ثقافة الخضوع

ابراهيم الكبلي  

قبل كتابة هذا المقال عن لي أن أكتب عن “عبد الرحمان منيف والثورة”، عن “الكتابة السجنية والإنعتاق بعد الثورات العربية” أو عن “دول الخليج والثورة المضادة” إلا أنني وجدتني أكتب عن ثقافة الخضوع في العالم العربي مرجئا الكتابة في المواضيع الأخرى إلى وقت لاحق.

السبب هو الرغبة في استكشاف أسباب تحول الخضوع إلى قيمة ثقافة لعقود في البلاد العربية. فالحرص على طاعة “ولاة الأمر” من المسائل التي تمت معالجتها بدقة متناهية، لا مجال للخطأ فيها، في الزمن الديكتاتوري البائد. فغرس وتجذير ثقافة الخضوع حظيا بأهمية بالغة اعتبارا لأهمية انتشار ثقافة الاستسلام في الحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة. وقد تمكن خبراء السلطة من إيجاد مسوغات مختلفة لتبرير الخضوع الكامل للسلطة ورموزها. كما أنهم تفننوا في إبداع الوسائل القمينة بتعمية الشعوب واستلاب إرادتها، وقتل الحاجة الغريزية في كل إنسان لتوجيه النقد والتعبير عن السخط على الوضع السوسيواقتصادي والسياسي الذي يعيش فيه. كما أنهم اجتهدوا لبناء منظومة متكاملة من المفاهيم حاصرت شعلة الأمل في انبثاق فجر عربي جديد يكون قادته متحررين من عقدة الخوف والولاء الأعمى لأصحاب السلطة.
بثورة المواطنين العرب ضد الطغيان ومن يدور في فلكه، أصبح تحليل التكتيكات المتبعة في إخضاع الشعوب وتعطيل حسها النقدي ضروريا لاستخلاص العبر من هذه المرحلة الحزينة من تاريخ الشعوب العربية. فقراءة التاريخ ضرورية لفهم الحاضر واستلهام سبل جديدة للتعامل مع المستقبل، في زمن تتغير فيه الأفكار وتتداول فيه المعلومات بسرعة البرق، وفي زمن لم يعد فيه مكان لفكرة الخضوع نظرا للتحول الجذري لطبيعة العلاقات بين مكونات المجتمع والسلطة في العالم العربي الجديد. فالثورات العربية اغتالت فكرة الخضوع وشيعتها إلى مثواها الأخير. فرغم الأموال الطائلة والجهود الجبارة والوقت الثمين، الذي صرف في نشر هذه الثقافة واحتضانها، ثارت الشعوب العربية وكسرت قيد الخوف الأعمى وأطلقت ألسنتها اللاذعة لإسقاط الخوف من الخوف بعد التصفية المعنوية للنظام القمعي، وتمريغ آخر أدبياته في تراب ساحات التحرير.
الخضوع والطاعة من الأفكار الخبيثة التي تم غرسها في عقول الملايين من المواطنين العرب والتي يجب الحذر من مخلفاتها بعد تحرير الشعوب العربية لنفسها من نير الديكتاتورية. ونظرا لما ترتب عنها من ترسيخ للحكم الفردي وتأليه للأشخاص، وإسباغ لقيم البطولة عليهم، وتنزيههم عن الخطأ بل ونسبة الكثير من البركات والمكرمات إليهم فإن فكرة الطاعة كانت مركزية في الكثير من مجالات الحياة اليومية للمواطن العربي. فطاعة الشرطي والأعوان الإداريين أضحت طقسا يجسد طاعة نظام الفرد الواحد، والقائد الأوحد والزعيم الخالد، وولي الله في أرضه من خلال طاعة “الرموز” التي تمثله. فطيلة عقود لم يعرف قطاع واسع من الرعايا العرب غير قول “نعم” لكل شيء، وفقا لقاعدة الخضوع والطاعة، والذين تجرؤوا وتفوهوا ب”لا”، حتى في أحلامهم، فإنهم غالبا ما انتهوا في السجون والمنافي في أحسن الأحوال، مما شكل عبرة ورادعا للآخرين. ولنا أن نتصور الآثار الجانبية المدمرة على المدى البعيد لهذه العادة على تفكير ومشاعر الكثير من الأطفال والمراهقين بل وحتى البالغين من الأميين، غير المؤطرين سياسيا، من خلال التعرض لسيول الدعاية اليومية التي وظفها النظام البوليسي للقضاء على كل أشكال المعارضة التي كان من الممكن أن تسائل وتخلخل مسلماته.
