إجابة لمن سألني في زواج الرسول بعائشة

د.ألفة يوسف   

صغر السّنّ في الزّواج مسألة نسبيّة تختلف من مجتمع إلى آخر ومن عصر إلى آخر.

على أنّ بعض القوانين “الإسلاميّة” تحدد سنّا دنيا للزّواج بالنّسبة إلى الرّجل وإلى المرأة. وتختلف هذه السّنّ الدّنيا من قانون إسلاميّ إلى آخر. فبين القانون التّونسيّ الّذي يعدّ سنّ الثّامنة عشرة هي السّنّ الدّنيا لزواج البنت وبين سواه من القوانين فروقات. .

وكثيرا ما يستند دارسو هذه المسألة إلى الخبر التّاريخيّ الثّابت في زواج الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بعائشة إذ عقد عليها عليه السّلام وهي في سنّ السّادسة وبنى بها وقد بلغت التّاسعة.

وقد شاع هذا الخبر وكان مدار خلاف بين من اعتبر هذا الزّواج “غريبا” لا يليق بنبيّ وبين من اعتبره أمرا عاديّا في فترات تاريخيّة معيّنة ومجتمعات مخصوصة.
ولا شكّ أنّنا نذكر أنّ تزويج البنات الصّغيرات كان شائعا في تونس في أوائل القرن الماضي ويندر منّا من لم تكن له جدّة أو جدّة عليا قد تزوّجت في سنّ صغيرة.

إنّنا لا نريد أن نقف موقفا دفاعيّا من رسول لا يحتاج إلى ذلك بعد أن أكّد هو بنفسه مرّات كثيرة بشريّته وبعد أن أثبت القرآن هذا التّأكيد إذ عاتب الله رسوله ولامه أحيانا أخرى، ولا نريد من جهة أخرى أن نبتذل زواج الرّسول من عائشة فنعدّه مسألة عاديّة بسيطة قبلها كلّ النّاس زمن الرّسول.

إنّ هذا الزّواج قد أثار استغراب أبي بكر الصدّيق الّذي تعجّب من طلب الرّسول عائشة للزّواج. وإن لم يكن مردّ هذا التّعجّب بالضّرورة سنّ عائشة وخوف أبيها عليها فقد كان مردّه على الأقلّ فارق السّنّ الكبير بين العريس والعروس.

فقد “حدّثنا عبد الله بن يوسف حدّثنا الليث عن يزيد بن عراك عن عروة أنّ النبيّ خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر إنّما أنا أخوك فقال أنت أخي في دين الله وكتابه وهي لي حلال”، وفي رواية أخرى قال أبو بكر لرسول الله لمّا خطب عائشة “أيتزوّج الرّجل ابنة أخيه؟”.

إنّنا لانريد أن نبرّر حدثا شخصيّا في حياة رسول لم يطلب منّا يوما أن نحذو حذوه في حياته الشّخصيّة. ولعلّ الخلط بين حياة الرّسول الحميمة الخاصّة وما نقله عن الله تعالى هو من أكبر الأوهام الّتي صدّقها الفقهاء وأورثوها لعامّة لمسلمين.

فإن كان ممّا لا شكّ فيه أنّ الرّسول مثّل بأحاديثه القدسيّة وأفعاله الواردة ضمن تبليغ الدّعوة قدوة للمسلمين فإنّه ممّا لا شكّ فيه أبضا أنّ الرّسول كان يسلك أحيانا سلوكا بشريّا لا يستوجب بالضّرورة اتّباعه باعتباره سلوكا يخضع لأذواق شخصيّة وأطر تاريخيّة.

