دولة داخل قفص الاتهام وقتلة ابرياء

عادل صوما –  بيروت تايمز  

ملامح الصراع اللبناني/الإسرائيلي، تختلف تماماً عن ملامح الصراع الوهّابي/الإيراني في لبنان، وإغتيال رفيق الحريري إحدى بصمات الصراع الثاني على الاراضي اللبنانية، مهما حاول ان يكذب حسن نصر الله.

بشكل عام، لست متعاطفا مع رفيق الحريري أو تياره، لأن الرجل هشّم وجه لبنان متعدد الحضارات بشكل خبيث جداً، وهو أول من اعتدى على املاك الدولة والناس بشكل منهجي شامل لم يحدث في تاريخ البلد، وهناك فقرة في كتاب، نسيت اسمه مع الاسف، للوزير السابق الدكتور إيلي سالم تصور تفاوض الرئيس (الحربوق كما وصفه سالم) امين الجميّل مع الحريري بشأن الوسط التاريخي لمدينة بيروت، تشرح وتبرر ما قدمه الاخير من مال لجميع الميليشيات، المتعاونة ضد لبنان عن سابق تصور وتصميم، لتدمير الوسط التاريخي لبيروت تمهيداً لشرائه، إضافة إلى إغراقه البلد بديون ضخمة لم يكن لها أي داع. لكن هذا الرأي لا يمنع ان هناك جريمة كبرى قد حدثت في لبنان وهي إغتيال الحريري، وهناك مخططون وفاعلون لها، لا يريدون القول ما هي الفائدة التي تعود على إسرائيل من إغتيال الحريري، الذي يُعّد ضربة للتيار الوهابي في لبنان، لا شأن لإسرائيل بها من قريب أو بعيد.

 

مرض قديم؟

إعلان الحكومة اللبنانية عدم إلقائها القبض على أي من المشتبه بهم في اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، يعني أن هؤلاء سيبقون خارج قفص العدالة اللبنانية والدولية، لعجز الدولة عن تنفيذ القانون سوى على المواطنين العاديين، وليس على اصحاب الغطاء السياسي الفاعل، ما يؤكد كلام احد المقربين من الحزب السماوي بأن المشتبه بهم “سيضافون كأرقام إلى لائحة المطلوبين اللبنانيين، والفارين من العدالة”. 

الامر مرض مستعص قديم منتشر في كثير من الدول العربية ايضا، فحكومة الرئيس الراحل فؤاد شهاب (التي اشتكوا من سطوتها البوليسية) عجزت في ستينات القرن المنصرم على القبض على بلطجية جرود الهرمل، وعقدت معهم تسوية تنظيم حمل السلاح برخص قانونية بعد فشل حملة تجريدهم منه.

إزاء المطلوبين والفارين اصحاب الغطاء السياسي، تقوم الدولة اللبنانية دائما بالتبليغ فقط بالطرق القانونية، وقد تم تبليغ المتهمين بقتل الحريري عبر وسائل الاعلام، لكن على الارض يعرف الجميع ان الدولة اللبنانية عاجزة عن التنفيذ، الذي يصل إلى حد وقف تعديات سرقة الكهرباء في دويلة الضاحية الجنوبية، أو منع سائقي التاكسي السماويين أوالبريين؛ نسبة إلى نبيه بري، من العمل بدون رخص قيادة، أو في اماكن غير مسموح سوى للسائقين المرخصين بشكل محدد لهم، مثل الوقوف امام الفنادق الكبرى والمطار، ثم ان رفيق الحريري نفسه ايام وهجه الكاسح لم يستطع تحسين طريق المطار عبر الأوزاعي أو بناء جسر علوي، بحجة ان هذا الامر يمس بأرزاق أهل الحزب السماوي، الذين وقفوا يومها بقيادة نائبهم في البرلمان، واعتدوا على رجال الامن بالقاء الحجارة واطارات السيارات المشتعلة والطعن بالسكاكين. 

لعبة الشكليات الرسمية يجيد إتقانها الحزب السماوي ايضاً، فقد تعاون (شكليا) مع لجنة التحقيق الدولية عبر إرسال عناصره التي لا علاقة لها باغتيال الحريري بتاتاً للتحقيق معهم! وفتح مكتباً ثابتاً للمحكمة في دويلة الضاحية الجنوبية لمتابعة عمله، وقدم دلائل وقرائن تحت تصرفها، مثل شريط الفيديو “المفبرك” الذي عرضه أمينه العام وإتهم فيه إسرائيل، إضافة إلى الرشوة التي حصل عليها أحد موظفي المحكمة كما زعم الحزب.