لقد اشتغل النظام العربي البائد على جبهات عدة لوأد الفكر النقدي الحر وكسب الطاعة المطلقة للشعوب مما أدى، مع مرور الوقت، إلى نسيان الأنظمة لحقائق بديهية في التاريخ الإنساني وحركية الشعوب التي عودتنا دائما أن تثور على الطغيان. فيأس الشعوب مثل النار المتقدة تحت أكوام التبن. فالناظر يسره منظر التبن المكوم ولكنه لا يعرف أنه يحمل في داخله عوامل احتراقه من الداخل. لقد سر النظام العربي لسنوات كثيرة بفرض نظام الطاعة المطلقة دون أن يفكر في عواقبها الوخيمة عليه وعلى وجوده، ونسي أن نيران الثورة قد تشتعل فيه في أي لحظة.
فالنظام السياسي العربي، على اختلاف مشاربه وتوجهاته الفكرية، تبنى استراتيجيات سعت إلى مأسسة ثقافة الطاعة والخضوع عن طريق:
• استعمال المناهج التربوية، في مختلف مراحل التعليم، لتدريس مواد ومحتويات لا تحرض على التساؤل والتفكير الحر. فالتساؤل يؤدي إلى تحفيز الفكر النقدي الذي يشكل في نظر الكثير من المشتغلين في حقل التربية الهدف الأسمى لكل نظام تعليمي. الديكتاتورية استطاعت تحويل المدارس إلى مصانع لتفريخ الأفراد المطيعين/الطيعين، ونجحت في إفراغ المقررات الدراسية من النصوص المحرضة على التفكير والمستفزة للخيال، واكتفت بتدريس النصوص والكتب التي لا تعارض النظرة الرسمية للأمور، والأدبيات الحاملة للفكر الغيبي والقدري والتي تجرد الإنسان من الإرادة والقدرة على الفعل مما كون شعوبا جامدة لم تستطع أن تبادر لتحرير نفسها رغم معاناتها الويلات لسنوات طويلة. كما أن بعض البلاد العربية ألغت تدريس الفلسفة وشجعت في المقابل تدريس الدراسات الإسلامية كمحاولة منها لإضعاف قوة اليسار في مرحلة معينة من تاريخها، والنتيجة كانت جحافل من الأتباع المطيعين للشيوخ والمشعوذين المتاجرين باسم الدين، وبطبيعة الحال إخصاء جماعي للمجتمعات ومصادرة لحقه في النقد وإبداء الرأي.
• تزوير التاريخ، وتقديم معلومات مغلوطة، وخلق أنساب وبطولات غير موجودة. فتاريخ الشعوب العربية مزور القسم الكبير منه، وما ينقل منه إلى الطلاب في المدارس تشوبه الكثير من العيوب لأنه يخدم هدفا واحدا ألا وهو تقديم الأمور من وجهة نظر الماسكين بالسلطة مما يحرم الطالب من القدرة على المحاججة والاستدلال والنقد لأن التاريخ يدرس تفكيك الأحداث ومساءلة القرائن واستنطاق الوثائق وإعادة قراءتها. كما أن طريقة التلقين (لا نقول التدريس) نموذج مصغر لعلاقات السلطة الموجودة في المجتمع بين أستاذ (مركز للمعرفة) لا يجوز إغضابه وبين طالب (محتاج لهذه المعرفة) يقر بضعفه وبحاجته الماسة للأستاذ للأخذ بيده (صور عبد الله حمودي العلاقة في كتاب بعنوان “الشيخ والمريد”). ومقابل مساعدة الأستاذ يتخلى الطالب عن الكثير من حقوقه في سبيل إرضاء أستاذه والظفر برضاه. فهذه العلاقة الغير المتكافئة هي تجسيد لعلاقة المستبد بشعبه. فالشعب مدعو أن يفعل كل شيء للظفر برضا الزعيم، وعندما يتسابق الناس للظفر بالرضي فإن العلاقة تصبح مختلة لأن معيار القرب أو البعد من مركز السلطة يرتبط بالرضي وليس بالكفاءة. النتيجة بطبيعة الحال هي انتشار ثقافة الخنوع والانبطاح لكل المقربين من السلطة رغبة في الحصول على غنيمة أو الاستفادة من مساعدة في مجتمعات يتسابق فيها الكل على طاعة السلطة ورموزها.
• تجنيد الإعلام للحديث عن الحاكم ومنجزاته. فاقتران بقاء الحاكم بالأمن الجسدي والروحي والاقتصادي، وبكل أشكال الرفاهية والرخاء، سواء التي يتمتع بها المجتمع أو التي يمكن أن يتمتع بها في المستقبل، دليل على أن كل شيء يتم ببركة الحاكم الذي يجب أن يحصل مقابل هذه المنجزات على الاحترام المطلق والتمجيد الأبدي من قبل الشعب. فيتحول الشعب من مصدر للشرعية، يمنحها لمن يشاء، إلى باحث عن شرعية يمنحها له السلطان إذا تيقن من صفاء خضوعه. يصبح المنطق معكوسا لأن الشعب هو الذي يحتاج إلى الحاكم، وليس العكس كما في سائر البلاد الديمقراطية. الإعلام العربي شارك ومازال يشارك، خاصة في شقه الخليجي المتخم بالتمويل القادم من البترودولار، لسنين طويلة في تجريع المواطنين العرب جرعات كبيرة من الدعاية أفقدتهم التمييز بين الحق والباطل، وكانت نتيجتها في نهاية المطاف نوعا من التعمية الفكرية استمرت لسنوات طويلة لم تزل غشاوتها إلا بالثورة التونسية. لذلك من اللازم تغيير المشهد الإعلامي العربي ليسمح بظهور وسائل إعلام تتعامل مع الإعلام كسلعة أساسية تحترم حق المواطنين في الإخبار والإطلاع ولا تكون أدوات للدعاية والاحتيال على ذكاء المواطنين في مجتمعات مازالت فيها نسبة الأمية الوظيفية مرتفعة.
