged . Bookmark the permalink.