فهل حبّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم للثّريد داع للمسلمين لكي يحبّوا الثّريد؟ وهل رفضه أكل الضّبّ أو أكل سويق اللوز دافع لهم لكي يعافوا الضّبّ ويتجنّبوا سويق اللوز؟

وهل جمعه بين تسع نساء داع لكي يجمع المسلمون مثله بين تسع نساء ممّا أباحه بعض المفسّرين وذهبوا إليه في قراءتهم للمثنى والثّلاث والرّباع؟

بل هل زواجه من امرأة تكبره سنّا وتفوقه ثراء دعوة لكلّ الشّباب المسلم حتّى يتزّوجوا بالضّرورة من نساء ثريّات أكبر منهم سنّا أم هل ما يذكر من أنّه كان يجامع نساءه كلّهن في ليلة واحدة داعيا إلى أن نعتبر المسلم الّذي لا يسطيع إلى ذلك سبيلا خارجا عن السّنّة؟

إنّ المراوحة بين التّقرير بأنّ من الأشياء ما اختصّ بها الرّسول شأن التزوّج بزوجة دعيّه أو أن تهب النّساء له أنفسهنّ أو أن يتزوّج دون مهر والتّقرير بأنّ من السّنّة اتّباع الرّسول تقابلا إذ من الّذي يحدّد البشريّ في سلوك محمّد من الرّسالة المنقولة على لسانه ومن خلال سلوكه؟

صحيح أنّ الله عزّ وجلّ يؤكّد أنّ علينا أن نأخذ بما أتانا الرّسول وأن ننتهي عمّا نهانا عنه، والمعنيّ بهذه الآية أن نأخذ بما أمر الله تعالى الرّسول بتبليغه وأن ننتهي عمّا أمر الله تعالى عنه الرّسول بنهينا عنه.

إنّنا إذ نؤكّد البعد التّاريخيّ للرّسالة المحمّديّة نؤكّد في الآن نفسه البعد الحميميّ الشّخصيّ لحياة الرّسول الخاصّة، فليس في زواجه وهو شيخ الخمسين؟ بابنة التسع سنوات ما يحمل دعوة صريحة ولا ضمنيّة إلى أن يحذو المسلمون حذوه.

إنّ هذه المسألة تاريخيّة خاصّة أمّا كلام الله تعالى فعامّ صالح لكلّ زمان ومكان، فماذا يقول الله عزّ وجلّ في زواج الصّغيرة؟

الثّابت أنّ القرآن لم يحدّد سنّا دنيا للزّواج لكلّ من المرأة والرّجل على أنّ إحدى الآيات القرآنيّة تقتضي إمكان الزّواج بمن لم تحض من النّساء.

ومستند ذلك قول الله تعالى:”وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ” (الطّلاق 65/4). وقد حوّل ابن العربي هذا المقتضى اللغويّ تصريحا إذ أكّد: “قوله تعالى: “واللائي لم يحضن” يعني الصّغيرة وعدّتها أيضا بالأشهر لتعذّر الأقراء فيها عادة”، وقول الله تعالى “دليل على أنّ للمرء أن ينكح ولده الصّغار لأنّ الله تعالى جعل عدّة من لم يحض من النّساء ثلاثة أشهر ولا تكون عليها عدّة إلاّ أن يكون لها نكاح،فدلّ ذلك على هذا الغرض وهو بديع في فنّه”. ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال نفي هذا الاقتضاء اللغويّ الّذي يعاضده سبب النّزول التّالي إذ يبدو أنّ رجلا قام “فقال يا رسول الله فما عدّة الصّغيرة الّتي لم تحض؟ فنزل “واللائي لم يحض.

إنّ الله عزّ وجلّ إذ يبيح زواج من لم تحض من النّساء لا ينفي في الآن نفسه زواج من لم يبلغ من الرّجال. بل إنّ القرآن يشير في مقام آخر إلى من بلغ النّكاح مميّزا إيّاه عمّن بلغ الرّشد إذ يقول: “وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم…”(النّساء4/6). فبلوغ النّكاح لا يعني بالضّرورة بلوغ الرّشد الّذي وذهب فيه المفسّرون مذاهب شتّى وأزمنة متعدّدة.
وإن كان الرّشد في سياق الآية يطرح مشكل تسليم الأموال إلى اليتيم وقد رأينا في مجال الميراث تلدّد المفسّرين والفقهاء عن الدّفع والتّسليمفإنّ بلوغ النّكاح يفترض عندهم عادة الحلم عند الذّكر والبلوغ لدى الأنثى وذلك رغم أنّ ابن عاشور يقرّ ” بأنّ النّاس قد يزوّجون بناتهم قبل البلوغ وأبناءهم أيضا في بعض الأحوال” معتبرا أنّه أحوال عارضة.