• توظيف الدين الإسلامي لتركيع الشعوب باسم طاعة ولي الأمر. لقد استطاع فقهاء وخبراء السلطة أن يجدوا مسوغات دينية لتبرير الخضوع الكامل للحاكم، ولو كان مستبدا، على اعتبار أن القرآن الكريم يأمر بطاعة الله والرسول وأولي الأمر. فاقتران الله والرسول وأولي وبترتيب معين في القرآن الكريم كرس أحقية الحاكم بالطاعة. فالدين ورقة رابحة تم توظيفها بشكل فج. كما أن حمل ألقاب من قبيل إمارة المؤمنين، وخدمة الحرمين الشريفين أو إيجاد رابطة قرابة بآل البيت كلها وسائل وظفت للعب على وتر الإخلاص الديني للناس، وبالتالي ضمان خضوعهم المطلق لما لهذه الألقاب من رمزية وقوة عقدية في مجتمعات أغلبية مواطنيها مؤمنين. الذي لم يفهمه الكثير من الناس في العالم العربي البائد هو أن فكرة الطاعة المطلقة للأشخاص مجانبة لمنطق العقل السليم ومنافية لتعاليم الإسلام باعتبار أنها تلغي فكرة الإرادة والقدرة على الاختيار (الجبر والاختيار نقاش طويل في الفلسفة الإسلامية). والدين الإسلامي مبني في أساسه على الحق في الاختيار وتحمل تبعات هذا الاختيار.
بطبيعة الحال هناك الكثير من الوسائل الأخرى التي تم توظيفها لخلق زبناء لثقافة الخضوع، بدءا بانتشار الرشوة والزبونية، واستشراء الفساد وانتهاء بخلق طبقات من المنتفعين الذين شكلوا منطقة عازلة بين أهل السلطة القليلين وبين أغلبية الشعب المطلوب إخضاعه بشتى الوسائل الناعمة (الإغراء) والخشنة (وسائل الإكراه: القوة والتعذيب والاختطاف).
هذه الاستراتيجيات أنتجت ثقافة كانت مزيجا من الخوف والاستسلام تحولت مع مرور الوقت إلى ثقافة متجذرة للخضوع. إلا أن هذا الخضوع تبدد بتحرر الألسنة الملجمة بأرسن من الحديد لعقود خلت، فتحول الخضوع إلى غضب، وتحول الغضب إلى ملحمة لما اكتشفت الشعوب العربية أخيرا نعمة اسمها الحرية، تناقض في جوهرها ومذاقها كل ما قيل لهم عنها في عهد الديكتاتورية.
لقد صار لزاما إعادة صياغة المناهج الدراسية وتطهيرها من كل ما لا يشجع الطلاب على الفكر النقدي، كما أصبح من اللازم إعادة كتابة التاريخ الوطني والشعبي للبلاد العربية واقتلاع كل الأكاذيب التي استطاعت أن تتسرب إليه عن قصد وتحولت إلى حقائق في أذهان الكثيرين. كما أن العلاقة بين أركان الحكم يجب أن يحكمها منطق الانتخابات لأن هذه الأخيرة هي الوحيدة في نظرنا التي تمنح للمواطنين السلطة الفعلية على الحاكمين. فالقدرة على سحب التفويض الشعبي من المنتخب هي الجواب الأمثل للقضاء على ثقافة الخضوع. أما تطهير الإعلام وإعادة تأهيله كخدمة عامة، فإننا رأينا كيف انفتح الإعلام المصري وصارت مصر جنة للإعلام بعدما كانت صحراء قاحلة في زمن مبارك حيث سخرت فيها وسائل الإعلام لخدمة التوريث وأجندة الماسكين بزمام الأمور وقس على ذلك في كل البلاد العربية التي تصدعت فيها جدران ثقافة الخضوع.
الأكيد أن مرحلة الخضوع، على كافة الأصعدة داخليا وخارجيا، انتهت في العالم العربي الجديد، ومهما يحصل بعد الثورات فإننا مطمئنون أن زمن التسابق على إرضاء صنم السلطة ورموزه انتهى إلى الأبد.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية and tagged , . Bookmark the permalink.