دولة الفاصوليا الخضراء

د. اميل صابر

أما الفاصوليا الخضراء فهي نبات معروف غني بالفيتامينات والألياف، لكن ابني الأكبر لا يستسغ طعمها وتحدث له اضطرابات معوية إن أجبرناه على تناولها.. في حين يحبها أخويه وأنا وأمه ونرى فيها أحد الأطعمة المفضلة لنا.. فشلنا في إقناعه بأهمية تناولها وفائدتها لجسمه، وفشلنا في إيجاد طريقة طهي وبهارات يستطعمها فمه.. وهكذا نجد أن تعريف الفاصوليا الخضراء هو: نبات معروف غني بالفيتامينات والأملاح و يستخدمه الكثيرون كطعام، لا يُختلف على قيمته الغذائية وإن اختلفنا على تقبله.

 فهل من العدل أن نُحرم منها لأن فردا في الأسرة لا يتقبلها؟

وهل من العدل أن نجبره عليها وهي تسبب له لأمعائه لا يحتملها وبنفس القدر لا نقبل نحن –من أجل الحب- تعريضه لها قسرا؟

هل نطرد ابننا هذا من المنزل لنأكل براحتنا؟ أم نترك له المنزل ليأكل براحته؟

ألا توجد حلول لهذه المعضلة تسمح لنا بالعيش المشترك دون إقصاء أو قهر لأي مجموعة؟

هذه الإشكالية تتشابه حد التطابق مع ما نعيشه في أسرتنا الكبيرة مصر؛ فنجد أن عددا لا بأس به من أبناء الوطن يرون في قوانين وأحكام الشريعة الإسلامية فائدة عظيمة لهم ولغيرهم.. في حين أن عددا آخر لا يتقبل هذه القوانين وفضل الوقوع تحت طائلة القوانين المدنية.. أو قوانين الطائفة التي ينتمي إليها خاصة في مسائل الأحوال الشخصية.

التفاهم بين الطرفين مفقود.. ومسألة الاحتكام للأغلبية – أيا كان اختيارها- يشوبها عيبان: أولهما أن للأقلية حق الحياة المريحة المتساوي تماما مع ما للأغلبية واللجوء لأحكام الأغلبية قد يشرع الأقلية بعدم الأمان. وثانيهما أن هذا الاحتكام في ظل الجهل والأمية المتفشيان بين الشعب مضلل؛ وعليه فإن رأي الأفراد لا يكون مرجعه قناعاتهم الذاتية بل ما تم إقناعهم به عن طريق وسائل الإعلام -الموجَهَة، والموجِهِِة- بحسب قدرة إعلام كل طرف على تزيين أرائه ببلاغة لفظية و/أو تلاعب بمشاعر دينية/وطنية.. مما يخل بأحكام البسطاء من الناس والذين يشكلون – مع شديد الأسى والخزي- الأغلبية التصويتية المغلبة للاتجاهات السياسية.

ومع شديد الأسف أن كل النخب تحاول فرض رأيها في هذه المسألة وغيرها دون محاولة الوصول لحل وسط يناسب العيش سويا دون إقصاء أو قهر.

وعلى كل الأحوال فالمسألة يمكن حلها دون إجبار أي طرف على الرضوخ لأراء الطرف الآخر بنفس طريقة حل أزمة الفاصوليا الخضراء في أسرتنا وهي ببساطة أن يكون هناك أطعمة أساسية مشتركة على المائدة يوافق عليها الجميع (أرز،سلاطات، شربة، لحوم، خبز… إلخ) وأن يكون طبق الفاصوليا الخضراء اختياريا.

من فضلك لا تضحك.. بل فكر جيدا في هذا الحل: لماذا لا تكون لدينا أرضية مشتركة من قوانين يوافق عليها الجميع – وهي بالمناسبة أكثر مما يختلف عليه- مثل قوانين تحريم السرقة والكذب والحنث باليمين وخيانة الأمانة والزنا والاستبداد .. إلخ هذه الحزمة إجبارية التطبيق وتضاف حزمة قوانين أخرى تتوافق مع الشريعة الإسلامية للمسلمين، ومع الإنجيل للمسيحيين (بما لا يخل ولا يتعارض) مع حزمة القوانين الأساسية. بشرط أن تكون لها صيغة محددة ولا تخضع لأهواء القائم بالتطبيق وقت التطبيق.

على ألا يتم تطبيق هذه الحزم الاختيارية إلا على البالغين بعد تعليمهم كافة أصول وبنود هذه الحزمة.. وذلك مثلا بأن يتم تدريس مادة القانون إجباريا لكل الأفراد في عمر العشرين عام وأن يكون عليهم عند بلوغ الواحد والعشرين من العمر- عمر البلوغ والوعي- اختيار حزمة قوانين إضافية تكون بمثابة العقد بينهم وبين الدولة فيكونون ملتزمين بعدم مخالفتها وتلتزم الدولة بتطبيق أحكامها عليهم دون غيرها من الحزم الإضافية.

هذه الفكرة غير تامة النضج فهي تحتاج لفقهاء في القانون لصياغة كيفية التطبيق عندما يكون طرفي الخلاف من أتباع الحزم المختلفة.

هيا فكروا معنا في حلول للعيش المشترك.. فكروا معنا في كل مشاكلنا من منظور دولة الفاصوليا الخضراء

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. اميل صابر and tagged . Bookmark the permalink.