إنّ للزّواج بعدين بعدا جنسيّا وبعدا اجتماعيّا. فأمّا البعد الجنسيّ فمتّصل بقيام الزّواج على وجود علاقة جنسيّة بين الزّوجين فإن أمكن تزوّج غير البالغ ذكرا كان أو أنثى من أنثى أو ذكر غير بالغين فإنّ العلاقة الجنسيّة قد لا تتمّ على الأقلّ وفق التّصوّر الشّائع، وإن تمّت بطريقة أو بأخرى فإنّها لا تثير إشكالا كبيرا إذ قد تُحمل محمل لهو “الأطفال”. أمّا زواج البالغ بله الكهل أو الشّيخ بغير البالغ فإنّه يطرح إشكالا لأنّه يدخل ضمن ما يسمّى وفق القوانين الحديثة ب”استغلال الطّفل جنسيّا”. ولا شكّ أنّنا واعون بأنّ مفهوم “الطّفل” مفهوم حديث وأحدث منه مفهوم “حقوق الطّفل” على أنّ حداثة هذه المفاهيم لا تمنعنا من قراءة موقف النّصّ القرآنيّ “الصّالح لكلّ زمان ومكان” من زواج الكبير بالبنت الصّغيرة الّتي لم تبلغ.

إنّ من الغالب أنّ إباحة هذا الضّرب من الزّواج في القرآن ليس قاعدة ولا هدفا بل مسايرة لواقع تاريخيّ شائع. فاللطيف أنّ الآية القرآنيّة الوحيدة الّتي تقتضي إمكان زواج غير البالغة فتعطي للبنت الصّغيرة من ثمّ بعدا جنسيّا تتظافر عليها آية أخرى تخرج من لم يبلغ من مجال الفعل الجنسيّ إخراجا مطلقا فمن ذلك أنّه يسمح للمرأة بأن تبدي زينتها غير الظّاهرة للطّفل الّذين لم يظهروا على عورات النّساء(النّور24/31). وقد اختلف في معنى الطّفل هنا فالعامّ أنّ “اسم الطّفل شامل له إلى أن يحتلم” ويفيد هنا معنيين الأوّل هو “الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي من الصّغر” والثّاني هو الطّفل “الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النّساء”.ورغم أنّ الرّازي يشير عرضا إلى أنّ المرأة قد تشتهي الطّفل فالغالب أنّ هذه المجتمعات كانت تعدّ الطّفل القريب من البلوغ قابلا لأن يكون موضوعا جنسيّا ممّا يفسّر في المجال التّشريعيّ عدم منع الزّواج بصغيرات السّنّ بنصّ صريح، وممّا يفسّر في المجال الثّقافيّ التّغزّل بالغلمان المرد وتأكيد سنّهم الصّغيرة قبل البلوغ ممّا قد يمثّل له الخبر التّالي: ” جاء قوّاد بمؤاجر إلى لوطيّ وكان قد التحى فقال له اللوطيّ: “كم جدره؟” فقال “كان في العام الماضي مائة درهم” فقال “إنّما سألتك عن هذه السّنة لا عن العام الماضي فقذ كانت جدّتي مهرها عشرة آلاف درهم ثمّ نقلت إلى المقابر لمّا ماتت بعشرين درهما. وموت هذا طلوع لحيته”.

إنّ المسايرة القرآنيّة لواقع تاريخيّ غدت عند البعض قانونا مفارقا يفسّر أنّ بعض البلدان الإسلاميّة ما تزال تشهد إلى اليوم تزويج صغيرات السّنّ بما قد ينتج عن هذا الزّواج من نتائج وخيمة على المستويين البدنيّ والنّفسيّ. وليس احتجاج البعض بأنّ بعض الفتيات ينضجن بسرعة بذي بال ذلك أنّ الطّبّ يثبت أنّ علاقة الإيلاج إن تمّت بين ذكر بالغ وفتاة غير بالغة من شأنها إحداث آلام جسديّة لفتاة الصّغيرة فضلا عن التّشوّهات النّفسيّة.