صحيح ان المطلوبين هذه المرة مختلفون عن سائر القضايا الأخرى شكلاً ومضموناً، كون المحكمة خرجت من نطاق القضاء اللبناني، واتخذت الطابع الدولي، لأول مرة في تاريخ لبنان، لكن الحكومة سارت في طريق التبليغ فقط لأنها عاجزة عن إلقاء القبض على القتلة لأنهم شخصيات مُقاوٍمة محترفة تحتمي وراء حدود دويلة سماوية يستحيل ان تخترقها اجهزة الدولة اللبنانية الارضية، إضافة إلى الموقف السياسي الذي اتخذه حزب الله من المحكمة، بوصفها إسرائيلية، وهي حجة سمجة مقنعة للشارع العربي الغائب عن الوعي، بسبب ادمان تعاطي عقاقير الاعلام التي تقول ان المحكمة “أداة اقتصاص من المقاومة”. و”إن اليد التي ستمتد إلى هؤلاء المقاومين هي يد إسرائيلية”، وهو تهديد سماوي معصوم مُبرم سافر للدولة اللبنانية، يضعها داخل قفص الاتهام، بينما القتلة في الشارع يقاومون إسرائيل، وزعيمهم يفاوضها من وراء الكواليس ليقايض جثامين بمحبوسين، وما خفي كان أعظم. 

الفرمان السماوي؟

في مقابلة إعلامية منسوبة لأحد المتهمين باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، قال إن السلطات تعرف مكانه ولا يمكنها اعتقاله، والمقابلة نُشرت في مجلة “تايم” الاميركية والتي قال مراسلها إنه كان برفقة مصدر يعرفه في حزب الله عندما وجد نفسه وجهاً لوجه مع أحد الذين صدرت بحقهم مذكرات توقيف في القضية، الذي قال في المقابلة “إنه يرغب أن يعرف العالم أنه غير ضالع في اغتيال الحريري وأن اتهامات المحكمة الدولية فارغة”، وأن المخابرات الإسرائيلية “قادرة على التلاعب في بيانات الهواتف الجوالة”، في إشارة إلى اعتماد المدعي العام في قراره الاتهامي على هذه البيانات، وأنكر المتهم أن يكون قد تواجد في موقع الاغتيال في وسط بيروت عند حصول التفجير، فلديه ما يثبت بأنه كان يقوم بدوره العسكري في مكان يبعد ساعة ونصف عن العاصمة، وأنه علم بمقتل رئيس الوزراء السابق من خلال شاشات التلفزة. 

ولدى سؤاله عن سبب رفضه تسليم نفسه للمحكمة الدولية قال: “هدف هذه المحكمة هو إنهاء حزب الله وليس كشف الجناة، وهي محكمة مسيسة. إذا أرادوا معرفة الحقيقة فليبحثوا خارج لبنان ولينظروا في الدول المجاورة وسيجدون المشتبه بهم. إسرائيل هي المستفيد الوحيد من اغتيال الحريري” وحول إمكانية أن يقوم حزب الله بتسليمه إلى القضاء الدولي قال: “حزب الله كان سيسلمني منذ اليوم الأول لو كنت مُذنباً”. وعن دور السلطات الأمنية التي أبلغت الجهات القضائية بأنها لم تعثر عليه قال: “السلطات اللبنانية تعرف مكاني، ولو أنها كانت ترغب في توقيفي لفعلت ذلك منذ زمن، لكنها ببساطة لا تستطيع” وختم المتهم المقابلة بالقول “إنه سيواصل عيش حياته بشكل طبيعي ولن يكترث للمحكمة أو ما يصدر عنها من قرارات”.
المقابلة أحرجت الحكومة التي سارع رئيسها نجيب ميقاتي (شكلياً) إلى طلب متابعة الامر، إذ أن بيروت سبق وأعلمت المحكمة عجزها عن توقيف المتهمين المنتمين لحزب الله، بعد ان تم تبليغهم، فتم الاتصال بوزير العدل، شكيب قرطباوي وطلب منه متابعة ما ورد في مجلة “تايم” وفق الأصول القانونية المناسبة، وبدوره أصدر قرطباوي بياناً جاء فيه: “بالإشارة إلى الحديث المنشور في مجلة “تايم” والمنسوب إلى أحد المتهمين في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اتصل وزير العدل بمدعي عام التمييز الرئيس سعيد ميرزا الذي نفى نفيًا قاطعًا أن تكون النيابة العامة التمييزية أو أجهزة الضابطة العدلية المكلفة من قبلها تعرف مكان إقامة أي من المتهمين الأربعة ولم توقفه”.

الأمين العام لحزب الله حسم الامر بفرمان سماوي معصوم، وخاطب الغرائز المُخدرة بالعقاقير الاعلامية، ورفض توجيه الاتهام لعناصر من حزبه في القضية، ودافع عن المطلوبين الأربعة بالقول إنهم من “المقاومين الشرفاء” ورأى أنه لا يمكن توقيفهم ولو بعد 300 سنة.

إدارة الفنادق تختلف تماماً عن إدارة الدول، وما يحدث في لبنان هو نتيجة حتمية لسياسة “بلد خدمات” التي لم تنم حس المواطنة، ما انتج سماسرة يرون البلد مجرد عقارات واراض معروضة للبيع أو للإيجار وفق خريطة طريق الاحداث المختلفة في الشرق الاوسط، وأحدثها الصراع الوهابي/الإيراني.

Print Friendly
This entry was posted in عادل صوما. Bookmark the permalink.