ومن الآلام الجسديّة ما نجد له صدى في الخبر التّالي عن عائشة الّتي حضرت تفسير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للآيتين التّاليتين: “إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً- فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا” (الواقعة56/35-36). فقد قال عليه السّلام: “أترابا” أي على ميلاد واحد في الاستواء كلّما أتاهنّ أزواجهنّ وجدوهنّ أبكارا فلمّا سمعت عائشة رضي الله عنها ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالت واوجعاه فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليس هناك وجع.

لقد أسلفنا أنّ للزّواج بعدين بعدا جنسيّا وبعدا اجتماعيّا وقد عرضنا للبعد الجنسيّ وبقي البعد الاجتماعيّ المتّصل بإنشاء أسرة والّذي زعمنا منذ حديثنا عن زواج المتعة أنّه بعد حديث. ولعلّ انعدام هذا البعد هو الّذي يفسّر أنّ تزويج الصّغيرة لم يكن يحرج إذ أنّ مفاهيم المسؤوليّة الأسريّة والنّضج الفكريّ والعاطفيّ اللّذين يسمحان يسمحان للبنت بأن تكون أمّا لم تكن مفاهيم مفكّرا فيها في إطار مجتمع قائم على استمرار النّمط القبليّ. فليس من الغريب والحال تلك أن تلد البنت في سنّ الثّالثة عشرة أو الرّابعة عشرة. إنّنا نذهب إلى أبعد من ذلك فنزعم أنّ اعتبار البلوغ منطلقا للتّكليف لم يكن إلاّ نظرة تاريخيّة نسبيّة إذ أنّنا لا نجد في القرآن آية تشير إلى أنّ البلوغ هو منطلق التّكليف المطلق. فهل نتصوّر طفلا سنّه أربع عشرة سنة يحاسبه القانون حساب كهل في الأربعين قد بلغ أشدّه بصريح القرآن نفسه.

إنّنا لا نعني بهذه الملاحظة عدم تعويد البالغ الصّغير على الصّلاة أو الصّيام أو سواها من الفرائض ولكن علينا أن نعي بأنّ رؤية الطّفل للعالم مختلفة عن رؤية الشّابّ أو الكهل. ولا شكّ أنّ الله عزّ وجلّ إذ يميّز تمييزا صريحا أسلفناه بين بلوغ النّكاح والرّشد (النساء4/6) أي بين البلوغ البيولوجيّ والتمييز الفكريّ يفتح لنا بابا للاجتهاد في هذا المجال.

فإن أكّد المفسّرون أنّه لا يمكن منح المال لليتيم حتّى يبلغ الثّماني عشرة سنة أو الخمس والعشرين سنة عند البعض وحتّى نتأكّد من صلاح دينه ودنياه وقدرته على ضبط المال عند البعض الآخر، فمن باب أولى وأحرى أن لا يتزوّج المسلم إلاّ وهو متفهّم لمسؤوليّة الزّواج وإنجاب الأبناء، اللهمّ إلاّ إذا اعتبرنا أنّ التّصرّف في المال أعسر من تحمّل مسؤوليّة بناء أسرة وتربية أطفال أي إذا اعتبرنا أنّ رأس المال المادّي أهمّ من رأس المال البشريّ.

إنّ علينا أن نعيد النّظر في مفهوم البلوغ منطلقا للتّكليف المطلق انطلاقا من تمييز القرآن بين البلوغ والرّشد. وعلينا أيضا أن نعيد النّظر في اعتبار البلوغ البيولوجيّ وحده منطلقا لإمكان الزّواج شأن ما فعله القانون التّونسيّ مثلا. ولئن كانت المسألة الأولى أي مسألة التّكليف فكريّة صرفا لأنّ أمر كلّ إنسان متروك إلى الله عزّ وجلّ، فإنّ المسألة الثّانية قانونيّة اجتماعيّة تهمّ توازن المجتمع بأسره وتدعونا إلى تقنين السّنّ الدّنيا للزّواج بما يتلاءم مع طبيعة المجتمعات واختلاف قيمها وتصوّراتها عبر الأزمان

Print Friendly
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات and tagged , , , . Bookmark the permalink.